أشرف الصبّاغ يُحاكي الواقع بنبرةٍ ساخرة
من خمس قصص يتشكل المتن السردي للمجموعة القصصية "حبيبتي طبيبة العيون السريالية" للكاتب المصري أشرف الصباغ، والصادرة في القاهرة عن "مؤسسة بتانة"، وتتفاوت المساحات الكمية بين القصص المختلفة في عدد صفحاتها ما بين (20،16، 33،...).
وتصبح في القصة الأخيرة "أول الأرض وأوّل البحر" منفتحةً على تجربةٍ سردية قابلة للنماء، وإن ظلت القصص الخمس تدور حول فضاءات متعينة، تحوي ظلالاً واقعية باستمرار، حتى وهي تصنع موازاة ساخرة للواقع، أو محاكاة تهكمية، أو ترصد ظلالاً من القسوة والمرارة تتخفى خلف صخب الماكينات في منطقة "الوايلي" التي تمثل فضاء مكانياً مهيمناً على قصتي "السيوفي" و"الورشة"، أو ترتحل صوب مدينة الإسكندرية كما في النص الأخير "أول الأرض وأول البحر"، أو تعاين كما في "حبيبتي طبيبة العيون السيريالية"، عالم الأحياء الراقية "الزمالك"، والأمكنة النوعية "نادي الصيد"، أو عالم الطبقات الشعبية "السيدة زينب" المغاير في تكوينه عن "الوايلي الكبير".
طرائق السرد
اللافت في المجموعة هي طريقة الكتابة ذاتها، حيث السخرية المتواترة باستمرار، والتدفق الحكائي بين مقاطع السرد من دون فواصل في القصص الثلاث الأولى ومن دون ترقيمات عددية لها، وكذلك الانتقالات السردية السلسة بين مكونات السرد في القصص الخمس، حتى في القصتين الأخيرتين اللتين تتخذان نسق الترقيم العددي للمقاطع، حيث التحولات سمة مميزة للحكاية بعالمها المحدد في "الورشة"، أو باتساعها الزمكاني في "أول الأرض وأول البحر".

نورهان وشفعات
نورهان هانم أباظة هي مركز السرد في القصة الأولى التي تحمل المجموعة اسمها (حبيبتي طبيبة العيون السريالية)، وهي التي يصبح العنوان مؤشراً على وجودها من طرف السارد الرئيسي الذي يوظف تكنيك عين الكاميرا ليحكي لنا كل ما دار.
في "حبيبتي طبيبة العيون السيريالية" تصبح الدكتورة شفعات أستاذة النقد الأدبي، ذات الطبيعة المركبة عنصراً محفزاً للسرد، تدفع به إلى الأمام، تبدأ القصة من وحدتين سرديتين نورهان والسارد وتمتد لتحوي وحدتين سرديتين ثانيتين، حيث شفعات وابنها (الدكتور وجدي) الذي يداعب نورهان، بينما شفعات تغدق على السارد الطعام والشراب.
وحينما تحين لحظة المواجهة في النهاية، يحكي السارد الرئيس عن الحوار الذي دار بين الراوي ونورهان، والقاموس الذي انفتحت عليه نورهان الشبقة والعبثية، والتي تكيل السباب للسارد، وتدخل في هياج لا يتوقف بعيادتها الخاصة المكتظة بالمرضى: "حدث كل ذلك والزبائن في الخارج ينتظرون طبيبة العيون السريالية الشهية المدهشة نورهان هانم أباظة، التي كانت حبيبتي منذ قليل، أن تنتهي من كشفها على ذلك الرجل الذي دخل قبل ساعتين وخرج ممسكاً بأسفل بطنه، ورائحة الكحول تفوح منه، على الرغم من أنها طبيبة عيون وليس أمراض باطنية أو تناسلية، واليوسفندي والبلح يلاحقانه ويخبطان في رأسه وظهره وهو لا يستطيع أن يحمي نفسه لأن يديه تمسكان بشئ آخر يؤلمه، والأطفال والكبار يتسابقون في جمع حبات البلح واليوسفندي المتناثرة في أنحاء الصالة ويلتهمون ما يستطيعون التهامه، ويضعون الباقي في جيوبهم وحقائبهم" (ص26).

النملة تروي
في "النملة" يجعل الكاتب من النملة ساردة للحكاية، النملة تروي، ولطالما حملت السردية العربية والعالمية نصوصاً تُحكى على ألسنة الطير والحيوان، فضلاً عن مراجعة زوايا النظر المستقرة حول الحكاية، حيث تسعى القصة إلى توكيد عادية الأشياء وليس أسطرتها، وتأخذ صيغة الحكي التي تخطها النملة آلية البوح والاعتراف.
فالنمل مثل كل شيء، منه الجميل والقبيح، وأنسنة الحكاية طابع أصيل في القصة: "أنا نملة، لكنني لا أحب النمل كثيراً. فنحن أيضًا مثل كل الكائنات الكبيرة، مثل الناس والتيوس والحمير، لا نحب بعضنا البعض، ولدينا مشاكل كثيرة وخلافات مع بعضنا ومع الآخرين. وكثيراً ما نعلن عن عدم حبّنا لفصائل وكائنات أخرى لأسباب كثيرة، منها ما يتعلق بكينونتنا، ومنها ما يتعلق بكينونات وتراكيب هذه الكائنات وطموحاتها، وأطماعها وتصرفاتها المبنية على أفكارها. نحن طبيعيون جداً، في حدود المعقول طبعاً، مثل كل الكائنات الأخرى بصرف النظر عن الحجم والشكل اللذين أوجدتنا عليهما الطبيعة. كما أننا لا نأبه إطلاقاً بما يقال عنا، سواء بالسلب أو بالإيجاب" (ص29).
القبض على روح المكان
في "السيوفي"، يصبح سيوفي سيد المكان، فتوة الوايلي، القابض على زمام المكان في قصة تحوي زخماً من الشخوص والحكايات، والراوي هنا من داخل الحكاية، الصبي الذي يكبر في ظلال سيطرة السيوفي على الوايلي، ويتذكر بإعزاز مدهش لقاءه الأول بالسيوفي، ويضيف هو ورفيقاه تلالاً من الحكايات على متن الواقعة الأصلية، في استثمار من الكاتب لمرويات الحكي الشفاهي وأثرها في البيئات الشعبية، ويؤسطر الكاتب هنا شخصيته المركزية (السيوفي)، ويضفي عليها سمات مختلفة، ويغوص من خلال تتبع حكاياته داخل المكان "منطقة الوايلي" في الأنساق الاجتماعية، والعلائق المحيطة به، وجدل الجزء والكل، حين يشير إلى انتفاضة يناير 1977، محيلاً على جدل الفني والسياسي، بطريقة ناعمة، تحتفي بالبشر وليس الأيديولوجيا، ويشير إلى علاقة الراوي بجارته (بطة)، خطيبة صبحي أبو شَرطة، الشاب الوسيم ذي المال والعصبية داخل المنطقة.
ولكن سرعان ما تفسد العلاقة بين بطة وخطيبها صبحي، وتستعر الخلافات ويصبح الجحيم طريقاً وحيداً أمام بطة وأهلها حتى يتدخل السيوفي، فينتهي كل شيء.
أما بطة فهي حلقة الوصل بين الراوي والسيوفي أيضاً، واكتسب الراوي أهميته لدى السيوفي وصبحي وغيرهما من كونه جاراً مستأنساً لبطة البضة الشهية. وتبرز في القصة شخصية سعد ندا أو مُنظر العمال الجشع والكذاب، وصاحب المصنع الذي يتساقط فيه العمال وتتساقط حقوقهم، وهو لا يكف عن الحديث عن العدالة الاجتماعية وحقوق الطبقات الكادحة، ويعري الكاتب هذا النموذج الإنساني ويسائله ضمن سياقات عديدة تتماس معها الكتابة على نحو جمالي وموضوعي أيضاً.
في قصة "الورشة" يتواتر الحكي عن جغرافيا الحكاية التي يقع فيها حي الوايلي بالقاهرة، فتشير إلى الوجه الصناعي للوايلي الكبير، عبر إطار سردي يلوح فيه "يوسف"، و"الحاج" صاحب الورشة التي تأكل أطراف العمال كل حين، وأخوه "سمير" مهندس الصفقات القذرة، وتابعهما "وحيد" الذي يبيع كل شيء وأي شيء، وتتبع القصة نسق البناء الدائري، حيث مفرمة الحياة لم تزل تعمل بكفاءة عالية.
يختتم الكاتب مجموعته في نصه الأخير "أول الأرض وأول البحر"، ويستهله بمفتتح سردي في قلب مكانه المتعين، والمسرود عنه طيلة النص (الإسكندرية)، حيث يشير إلى المدينة الملهمة، والمغوية، والمركبة، وهي تبقى شاهداً على التنوع الخلاق، حيث عوالم الكوزموبوليتان المتعددة، وصولاً إلى التحولات المربكة للشخوص والحيوات، ومحاولات أسلفة المكان، وتنامي الجماعات الظلامية، في نزوع غريب عن روح الإسكندرية الحرة الخلاقة.
نبض