بعدما عبرتُ منطقة "المكس" كنت أعرف أنّ الطريق سيكون خاليًا لمسافة ليست بعيدة حتى أصل إلى المذبح القديم الذي كان يسمى بـ"السلخانة"، كان مذبح الحيوانات الوحيد في الإسكندرية. أعرف أنه نُقل الآن خارج المدينة ولم أسأل يومًا أين تم النقل.
ولكن كان وسط الشارع قضبان للترام التي تأتي وتذهب من المنشية أو من محرم بك. كنت وأنا أعمل في الترسانة البحرية التي سنقترب منها بعد قليل، كثيرًا ما أعود الى البيت مشيًا أنا وصديقي محمد تمام رحمه الله.
كان هو يسكن مع أهله في مساكن السواحل في المكس، وكنت أنا أستمر إلى منطقة وادي القمر التي سكنّا فيها بعض السنين، بعد أن أحيل أبي إلى المعاش عام 1962.
كانت العودة من الترسانة مشيًا فسحة جميلة، ولم يكن ذلك لأننا لا نملك ثمن التذكرة مثلًا، لكن لأننا نحب المشي.
حين وصلت إلى منطقة المذبح وجدت مبانيها كما هي، لكن عليها آثار القدم. كان جوارها أيضًا مصانع للجلود تم تأميمها ثم تدميرها في ما بعد. تذكرت ضاحكًا كيف في زقاق ضيّق جوارها كانت هناك حظيرة للخنازير.
لم يجعلوا واجهتها على الشارع، فكانت غايتنا أحيانًا أن ندخل الزقاق نتفرج من النوافذ على الخنازير ونضحك، وقبل ذلك في سنّ أصغر كنا نقذفها بحجارة صغيرة فنسمع نخيرها ونرى حركتها.
كيف كنا في سن أصغر نفعل ذلك؟ كنا في مدرسة طاهر بك الإعدادية القريبة التي جوارها وتحتها قسم بوليس الورديان، وقبلها وأنا قادم من المكس مدرسة الورديان الثانوية للبنات.
رغم أني كنت أسكن مع أسرتي في كرموز ذلك الوقت، لكن الشيطان كان يغوينا أن نذهب إلى السلخانة نعاكس الخنازير على الناحية الأخرى. لم يكن ركوب "الترام" يكلفنا شيئًا، فمعي اشتراك فيها.
كان يتمّ إخراجنا مبكرًا أحيانًا للتظاهر ضدّ نوري السعيد في العراق، أو ضدّ الاستعمار تمجيدًا لنكروما أو من أجل الجزائر وكفاحها للاستقلال. كنا نمشي ونهتف كما يقال لنا حتى نصل إلى مدرسة الورديان الثانوية للبنين التي صارت إدارة لشركة الترسانة البحرية في ما بعد، وينضم إلينا طلبة الثانوي الأعلى صوتًا ثم طلبة معهد ديني تم هدمه ودخل في حرم الترسانة. الشارع يقلب عليّ الذكريات. عبرت السلخانة وتذكرت العربات الكارو التي كانت تقف أمامها تنقل اللحم، والنساء خارجات منها شاريات لحومًا يتجهن للناحية الأخرى ليركبن الترام.
كان أهم ما تأتي أمي من كرموز لشرائه من السلخانة هو الكوارع والفشة والممبار، فهي أرخص وأفضل كما كانت تقول هي وجاراتها.
الحقيقة أن في مساكن عمّال السكة الحديد التي كنا نعيش فيها كانوا يربّون الخراف والنعاج والماعز في أكشاك أمام البيوت، وكانوا أيضًا على الأسطح يربّون البط والوز والدجاج.
كان البروتين متوفرًا جدًا، وضف عليه الأسماك من الملاحة. بحيرة مريوط التي كانت تعرف بذلك والتي جاءت في أغاني لإبراهيم عبد الشفيع وغيره من نجوم الغناء في الإسكندرية. كما ظهرت في أفلام مثل "امرأة في الطريق" مبكرًا ومثل فيلم "الكيف" في ما بعد وفي أكثر من مسلسل لإذاعة الإسكندرية. كانت غوايتنا فيها صيد السمك ومن حولها صيد العصافير.
كان لا بد أن أتذكر هنا الكاتب الكبير محمد حافظ رجب رحمه الله. كيف وقد عرفته في السبعينات يسكن ويعيش في منطقة بوالينو بمحرم بك. مرت سنون وعرفت أنه انتقل إلى هنا في مساكن شعبية أقيمت على شاطئ ترعة تم حفرها لتصل بين الميناء وبحيرة مريوط.
كتبت عبر السنوات الماضية في أكثر من مقال أطالب لمحمد حافظ رجب بجائزة الدولة التقديرية ولا فائدة، وكذلك جائزة كفافيس السكندرية كان أحق بها، فهو المجدد الاستثنائي من زمان ولا فائدة، كأننا نعوي في فراغ. لقد ظلمت هذه الجوائز نفسها بإهماله. عاش غريبًا وهو أصل عظيم في التجديد الأدبي، لكنه عاش راضيًا.
مررت على المساكن التي رأيتها واقفة متجمدة، وبدت لي تتذكر في أسى محمد حافظ رجب.
ما أريد هنا أن أقوله أنني منذ عشرين سنة تقريبًا ذهبت إلى مدرسة طاهر بك دون موعد سابق لتصوير جزء من فيلم عني للقناة الثقافية. الفيلم كتبه المرحوم مكاوي سعيد وأخرجه سامي إدريس وتعليق صوتي لشريف عامر.
وكان عنوانه "صائد اليمام"، ذهبنا بلا موعد ولا تصريح سابق من أي جهة. قلت لهم سأجد من يعرفني وسيسعد الناظر، أي ناظر، بأني كنت من أبناء المدرسة. بالفعل قابلت الناظر وكان في عمري تقريبًا. وبعدما جلسنا معه وطلب لنا الشاي قبل التصوير، سألني ألا تذكرني يا إبراهيم، كنا معًا في فصل واحد. تذكرته وضحكنا وتذكرنا أصدقاء كثيرين شغلوا مناصب هامة في الحياة.
تذكرنا زميلًا كان اسمه محمد المعتز بدين الله الحبشي. هذا اسمه وحده وكان أبوه اسمه ياقوت محمد سلامة، فكان اسمه الثلاثي محمد المعتز بدين الله الحبشي ياقوت محمد. لم أفهم ولم يفهم أحد معنى هذا الاسم ولماذا. وحين قابلتُ عددًا آخر من الأصدقاء القدامى في ما بعد سألتهم عليه فتذكروه وضحكنا وأخبروني أنّه محام كبير في الإسكندرية. لم تسعفني الظروف لأعرف مكتبه وأزوره.
أصدقائي القدامى يهلون عليّ مع المدرسة وسيهلون مرة أخرى حين أصل إلى مقهى خفاجي بعد محطتي ترام. منهم يحيى خفاجي أو علي خفاجي الذي ذكّرني يومًا بذلك، وكنت ذهبت إلى المقهى صدفة ورآني فحدثني عن وجودنا معًا في المدرسة. كان يعرفني من التلفزيون هو وغيره أو مما أنشره، فمقهى أو قهوة خفاجي التي أقيمت في الخمسينات كانت في الستينات مثل مركز ثقافي، واستمرت كذلك حتى أعوام قريبة. سأتحدث عنها أكثر حين أصل إليها. وكان عجيبًا أن الفنان التشكيلي مصطفى عبد الوهاب أمضى عامًا في مدرسة طاهر بك. لكن كان من زملائي أيضًا محمود السعدني - غير الكاتب الشهير - وله حكاية.
تخرّج من كلية الفنون مع مصطفى عبد الوهاب وعمل في لندن في مجلة سيدتي. كنت أرسل إليها أحيانًا قصصًا أو مقالات عن طريق مكتبها في القاهرة. يرى صورتي ويرى "اسمي إبراهيم عبد المجيد" حتى جاء زيارة للقاهرة يومًا وقرر أن يقابلني.
كان قد عرف أني أعمل في الثقافة الجماهيرية في شارع أمين سامي المتفرع من شارع القصر العيني. كنت مديرًا للثقافة العامة وذهبت متأخرًا كعادتي، فأخبرني الموظفون أنّ شخصًا جاء يسأل عني ولم يجدني، وقال إنه قادم من لندن. لم يترك اسمه لكنه قال إنه يقف في الباحة بين الدور الأول ربما يراني قادمًا. نزلت لأراه. وجدت شخصًا نحيلًا أشار إليّ. صافحته وهو يقول لي ألا تذكرني يا إبراهيم؟ ارتبكت. لا أذكره. قلت ما أشعر به وهو أني لا أذكرك لكنني أشمّ رائحة الإسكندرية ورائحة المدرسة التي كنا فيها.
قال لي أنا محمود السعدني. لم يكن يمكن أن يُنسى على الأقل لاسمه الشبيه باسم الكاتب الكبير محمود السعدني. تحاضنّا وأنا مندهش. كنت سمينًا يا محمود. قلت. وكان بالفعل سمينًا ربما أكثر الطلاب سمنة، لكنها لندن والحياة هناك.
بعد ذلك تتالت لقاءاتنا كلما جاء القاهرة، ثم صرنا نتراسل على الفايسبوك وطال الوقت ولم نرَ بعضنا بعضًا. أسماء كثيرة من هذه المدرسة، مثل بقية المدارس ذلك الوقت خرج منها تلاميذ نجباء في مصر والعالم. يومًا ما قلت للمذيعة بوسي شلبي كيف كان معنا في المدرسة زوجها الفنان محمود عبد العزيز، وحين التقينا وجلسنا نتذكر أسماء كبيرة مهمة.
كانت وفاته ليلة سفري في الصباح إلى فرنسا في مهمة لا أستطيع تأجيلها ورثيته حزيناً في تويتر والفايسبوك.
أتذكر هنا خطبة الصباح في المدرسة التي كان يتبادلها مدرّسان على طريقة المذيعين الشهيرين وقتها، أحمد سعيد ومحمد عروق، وكانت خطبة تنفث فينا نار كراهية الاستعمار. وأتذكر على الناحية الأخرى مدرّسًا كان يضحكنا كثيرًا. كان مدرّسًا للغة الإنكليزية اسمه "بِشْر". كان كثيرًا ما يقطع الدرس ليقول نكتة، ومما أتذكره قوله عن "اتنين شيوخ قاعدين على القهوة ومعدي قدامهم طلبة إعدادي فحبوا يوروهم إنهم يعرفوا انكليزي، فقال واحد منهم للثاني "ديكتيشن ذا غلاس". وديكتيشن أصلا هي مادة الإملاء" وليست لملء شيء، لكنه استخدمها كأنه يقول "املا الكوباية"، فقال الثاني "كومبوزيشن جود". وكومبوزيشن هي مادة الإنشاء فكأنه يقول "إن شاء الله" لكن الذي أضحكنا كثيرًا شرحه يومًا لقصيدة إنكليزية عن الخريف، يقول فيها الخريف حين يهلّ للشجر اخلع رداءك، فترجمها أن الخريف يقول للأشجار "اخلعي لباسك".
ضحكنا بقوة فقال "بتضحكوا على إيه يا بهايم، اللباس هو الملابس عمومًا وليس ما تحت البنطلون". لكن الذي كان يضحكنا من دون نكت بعد أن ينتهي الدرس الذي كان مليئًا بالرعب، كان مدرّسًا للغة العربية اسمه الشيخ جمعة.
أجل كنا نضحك من أفعاله وحركات يديه وشفتيه وعينيه بعد أن تنتهي الحصة. كان شيخًا حقيقيًا في زيه وكان دائمًا غاضبًا لا ندري لماذا. درّس لنا اللغة العربية في السنة الثانية. كان يحمل دائمًا خيزرانة يضرب بها من يخطئ ضربًا شديدًا. كان مقررًا علينا قصة عن الجزائر والمقاومة، وفيها مشهد للبطل يودع زوجته ليذهب إلي الجبال للقتال. انتهى المشهد بكلمة "فقبّلها وخرج".
لا أعرف كيف كنت لا أعرف معنى قبّلها. حتى الآن لا أعرف كيف أنا الذي فزت في طفولتي وصباي بمئات القبل من النساء جيراننا. سألته "يعني إيه قبّلها يا استاذ؟" ملأ الغضب وجهه بسرعة وسألني "مش عارف يعني إيه قبلها؟" اقترب مني والفصل كله يكتم أنفاسه، ومن يعرف المعنى يكتم ضحكه بيده. قال لي "قوم اقف". وقفت فسألني من جديد "مش عارف يعني إيه قبّلها؟". قلت لا والله وتراجعت في ذعر. قال يعني، وأشار بإصبعه الأوسط . قالها في كلمة واحدة، ونزل عليّ بالخيزرانة ضربًا مبرحًا.
كانت هذه هي المرة الوحيدة التي ضُربت فيها في المرحلة الإعدادية. لقد عرفت يومًا متأخرًا جدًا أنه مات غرقًا في شاطئ المكس لأنه نزل الماء بملابسه فلفها الموج وسحبه. لم أصدق وقلت ربما هي إشاعة قالوها عليه تلامذته. رحمه الله في كل الأحوال. لقد كان قد تجاوز الخمسين عام 1960.
كان المدرّس الذي لا أنساه هو الأستاذ إبراهيم الأول مدرس اللغة الإنكليزية أيضًا. عرفت في ما بعد من صديقي حسين اللنش أنه والد المذيعة نجوى إبراهيم. كان معارًا إلى الإسكندرية ويسكن في المفروزة. في أحد البرامج ومنذ سنوات طويلة كنت ضيفًا مع نجوى إبراهيم فحدثتها عنه. سألتني ما رأيك فيه؟ قلت له حببني باللغة الإنكليزية وكان شكله مثل باكوات زمان في سلوكه والكاب الذي على رأسه. وكان كذلك حقيقة.
مدرّسون كثيرون كانوا عظماء، وتلاميذ كثيرون صاروا في مراكز مرموقة، ولم تكن مدرسة طاهر بك وحدها، بل كل المدارس . بقايا الملكية من نظام ونظافة وتعليم ومدرّسين.
أعود الى يوم ذهبت للتصوير في المدرسة. وسألت الناظر أن نقوم بالتصوير في المكتبة فابتسم وقال "مكتبة إيه يا ابراهيم. المكتبة مقفولة بالقفل وكلها عنكبوت ولا يدخلها أحد، بل كل التلاميذ تقفز من فوق السور ولا تأتي الساعة الحادية عشرة إلا والمدرسة شبه خالية كما ترى. كيف يحدث هذا؟ قال آسفًا "المدرسون يشجعونهم على ذلك لزوم الدروس الخصوصية".
انتهى التعليم وباقي لي سنة وأخرج إلى المعاش وتنتهي القصة. كنت أعرف أن ذلك هو سمة العصر، فأبنائي في مدارسهم الحكومية في الثانوي أو الإعدادي في امبابة يفعلون ذلك. ومن ثم هو في كل المدارس الحكومية. بل لا أنسى يوم أن ذهبت إلى مدرسة ابني الأكبر زياد، مدرسة يوسف السباعي الثانوية في العجوزة. ذهبت إليه فوجدت الفصل بلا تُخت ولا مقاعد، والدروس تتم وهم واقفون. كان ذلك في أواسط التسعينات. اندهشت جدًا لكنّ الناظر قال لي إن كل شيء سيتم إصلاحه.
لم أذهب إلى هناك مرة أخرى، وشجعت ابني على عدم الذهاب والاكتفاء بالدروس الخصوصية. كان سبب ذهابي أن ابني جاء من المدرسة يسألني "هل انت كافر يا بابا؟" سألته مندهشًا لماذا تقول ذلك؟ قال لي إن وكيل المدرسة يدرّس لهم اللغة العربية، وقال لهم إن نجيب محفوظ كافر لأنه يكتب الروايات. ذهبت محتجًا وجاء الوكيل واعتذر أمامي في غرفة الناظر حتى انصرفت وأنا أعرف أنه لن يكف عن ذلك، لكني أرحت نفسي. حين كتبت ذلك يومًا على الفايسبوك فوجئت بابني الأصغر إياد الذي كان في الابتدائي ذلك الوقت وفي مدرسة خاصة، يقول لي "أنا كنت أحيانًا وأنت نائم أنظر إليك وأبكي لأن مدرس اللغة العربية قال لنا إن نزار قباني كافر وسيدخل النار، وأنا أعرف أنك تحب نزار قباني". لم يقل لي شيئًا من ذلك وهو تلميذ فكنت ذهبت إلي المدرسة محتجًا. لقد توقف ابني الأصغر عن البكاء وحده لأنه كأي طفل لا يتصور أن أباه سيدخل النار.
المهم وصلت إلى مدرسة طاهر بك هذه المرة، ولا بد أن أنظر إليها على يميني فأنا متجه للورديان والقباري.
وجدتها قد سقطت نوافذها وبان عليها الخراب ووضح لي أنها فرغت من الطلاب. لم أتوقع ترميمها لكني توقعت هدمها لأنها تشغل مساحة كبيرة على الطريق العام، شارع المكس الواسع الذي صار خاليًا من الترام.
ومن ثم تصلح مولًا أو عدة عمارات، وأتمنى أن لا يحدث ذلك ويعاد ترميمها، لكني من كثرة ما أسمع عن البناءات الجديدة للمولات أذهب إلى التشاؤم دائمًا. لو كان هناك ترميم فلماذا لا يتم الآن ولقد بدأت الإجازة منذ شهر، بل والتعليم منذ الكورونا على الهواء. هل بسبب ذلك خربت المدرسة بعد أن خلت من الطلاب؟ كل شيء جائز في هذه البلاد.
نبض