"ثملاً على متن درّاجه"... عن القصة المغربية الحديثة وتحولاتها
يعلم مؤرخو الأدب المغربي ودارسوه أن القصة القصيرة هي أوّلُ نوع أدبيّ حديثٍ ظهر فيه، في الأربعينات، وتهيّأ له أن يتطورَ ويتنوعَ مع ما عرفته المقالة من تغيير أسلوب وتحرّر من القيود الكلاسيكية لغوية مسكوكة وسجعية وبلاغية.
ظهرت، أولاً، فنّاً بَدْئياً مقترِناً بهذه وملتبِساً بالخاطرة والتعليق والحكاية والأمثولة والعِظة، وفي المجمل، جاءت في جميع صِيَغها ذات نزعة تعليمية، تلقينية، منشؤوها ليسوا كتّاباً خالصين بقدر ما هم فقهاءُ معلّمون وأفرادٌ من رعيل الحركة الوطنية الأولى.
الأدب وما في معناه عندهم وسيلة لمناهضة الاستعمار وللدفاع عن هوية الأمة كانت تتعرض بعد نزع السيادة السياسية للتجريد من سيادتها اللغوية الثقافية. عقدان كاملان وفيها سنوات الاستقلال (1956).
هكذا اندرجت القصة القصيرة أو ما استعار قالبَها وتكوينَها في المدونة الشاملة لجميع أنواع التعبير الأدبي. وما الأدب إلا صورتها الشكلية وأداتها الظاهرة بينما مرماها وطنيّ اجتماعيّ مشبوبٌ بحافز نضالي وروحٍ إصلاحية.
بسبب غلبة هذا الحافز، ونظراً لصعوبة البدايات وتمارين التعلم جاء تشكّل هذا الفن بسيطاً مُهلهلَ الحبكة وفيه خلط بين الحكي التقليدي والقصة الطويلة ولا يميز بين المؤلف والرواي، ومطبوعاً بخاصة بالتصوير المباشر للواقع الذي يستمد منه مادته وينقل أحوال ناسه وأجوائه، وهو المميزُ في قصص البدايات القصصية في البلاد العربية جمعاء، والمغربية تأخرت نسبياً لتلتحق بالمشرقية وتسير على هديها، هموم الإصلاح والتغيير ونقد المجتمع واحدة هنا وهناك. إنّ وضع الأدب في هذه الخدمة جعل فنّ القصة عندنا بالطبيعة واقعياً، أولاً، وملتزماً أولاً، أيضاً.
ما بعد الاستقلال
وهذا ما يسري على قصص ما بعد الاستقلال، والستينات التي ستصبح فيها الواقعية رؤية مذهبية وإطاراً في قصص أغلب كتاب المرحلة منهم عبد الكريم غلاب ومبارك ربيع وإدريس الخوري ورفيقة الطبيعة وعبد الجبار السحيمي، عينُهم على اليومي ويرصدون المختلّ في معيش الناس وسلوكهم، في وسط المدينة التي أصبحت حاضنةً لفئة جديدة من السكان وتُفرّخ ظواهر وتنبثقُ منها أزمات مفردة ومفارقات هي مادة هذا الفن الحقيقية.
يمكن القول باطمئنان إن محمد زفزاف (1945ـ2001) هو القاص المغربي الأول الذي عثر على هذه المادة نوعياً وحوّل كتلتها الهلامية إلى عناصر وأجزاء وصور وأوضاع مفردة تُعجَن وتدخل في القالب القصصي القصير. رمى بصرَه إلى حياة البسطاء والوافدين إلى المدينة المسحوقين فيها مادياً ويتقلبون في شبه حياة، يختار لحظات منها مأزومة بوصف عياني دقيق، يرسم الشخصية في قلبها داخل وسطها وما يوحي به من معنى وينتج أخيراً دلالة، بطريقة اللوحة الانطباعية تتكلم بخطوطها وألوانها لا بصوت المؤلف كما في مرحلة سابقة لاغطة. رسّخ زفزاف، ومعه ربيع، هذا الفن بأن زوّداه بأدواته الملائمة البانية لشكله، بصنعة متقنة، المؤصِّلة للمقاربة الفردية من منظور واقعية نقدية، وصَهرْ الذاتي بالجمعي.
تحولات كبرى
ينبغي أن نضع هذا في سياق تحولات كبرى اجتماعية وسياسية، وفي خط مواصلة الأدب المغربي لنهج تحديثه، مِن صُورِه أن تجاورت الروايةُ والقصةُ القصيرة في نحت ملامح هذا التحديث، وتهيّأ للأخيرة أن تحقق تحولاً طفق يتعمق تدريجياً على مستويَيْ الشكل وطريقة بثّ وصنع المحتوى. هكذا، انتقل القاص من معالجة خامة الواقع إلى احتماليته، ووضعِ محكيِّه وتصوُّرِه على صعيد التخييل الملائم لهذه الكتابة.
واستمد، ثانياً، من شواغل ذاته عنصر الإثارة التي تتماسّ مع جاذبية ما يعتمل به الواقع الذي غدا مركبّاً بتضاعيف وتجاعيد تطلبت نصّاً أبدل نظام الوحدات الثلاث للقصة، وأخلّ بالسرد التعاقبي، والتبست فيه هوية السارد، وأهمّ ما لحقه من تحوّل أن أصبحت "أنا" الشخصية متماهيةً مع هوية الكاتب، ومنظورُ القص تخييلي وكلُّ خارجٍ ملحق به، أسماء أحمد بوزفور، محمد عز الدين التازي وكاتب هذه السطور، ممثلون بارزون لهذا التيار.

حدث هذا منذ منتصف السبعينات من القرن الماضي وعلى امتداد العقود اللاحقة، أصبح الأدب المغربي الحديث خلالها وبعدها ثابتَ الأركان رغم قِصر المراحل الفاصلة بين النشوء والارتقاء، وفي القصة القصيرة تعددت الأشكالُ والتمثيلاتُ والمواضيع، ظهر لونُ القصة القصيرة جداً انصرف إليه الناشئة، بجانب قصص بين السرد والخاطرة، هي كتابةٌ تعلن خرق الضوابط الكلاسيكية والانحياز إلى خطاب البوح والاعتراف لذوات وشخصيات مضطربة في واقع ما فتئت بنياتُه وأوضاعُه وقيمُه تهتز وتستعصي على النقل والتمثيل، مما سيلجئ الكتاب العرب جميعاً بدرجات إلى كسر شخصيات وصور الواقع النمطية، وتفكيك المرئي وتمويهه بالخيال، ورفع العبارة من التعيين (dénotation) إلى الإيحاء بمعنى ثانٍ (connotation) وعموماً إلى المجاز الذي هو أسلوب بلاغي من جنس الشعر وألصق به، وهذا ما يصلنا بمقاربة أخرى تُخلخل جذرياً مقومات القصة القصيرة، وفي المثال المغربي، تطرح سؤال الجنس الأدبي.
يمكن للملاحظات النظرية النقدية المذكورة أن تؤخذ مستقلةً، وبالوسع اعتبارُها استهلالاً ملخصاً لقراءة ودرس قصص من طراز مختلف لكاتب صاعد يُزاوج بين كتابة الرواية والقصّ القصير واضعاً بينهما جسراً للحوار والذهاب والإياب مثل بهلوان فنان يرقص في سيرك السرد على حبل مرئي وخفِي وأحياناً يَهوي إلى القاع فلا يصل.
هو إسماعيل غزالي، صدرت له روايات أشهرها "موسم صيد الزنجور" (2014) وله مجاميع قصصية أربعة آخرها "ثمِلا على متن دراجة" (منشورات المتوسط، 2022) يمكن وضعها في سياق آخرِ اجتهادات كتابة القصة القصيرة في أدب المغاربة من نزوع إلى تجديد جمالي، وفهم لوظيفة الأدب في الحياة.

فن واقعي
الحق، أن دراسة هذه المجموعة في إطار جنس أدبي له أعلام مؤسسون في الآداب الأجنبية والعربية (إ.أ. بو؛ غوغول، تشيكوف، موبسان، همنغوي، سالنجر، محمود تيمور، يوسف الشاروني، يوسف إدريس، وليد إخلاصي، محمد زفزاف، مثلاً لا حصراً)، يجعل مجازفةً قراءة نصوص تعلن بتدابير أساليبها وطرائق سردها أنها سرد يروم القطع مع جذور هذا الفن، فتأبى إذن أن تُدرس وتُقرأ بعناوينه وقواعده، لأنه فن واقعي بالدرجة الأولى ولو ارتفع إلى ذروة الاحتمال وركب صهوة المخيلة؛ وثانياً، لأن قوله هو النثر لا الشعر الذي هو تعبير ثانٍ.
وثالثاً لا أخيراً، فهذه كتابة، قصص مشاكسة كلما قربت من الاكتمال (الكلاسيكي) والنسق المنسجم تكسّرت على حطام الأوهام، تبددت حكاياتُها بين الأسطورة والخرافة والأوهام، لا تستقر مكوناتها ومنهجية منشئها على نهج ولا تنضوي في رؤية إلا انشطارها وشتاتها أشباحاً.
مجموعة غزالي الجديدة، تنقسم إلى خمسة فصول، كل فصل يسميه كتاباً، والسادس مقدمة متأخرة، وهو تصميم بنائي، أولاً، لتوزيع القصص حسب خطة الكاتب والأفكار والهواجس المبثوثة فيها.
فتبدو منظومة في عقد خفيّ تتسق بها وتتواصل، خلافاً لنسق المجموعة التقليدية تضم قصصاً متفرقة، هنا لا يوجد تاريخ كتابة، والعناوين اتفاقية ويمكن مبادلتها وعموماً هي إشارية في الغالب؛ والثاني، شكلاني، لعبي، أكروباتي وتفكيكي، لقصص قابلة لأن تُجمع فتُعطي متناً واحداً ما دام له موضوع واحد أو لا موضوع، إذ القصة تموه شواغلها في جميع عناوينها (مثلاً، الكتاب الثاني بعنوان" دوار النهر" يتفرع إلى عناوين صغرى: الجسر؛ القارب؛ الكاتدرائية؛ صفحة مياه آسنة، (ص 19ـ 35).
فيها كلها تقريبًا تبدأ بخبر وصورة منتزعَين من بيئة: الشخصية، الخبر، حادثة ما، كما في "الجسر 19" و"شاطئ الدّمى المهجور 56" وسرعان ما ينسحب عنها غطاء هذه العناصر، سمتَها الوقعي العابر، خدعة للتطويح بها، وبالقارئ، في أفق الالتباس بين واقع وخيال، وفي محطة ثالثة أخيرة في مدى حلمي مطلق إذا انتهيتَ من القراءة استفقتَ تصدق ولا تصدق، فقد كنت، كان قصاً يطير ولا يمشي على قدمين.

السرد التخييلي الحديث
لا يأتي غزالي بجديد، بقدر ما يعمق خطّاً في مجرى القصة القصيرة العربية والمغربية منها، قل، في سردنا التخييلي الحديث برُمّته، العمدةُ عنده تسخيرُ البلاغة وتقميطُ المرئي والمحسوس بكامل صورها فلا يُرى أو يدرّك الشيء في ذاته ولكن أُسبغ عليه ليصبح آخر. ولا أنت تقبض على ما تسعى إليه الحكاية إذا كانت شخصياتها أشباحاً ورؤاها بدورها شبحية، قصة "حارس برج الساعة 63" خير مثل.
منذ منتصف السبعينات والقصاصون والروائيون العرب يضيقون ذرعاً باللباس الواقعي المحدود وهو في آن ضروري للسرد ومن معدنه، كل موهبة اتسعت وخرقته على هواها وطريقتها، وكانت الصياغة الشعرية أو شعرنة النثر إحداها منها ما تسمّى (قصة شعرية) ومنها القول بانفتاح الأنواع على بعضها، وأنا أقول بتلاقحها وهو دائم.
قصص إسماعيل غزالي من قبيلها وتطمح أن تتعداها، ولنا رأي في هذا كله لا يتسع المجال للإفاضة فيه لأنه جزء من درس الأجناس الأدبية الطويل والمركّب.
حسبنا الختم بأن هذه الكتابة إبداعٌ متسلسل متطور وصورةٌ عن تجدد أدبٍ وبحثِه المستمر للتبلور بتمثيلات وهيئات وتصورات ترافق زمنه المتقلب، سياسياً واجتماعياً وإنسانيا،ً ولنا أن نلحظ فيها أخيراً إشكالية بحث الكاتب عن مكان له في الوجود أوسع من دائرة محيطه ولغته وثقافته، وعندما ننتقل إلى التفكير والشعور من بؤرة الفرد الإنسانية العميقة، فإحساسي أننا يمكن أن نبدع أدباً إنسانياً، أيضاً، وإذن مرحى بالقصة القصيرة المغربية وهي تطير بأجنحة الحلم والشعر في فضاء إنساني.
نبض