"خبز على طاولة الخال ميلاد"... مأساة رجل "خرع"
فاز الروائي الليبي محـمد النعاس أخيرًا بجائزة البوكر العربية في دورتها ال 15 عن روايته "خبز على طاولة الخال ميلاد".
عندما يكتب روائي شاب عن المخبز (الكوشة) والعجين والخميرة وأنواع المخبوزات الفرنسية والإيطالية، سوف يربط المتلقي تلقائيًا بين البطل الراوي "ميلاد" وبين النعاس نفسه، فلا بد أنه عمل في صناعة الخبز أو على الأقل تلقى دروسًا وأجرى بحثًا شاملًا قبل أن يجعل بطله خبازًا.
كتابة بالحواس
يُحيلنا هوس ميلاد بالخبز إلى "غرنوي" المهووس بالعطر في رائعة باتريك زوسكيند "العطر". فثمة كاتب يعرف موضوعه جيدًا، وهوس بطله، وهو ملمح قد لا يتوفر دائمًا في روايات عربية.
"مازلتُ أذكر أول رغيف خبزته. كنتُ أشاهد أبي كعادته، أضع ذقني فوق عصا الشطافة وأراقبه من بعيد منغمسًا في علاقة حبه. كان ينفخ الدقيق العالق بيديه، ويدع العجين لينتفخ بهدوء".
فاز الروائي الليبي محـمد النعاس أخيراً بجائزة البوكر العربية في دورتها الـ 15 عن روايته "خبز على طاولة الخال ميلاد".
عندما يكتب روائي شاب عن المخبز (الكوشة) والعجين والخميرة وأنواع المخبوزات الفرنسية والإيطالية، سوف يربط المتلقي تلقائياً بين البطل الراوي "ميلاد" وبين النعاس نفسه، فلا بد أنه عمل في صناعة الخبز أو على الأقل تلقى دروساً وأجرى بحثاً شاملاً قبل أن يجعل بطله خبازاً.
كتابة بالحواس
يُحيلنا هوس ميلاد بالخبز إلى "غرنوي" المهووس بالعطر في رائعة باتريك زوسكيند "العطر". فثمة كاتب يعرف موضوعه جيداً، وهوس بطله، وهو ملمح قد لا يتوافر دائماً في روايات عربية.
"مازلتُ أذكر أول رغيف خبزته. كنتُ أشاهد أبي كعادته، أضع ذقني فوق عصا الشطافة وأراقبه من بعيد منغمساً في علاقة حبه. كان ينفخ الدقيق العالق بيديه، ويدع العجين لينتفخ بهدوء".
تنبع قوة الرواية الأساسية من الوعي الحاد بالأشياء، والكتابة بالحواس، تفاصيل المرئي والمسموع والمشموم والملموس، وتأثير ذلك كله في روح البطل.
أي أنها رواية من لحم الواقع ودمه، تمثل توجهاً مضاداً للروايات التي ترتدي قناع التاريخ، والمختبئة وراء سير شخصيات شهيرة، وحتى تلك الروايات المؤسَسة على مهارة ذهنية، وتناص مع نصوص.
رواية تخبرنا أن واقعنا العربي (وليس الليبي فقط) ما زال على حاله، وأنّ همومه جديرة بأن تُكتب بحساسية القرن الحادي والعشرين وليس بحساسية كلاسيكية كما عند محفوظ.
لذلك فإنّ اختيار الرواية لم يكن فقط انتصاراً لحصة جغرافية معينة من الخريطة العربية، بل هو انتصار للواقع المنكسر والمترنح تحت وطأة الحروب والإرهاب والديكتاتوريات.
وليس غريباً أن يحضر "الأخ القائد" (القذافي)، لا بطريقته الاستعراضية الفخمة، ولا بالجمل السياسية الرنانة، بل عبر ظلّه القاسي الذي غمر كل تفاصيل الحياة البسيطة في ليبيا طوال عقود. حيث اكتفى الراوي بجمل قليلة جداً تشير إلى فداحة هذا الظل.

انتحار وتبول
في معالجته للواقع الليبي بتفاصيله التي قد لا تلفت نظر أحد، لم يذهب النعاس إلى نظرة عين الطائر، المتعالية، ولم ينشغل بالثيمات الكبرى المعتادة مثل الديكتاتورية والحرب والثورة والإرهاب، بل نظر من تحت الطاولة لالتقاط الفتات.
اختار بطلاً مضاداً لذلك البطل الكلاسيكي الذي يتحدى المجتمع والآلهة، أراده إنساناً صغيراً جداً، بأحلام متواضعة، يرى "الكوشة" جنة الله في الأرض. وعندما يواجه أي مأزق إما أن يتبول في سرواله أو يحاول الانتحار.
إنه أقرب إلى أبطال القصص القصيرة المغمورين الذين يصيحون في آذاننا: "نحن أخوتكم" لكن لا أحد ينتبه إليهم. بطل لا يحرك الأحداث في أي اتجاه بل الأحداث هي التي تحركه.
خضع لرغبة الأب في احتراف صناعة الخبز، ودخول العسكرية، وخضع لطمع العم في التخلي عن "المخبز"، وخضع لـ "المادونا" العسكري القاسي في فترة التجنيد، ولابن عمه "العبسي" في كل شيء، وتشبه بأخواته البنات اللواتي يوظفنه لخدمتهن.
بطل لا يعترف لنا ببطولته، بل بضعفه، وأنه مهان وجبان، حتى في علاقته بزوجته يبدو أقرب إلى الخادم، يعد لها الفطور ويرتب المنزل ويوصلها إلى عملها وينشر ملابسها الداخلية على الحبل.
انعكست الأدوار التقليدية بين الرجل والمرأة، إنه من يقبع في البيت، وهي الصحافية التي تخرج إلى العمل وتجني المال.
وتلك هي المفارقة الثانية -والأكثر أهمية للنص- قلب مفهومي الذكورة والأنوثة في المجتمع الشرقي، وعدم الاكتفاء بحساسية الواقع الآني ورؤيته عبر عدسة مكبرة.
فالذكورة والأنوثة ليستا مفهومين تمنحهما لنا البيولوجيا، منحاً صريحاً وحاسماً، بل هما موقعان ووظيفتان داخل نسيج المجتمع، يجري ضغط وقولبة أي "إنسان" ليمثل أحدهما. ولأن المعطى البيولوجي نفسه ليس صريحاً ونقياً ومثالياً، فمن السهل أن توجد نسخ معطوبة، لا تملك الفحولة وخشونة الصوت، والبطش والتباهي، إعلاناً عن ذكورتها.
من هؤلاء شخصية "ميلاد" الوحيد على بنات، المرهف الحس، الذي يحاول أن يكون "سعيداً لطيفاً" لا أن يكون "ذكراً":
"أبي يؤنبني على "ميوعتي"، وعمي يحتقر أفعالي البعيدة من الرجولة. المادونا المسؤول عنه في الجيش وهو يهزأ بي يحاول أن يقتل الطفل داخلي بلا جدوى، والآن هذه العاهرة شاهد جديد على خيبتي وهواني، ربتت على ظهري، وجلست بجانبي مشعلة سيجارتها: لا تخف، لن أقول لأحد".
هذا القلب للوظيفة "الجندرية" يُلقي الضوء على "أقلية" محتقرة في المجتمع العربي، رغم أن السرد لا يخبرنا صراحة أن "ميلاد" مثلي، لكنه فقط عاجز عن تلبية شروط الذكورة المجتمعية ومطالبها. وبحكم تموقعه هذا يفضح ما تنطوي عليه من ظلم وادعاء وأحكام مسبقة ونمطية. وهو أمر يثير الشكوك بشأن الثقافة التقليدية وما نعتبره "قيماً وعادات"، وسوف يثير الاتجاهات المحافظة ضد النص.

نزوع استشراقي
إن البطل هو الذكر المتسم بـ "الميوعة"، "الرجل الخرع" أي الهزيل ضعيف الجسد والرأي، والزوج العاجز عن الإنجاب، والذي لم يتحصل على تعليم جامعي جيد، لذلك كان من الطبيعي أن تأتي لغته عفوية، وخشنة (مملوءة بمفردات مخلطة من البيئة الريفية ومفردات أجنبية وعامية) تفتقر إلى الصقل الأدبي والجمل الرنانة.
إنه الإنسان العادي الذي يروي لنا قصته كيفما اتفق، وينتقل بالذكريات بين أزمنة ومسارات مختلفة، من الطفولة إلى فترة التجنيد إلى الزواج وشهر العسل.
ولكن مع افتقاره للمهارات الأدبية، كانت لديه مزية عظيمة وهي ولعه برصد التفاصيل سواء الخاصة ببيئته ومجتمعه وأسرته، أو تحليل شخصيته هو نفسه. رصد اتسم بالعفوية، والارتباك، والحس الساخر اللطيف، وأتاح للراوي استعراض حتى ثقافته السينمائية والموسيقية مثل حبه لأغاني أحمد فكرون.
لكنّ رسم هذه "البيئة الليبية" بحساسية عالية، ومغرقة في المحلية لغة ووقائع، قد ينحو بنا منحى استشراقياً، لا شعورياً على الأقل. كأن النص يقدم تلك "اللوحة البانورامية البائسة" لتغذي صورة الغرب عنا، وحكمه علينا.
إن الاستشراق ليس موضوعاً مركزياً مقارنة بالمسارين اللذين أشرنا إليهما، لكنه حاضر في الخلفية. على سبيل المثل هناك شبه إجماع على أن والد "ميلاد" سرق المخبز من صاحبه السينيور الإيطالي الذي اضطر لمغادرة البلاد، في حين أن الإيطالي هو من علمه فنون الخبز وكان محباً لليبيين، ويطلق على بنته اسماً عربياً. فالصورة المثالية كانت من نصيبه، والصورة المدانة كانت لـ "الليبي".
يطل الاستشراق -بصورة أكثر قصدية- عندما يسافر "ميلاد" وعروسه "زينب" لقضاء شهر العسل في تونس، وهناك ترد إشارة إلى شعوره بـ "خيانة القضية الفلسطينية" لأنه وجد نفسه فجأة في مطعم صاحبه يهودي من طرابلس.
تردد "ميلاد" وتهيبه من الأكل في مطعم "يهودي" زال سريعاً بسبب تعامل الرجل العطوف معه، لدرجة أنه عرض عليه المبيت لديه في جناح خاص به هو وعروسه، ورفض تقاضي أي أجر عن الأكل والمبيت، بل إن ابنته اصطحبت زينب لشراء ملابس.
مرة أخرى الصورة المثالية كانت من مصلحة "بينيامين الطرابلسي" أما الصورة القائمة على الظنون السيئة والمخاوف فكانت للبطل نفسه "الليبي". ولم تكن هناك حاجة لجملة خيانة "القضية" خصوصاً أن ميلاد ليس شخصاً "مسيساً" لكنه الصوت العالي الساخر من العرب على ما يبدو. بالتأكيد الصورة النمطية عن "اليهود" زائفة" وكذلك عن العرب بالضرورة، وتعقيدات "القضية" لا علاقة لها بمجمل اليهود الذين عاشوا في البلدان العربية في وئام مع أهلها.
وقد يشعر القارئ بشيء من الريبة في داخله عند تمرير مثل هذه الصور النمطية -عمداً أو سهواً- لارتباطه بـ "سياسة الأدب" وتوظيفه لتمرير رسائل، وضمان قبول الآخر للنص واعتماده في محافل الجوائز والترجمة الدولية.

الفرس على راكبها
في إحدى مرات شجار زينب مع أمه وأخواته قالت له الأم مثلاً: "الفرس على راكبها" أي أن الزوجة تتشكل بحسب زوجها، لو تساهل معها تساهلت.
لا تخلو الرواية من الأمثال وحكم السنين، مثلما لا تخلو من مفردات وعبارات جنسية صريحة، مرحة وساخرة أحياناً، في إطار تحليل العلاقة الرومانسية بين زوجين كسرا النمط التقليدي السائد للذكورة والأنوثة. فما المتوقع من رجل كان يتولى نزع شعر أرجل أخواته؟ ثم فعل الشيء نفسه مع زينب في شقة عمها قبل الزواج منها! وإلحاحها بالسؤال عليه أنه تزوجها لخوفه الأخلاقي من "التخلي عن امرأة مفتوحة".
إن الضغوط الطاعنة في رجولة "ميلاد" لها دبيب النمل في روحه، وتضاعفت أكثر بالتشكيك في أخلاق زوجته من قبل ابن عمه العبسي ثم "المدام" الأرملة المثيرة.
أحب "ميلاد" في زينب تمردها وقوتها إزاء ضعفه، وأحبت فيه حنانه ورعايته، كلاهما لا يمثلان النمط التقليدي للذكورة والأنوثة. ورغم ذلك القدر اللذيذ من الاختلاف، لم يجد السارد المولع بالخبز (والخبز رمز الحياة) حلًا مرحاً للعلاقة.
تحرير النص
كأي نص بدايات ثمة رغبة عارمة في التوثيق و "قول كل شيء". كانت هناك "عجينة" رائعة لكنّ خبز النص نفسه لم يكن بأفضل طريقة ممكنة. هناك خلط في تقسيم النص بالأرقام والعناوين لا داعي له، وافتعال شخص لا نعرف عنه أي شيء في موقع "المروي له" حيث يقص "ميلاد" حكايته.
إنها قصة عادية عن اكتشاف البطل لهويته ونضجه، عن أسرته وبلده، وكان بالإمكان روايتها بالبساطة ذاتها، من دون حاجة لهذه الحيل المربكة.
كان بالإمكان أيضاً اختزال مقاطع وحذفها وتكيثفها بكل أريحية، لأنها مالت إلى الاستعراض والافتتان بالوصف، على سبيل المثل وصف المدام بأنها ترتدي "فستاناً" مثيراً اشترته من خان الخليلي في مصر، وهي منطقة سياحية لكنها ليست مكاناً مثالياً لشراء فساتين باستثناء بدل الرقص الرخيصة.
ولأن النص يفتح خطوطاً وحكايات كثيرة جانبية، لجأ في النهاية إلى دفع معظم شخصياته إلى الموت، من الأب والعم والأم إلى رفيق الجندية الغريق، وزميل العمل في الكوشة وبنيامين اليهودي. معظم الشخصيات ماتت تقريباً.
فكان النص بحاجة إلى مزيد من التحرير وإحكام البناء، وتحاشي الثرثرة، للحفاظ على ألقه وإنضاج خبزه.
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
المشرق-العربي
5/31/2026 9:28:00 PM
فيديو متداول للرئيس أحمد الشرع وعقيلته في بلودان يثير تفاعلاً واسعاً
اقتصاد وأعمال
6/1/2026 5:45:00 AM
الخلط الذي حصل بين مفهوم "الأزمة النظامية" و"الأزمة الممنهجة" أسهم في تضليل النقاش العام حول طبيعة الانهيار الذي اصاب مصارف لبنان، ولا يزال عصياً على الحلّ في ظل غياب رؤية حكومية واضحة.
لبنان
6/1/2026 5:21:00 AM
مسؤول أميركي لـ"أكسيوس": "الرئيس جوزف عون سعى إلى طرح هذا المقترح والتوصل إلى اتفاق بشأنه، لكنّ رد رئيس مجلس النواب اللبناني نبيه بري كان مراوغاً ومخيّباً للآمال"
فن ومشاهير
5/31/2026 9:12:00 AM
التزم رمضان الصمت ولم يُدلِ بأي تعليق يشرح خلفيات الخطوة أو البدائل المحتملة.
نبض