السعودي عبدالله آل عياف يكتب الموت ببعدٍ أسطوري
لا يخفي عنّا الكاتب السعودي عبدالله آل عياف، ومنذ عنوان روايته "حفرة إلى السماء" (الطبعة الثانية، 2021 دار رشم السعودية ودار مسكلياني التونسية، نحو 300 صفحة من القطع المتوسط)، أنه إنما كتب روايةً عن الموت. لكنه الموت الذي يبدأ من حفرةٍ ليقود إلى السماء.
ومن هنا لا يعود موتاً بالمعنى العدمي، بل مجرّد انتقال من عالمٍ إلى عالم آخر. ومع ذلك لسنا هنا أمام رواية ميتافيزيقية. بالأحرى نحن أمام رواية تكاد تكون أنثروبولوجية وإن اتسمت ببعدٍ أسطوري ما كان يمكن للكاتب أن يكتب روايته هذه لولاه.
ولكن حتى هذا البعد الذي يكاد يكون أجمل ما في "حفرة الى السماء"، ليس هنا سوى رداء خارجي لهذا النص الشاعري الفذ. والرداء يتعلق بــ"مجهرة"، تلك القرية التي لا نعرف ما إذا كانت حقيقية أم لا، لكن كل ما يحدث فيها حقيقي بالتأكيد.
يحدث، ويمكن أن يحدث، في أي مكان آخر من العالم. ولئن كان آل عياف قد اخترع مدينته هذه كما اعتاد الكتّاب أن يخترعوا مدناً يكنّون بها عن عالم أوسع ليس توقياً من ردّ فعل ما، ولكن توخيّاً للوصول بشاعرية السرد إلى حدود قد لا يتيحها الواقع المعيش.
فإن كل ما يمرّ من أحداث تحكيها لنا هذه الرواية، أحداث واقعية بل توصف بدقة الوصف الأنثروبولوجي بما في تلك الحوارات المكتوبة بمحكية سعودية قد يجد القارئ غير السعودي أول الأمر صعوبة في التوغل فيها.
بيد أن لا بد من القول منذ الآن أن ثمة لذة تنبعث بعد صفحات حوارية قليلة، حين "يكتشف" القارئ غير السعودي أنّ في مقدوره أن يفهم الحوارات من دون أن يطلب عوناً من صديق. وذلك بالتحديد لأن الحوارات جزء من النص الأساسي ما إن تفهم النص حتى تفهمه.

الموت العادي
وكذلك الموت جزء أساسي. بل هو الجزء الأكثر أهمية في "حفرة إلى السماء". فالكلّ في هذه الرواية يموتون، كما يحدث عادة في الحياة الطبيعية، فإن لم يموتوا يختفون هكذا في الطبيعة. ونحن نشهد موتهم واختفاءهم حتى وإن كان سيسهى عن بالنا أن نشهد ولادتهم.
لكنّ ولادة غيث إبن تيماء، تلك الولادة التي يفتتح بها الكاتب الأحداث الحقيقية في روايته، تتمّ أمام أعيننا بل أمام أعين سكان القرية جميعاً ليس لأنها ولادة استثنائية، بل لأن المكان الذي تتم فيه مكان استثنائي: فغيث يولد في قبر جده وفي اللحظة التي كان جده يدفن فيها.
وهذا حدث لا يتم عادة في الحياة الطبيعية لكنّ الكاتب أسبغ عليه بعداً واقعياً بل حتى منطقياً: ففي الوقت الذي تكون فيه تيماء راجعة من زيارة كان لا بد منها إلى بيت صديقتها سويّر المقيمة في ظاهر القرية وهي تئن وتهلك تحت ربقة حرارة الطقس وحملها وغياب زوجها ومرض أبيها الذي تتولى شؤونه وما كان يمكنها أن تتركه لحظة، حتى تصل إلى المقبرة التي تتوسط القرية، لتكتشف أن هناك دفناً.
ثم تذهل وتتخبط وتقع حين تدرك أن الجنازة جنازة أبيها الذي مات في غيابها لساعات قليلة. وهي من روعها وحزنها تسقط في القبر فوق جثمان الأب رغم محاولات المعارف والأهل إبعادها أولاً لأن حضور النساء الدفن محظور دينياً، ثم رأفةً بها بسبب حملها.
وهي حين تقع داخل القبر تضع وليدها هناك لتبدأ حكاية هذا الأخير التي ستكون آخر حكايات القرية والتي لن تنتهي إلا بمقتله هو على يد تيماء نفسها بعد أعوام كثيرة. وليس فقط بمقتله بل برميه في القبر نفسه الذي ولد فيه!
هندسة لافتة
والحقيقة أنّ في هذه العودة إلى الحفرة، عودة غيث، إنما يستكمل الكاتب بعداً هندسياً مكانياً أسبغه على روايته، سيكون من الإنصاف التوقف عنده طويلاً. وذلك بالتحديد لأننا نادراً ما وجدنا هذا النوع من الهندسة السردية يسمّ رواية عربية ليصبح حتى سمتها الرئيسة.
ففي نهاية الأمر لا بد من أن يلاحظ القارئ في لحظةٍ مبكرة من لحظات قراءته رواية عبدالله آل عياف أنّ تلك الهندسة تكاد تكون همّه الأول، وليس فقط في رسمه لطوبوغرافية القرية، بل أكثر من هذا، في تعيينه الخلاق للحظة التي يقرر فيها أن يخبرنا بمكان أو زمان حدوث أمر ما.
ولعلّ اللافت - والذي يُسجل حقاً لمصلحة شكلانية أدب آل عياف، هو أن "إخبار" القارئ بالأحداث الكبرى لا يتم بشكل عشوائي وإن كان، من جرّاء لؤم معين لدى الكاتب، يتم غالباً خارج اللحظات التي قد يكون من المنطقي للقارئ أن يتوقع أن يصله الخبر المعين.
وهو على أية حال غالباً ما يكون خبر موت أو أختفاء، أو حتى موت بالجملة كما يحدث ذات لحظة لفرج وزوجته سويّر وبقية أولاده بعد أن تصالح الزوجان وقرر الأب السائق أن يصحب العائلة في رحلة حج سعيدة فيكون الحادث الذي يقضي على العائلة بصلحها وسعادتها حيث لا تنجو من الموت سوى فطوم إبنة فرج وسويّر الكبرى التي ستعيش لأمرين أولهما أنها هي، التي افتتحت بها الرواية تقريباً وكانت في الرابعة ناضجة تساعد أمها، كان يجب أن تنجو وحدها من مصائر الموت والاختفاء التي تكون من نصيب أهل مجهرة، لمجرد أنها يجب أن تقوم بدور أساسي وهو إخبار القارئ في النهاية بأن مجهرة نفسها لم تعد موجودة أمام زحف حضاري حوّلها إلى مدينة حديثة وقد تزوجت هي وانتقلت إلى "العالم الخارجي" الذي كان في السابق وقفاً على المختفين، ولكن لكي لا يتساءل القارئ لمَ لم تقتل فطوم مع أسرتها نسارع إلى إخباره: لأن ليس ثمة متسع لها في السيارة إضافة إلى أنها هي تفضل البقاء مع تيماء. وستبقى معها تماماً كما سيبقى غيث مع الشيخ عيسى بعد أن تركته له أمه مستبدلة إياه لاحقاً بفطوم. والحقيقة أن مثل هذه الاستبدالات تكثر في "حفرة الى السماء" وربما تشكل جزءاً شديد الواقعية من أسطورية القرية. وربما من بُعدها الأنثروبولوجيّ أيضاً.

حكاية غيث وآبائه البدلاء
الحقيقة أن غيث الذي إن لم يكن "بطل" الرواية، فهو محرّك جزء أساسي من أحداثها الأساسية، طالما أن الزمن الروائي الذي يختمه ما ترويه لنا فطوم في النهاية يتابعه من ولادته في المقبرة إلى مقتله فيها وهو يتساءل دائماً عن أبيه وكيف اختفى.
لكنه يكفّ عن التساؤل حين يجد في أستاذه في المدرسة، ظافر، بديلاً للأب. ولكن حين يموت ظافر محترقاً في مكتبة المدرسة عند محاولة تجديدها وطلائها، يعود غيث إلى التساؤل حول مصير أبيه؛ وبعد ذلك حين ترسله أمه ليعيش في بيت عيسى وقد قطعت يده، - بحادث أم تبعاً لحكم شرعي لكونه قد سرق في المدينة التي يزورها؟ لا نعرف تماماً-، وقبل أن يدرك أن الشيخ عيسى لا يمكنه أن يكون بديلاً لأبيه ولا للأستاذ ظافر، سيتوافر هذا البديل من خلال شقيق عيسى الملقب بـ"طافي" لأنه كان خلال غيابه خمسين عاماً عن مجهرة حيث ناداه البحر فلبّاه ليصبح "نوخدة" وهو حتى لا يعرف السباحة، لأنه اكتسب من الحكايات والمعارف والتجارب ما يغري غيث بملازمته والتحول إلى جمهور مفرد له.
لكنّ طافي لن يكون بديلاً وحسب، بل هو الذي ينقذ غيث من الغرق والموت فيما يكون قد وصل الى القرية عائداً من غيابه الطويل، من دون أن يعرفه ومن دون أن يعرف السباحة أصلاً رغم عمله بحاراً طوال فترة غيابه. "طافي" هذا الذي يقيم بعد عودته من غيبته الطويلة، في بيت أخيه ليجد أنّ غيث يشاركه البيت والحديث في وقت كانت فيه تيماء قد قررت مجابهة مجتمع الرجال الظالمين القساة وزراعة البلح في لعبة تحدٍّ سافرة لا شك أنها كانت محظورة بقدر حظر دخول النساء المقبرة يوم الدفن.
ولكنها كما فعلت في المقبرة وولّدت غيث، تعود بعد سنوات، تزرع أرضها بمساعدة فطوم التي صارت في عهدتها متحدية ليس الرجال فقط، بل كذلك الصراع الأبدي بين عائلتين تشكلان معظم سكان القرية وتتناطحان في ما بينهما.
وبسبب ذلك التطاحن كان لا بد أن تقام المقبرة وسط القرية لتشقها نصفين، ولهذا السبب يحاول الشيخ عيسى أن يمنع غيث من أن يحقق غايته "الحياتية" بأن يمتهن دفن الموتى حتى وإن كان هو من لقنه كل أسراره بدقة.
الحياة كما هي
الحقيقة أن عبدالله آل عياف يهدينا هنا صفحات بديعة حول الجانب الأنثربولوجي من الحياة في قريته "الأسطورية" تلك، وتحديداً من خلال تلك المقبرة ودورها في حياة القرية بشكل عام وفي حياة غيث، من ولادته إلى موته في شكل خاص.
صفحات يضحّي من أجلها بجانب اجتماعي كان يمكنه أن يثري الرواية التي في هذه الأطر كلها، سواء كانت حاضرة أم متمناة، تجعل من "حفرة الى السماء" تلك الرواية السعودية التي لا شك أن كثراً من القراء كانوا ينتظرونها منذ زمن بعيد، وبالتأكيد بعيداً من ذلك الأدب الروائي السعودي الذي كثيراً ما كان قد وضعنا على تماس مع أنماط معينة من شخصيات سعودية وحياة مدينية سعودية وعلاقات عائلية سعودية، وتمكن خلال الثلاثين عاماً السابقة أو نحو ذلك، من أن يعرّفنا إلى مجتمع كان بالنسبة إلينا غامضاً ومثيراً للإهتمام، وغالباً في واقعية اجتماعية ترتبط بكون الراوي جزءاً من لعبة الحكي نفسها حتى تكاد معظم الروايات تكون "بورتريهاً ذاتياً" أو سرداً لشؤون المجتمع وشجونه (كما في الروايات الأساسية لعبده الخال أو حتى تركي الحمد وعبدالعزيز المشري ومحمد علوان، وغيرهم من الذين انتجوا أدباً سعودياً كبيراً وممتعاً).
ولكن هنا لا بد من أن نشير إلى مقدرة عبد الله آل عياف اللا-ذاتية رغم شاعرية لغته على كتابة نصّ روائي كان كاتب هذه السطور يتمنى قراءته يوماً لا سيما منذ أبقته "ثلاثية" تركي الحمد على ظمئه لمعرفة كيف يمكن لكاتب سعودي أن يتناول "الجانب الآخر من الصورة" بعيداً من لغة الذات التي تطغى غالباً على الأدب العربي لا سيما في بداياته.
نبض