بثينة العيسى لـ"النهار العربي": السّمة الكويتيّة ضروريّة لأنسنة أبطالي
بثينة العيسى لها صفات عديدة، تتعدد بتعدّد نشاطاتها. كاتبة، روائية، مترجمة، بائعة كتب، مدربة في أساسيات الكتابة، مؤسسة وشريكة في مكتبة تكوين (منصة للكتابة الإبداعية ومكتبة لبيع الكتب).
لكنّني أظن أن أبرز صفاتها هي أنها مُلهمة. مُلهمة في الكتابة، وفي الدور المهم الذي تقوم به في المجتمع الكويتي لتشجيع القراءة ونشر الثقافة والوعي، وهو الدور الذي يمتدّ راهنًا من الكويت إلى دول عربية أخرى. ملهمة كأم لا تلهيها الأمومة عن القراءة والكتابة وتسيير عملها ومتابعة أنشطتها، والعكس.
وبين عوامل الإلهام التي أتأملها في بثينة أنها مهمومة بالكتابة، بتجويدها، وبطرح أسئلة التقنية والمضمون في نص بعد آخر، تمامًا كما يتجلى في أحدث رواياتها "السندباد الأعمى" (منشورات تكوين)، والتي تتقدم بها خطوة أخرى في مشروعها الروائي، حيث تتأمل أحوال جيل عاش أجواء فترة غزو الكويت والتحرير في عمر الطفولة، وتتقصى أثر هذه التجربة القاسية على مدى ثلاثة عقود لاحقة، في نص بالغ الحساسية والرهافة في التعامل مع المشاعر البشرية، وفي تقمص ذهنية الطفولة، بين سقالات اللغة وسقالات منح الحياة في شخوص العمل ودمج هذا كله في مزيج متشابك من عناصر الحياة اليومية التي تبني بناءً يُشكّل جانبًا من جوانب الهوية الكويتية.
فكرة أن ثمة مشروعًا لديها يأتي من ظواهر عديدة في أعمال سابقة لها، لكني سأختار فكرة تكرار ظهور إحدى الشخصيات في هذا العمل كان قد سبق لها الظهور في رواية "كل الأشياء"، هو عبد المحسن العظيمي، مناضل جيل السبعينات، المشغول بالسياسة، ووالد جاسم بطل كل الأشياء، إذ يظهر في النص الجديد عبر تداعيات ذكريات أبطال العمل في فترة الثمانينات قبل الغزو، فلننطلق في هذا الحوار مع الكاتبة بثينة العيسى من هذه النقطة:
* من اللافت في "السندباد الأعمى" أن يتكرّر وجود شخصية عبد المحسن العظيمي، والد جاسم بطل روايتك السابقة كل الأشياء. ورواية السندباد، وإن كانت تركز في ثلثيها على مفارقات حياة الأبطال في زمن الغزو، لكنها تصل الى زمن جائحة ورصد باء كورونا أيضًا. فلماذا تكرّر ظهور عبد المحسن هنا؟
- يقال إنّ سيبويه لمّا جاءه الموت قال «أموتُ وفي نفسي شيءٌ من حتّى»، وقد كان عبد المحسن العظيمي هو «حتى» التي تخصّني. أنا ببساطة لم أكتفِ منه وأريد اكتشافه. أحسّ بأنني شديدة الفضول في ما يتعلق بهذا الجيل، وأشعر أمامهم بأنني عديمة السيّاق. الأمر الآخر، أنني على مستوى شخصي لم أحصل على أبٍ مكترث بالسياسة فعمدت إلى تخيّله وإدانته في «كل الأشياء» والاقتراب من عطبه في «السندباد».
عندما شرعتُ في كتابة «السندباد الأعمى» اكتشفتُ أن نواف وعامر وطلال وهدى ينتسبون إلى جيل عبد المحسن العظيمي، وخطر لي أن أمدّ جسرًا حكائيًا صغيرًا بين الروايتين، لأننا إذا وضعنا الاثنتين بعضهما بجانب بعض، ربما (أقول ربما) سنحصل على نظرة بانورامية للمشهد السياسيّ المحليّ بأهم تضاريسه، منذ العرائض الشعبية ودواوين الاثنين وحتى الحَراك.
* اللغة فيها شيء لافت، لغة خالية من الغنائية والشعرية لكنها مُحمّلة بالصور الجمالية، ومكثفة في الوقت نفسه. هل الموضوع يفرض اللغة الخاصة به؟ أم أنك تعملين على تطوير اللغة في نصك عامةً؟
- كنت دائمًا أولي اللغة عناية فائقة، لأنني أتخيل الرواية كنسيجٍ، وأعرفُ أن كثافة النسيج وتعقيده هو ما يجعلني راغبة في الكتابة (والقراءة)، وأحبُّ أن تعكس لغتي حالة اكتناز وجودية مليئة بالمفارقات وشديدة التداخل، لكنّ الاختلاف هذه المرة، أنني تخلّصت من آلاف الكلمات، والجُمل الأنيقة حقيقة، في سبيل كثافة أشد. (كان بإمكاني أن أكتب السندباد في 400 صفحة أو أكثر). الأمر الآخر الذي فعلته بشكل مختلف هذه المرة هو قراءة العمل جهريًا من الغلاف إلى الغلاف قبل إرساله إلى المطبعة. استطعت أن أتبيّن التعابير والألفاظ المكرّرة، حاولت استبدالها أو التخلص منها.
* نادية شخصية مركزية جدًا في العمل، الزوجة، الأم، العشيقة، والعلاقة معها غيّرت أقدار المحيطين بها، مع ذلك فهي الوحيدة تقريبًا التي لم يمنحها النص أي محيط اجتماعي واضح. كان ذلك لافتًا، لماذا؟
لم يكن الأمر ضروريًا. ما يعنيني في شخصية نادية هو مآلات زوالِها وليس محيطها الاجتماعي. إن غيابها المؤلم هو الذي جعل حضورها بهذه الكثافة.
* ثمّة اهتمام كبير ببثّ تفاصيل، تمّ تطعيم السرد بها، فمنحت العمل حسًّا قويًا بالهوية الكويتية. هل يأتي ذلك في إطار منح الرواية هذه السمة الكويتية، أم كجزء من أدوات السرد المقترحة في العمل؟
- إنّ الهدف من الوصف هو رفع مصداقية النّص وإشراك حواس القارئ في عملية التلقي. وعليه فإن إسباغ تفاصيل شديدة الخصوصية عن الهوية الكويتية (موسيقى، تقاليد، طعام...)، كان لغرض دفع الشخصيات إلى التأنسن. لم يكن الأمر انحيازًا عاطفيًا إلى الهويّة، بل كانت السمة الكويتية ضرورة فنيّة لخلق عالم قابل للتصديق، وآمل أن أكون قد نجحت.

* يشير السرد بلونٍ من النقد للجيل الجديد في النص، "جيل نتفلكس" كما وُصف! هل يأتي ذلك في سياق شرح جانب من أسباب إخفاقات مناير، ابنة نادية ونواف، التي تضاف إلى ظروفها الخاصة والشعور بالإهمال، أم يخص جيل ما بعد مناير أيضًا؟
- أعتقدُ أنّ الأمر ينطبق على الجيل الذين تشكّل وعيه على عبادة الأميركي «الأبيض خصوصًا» الذي حرّر البلاد بعد متوالية من الخيانات والخذلانات «العربية».
فرضيتي التي لا دليل عليها (والتي هي في أكثرها حدس) أنّ ما حدث بعد الغزو في الكويت - إضافة إلى الثورة المعلوماتية طبعًا - جعل الثقافة الأميركية ذات طبيعة مرجعية في أمورٍ كثيرة، مثل الصحة والتربية والحُب.
إن كل ما نعرفه عن سرديات التعافي هو أميركي المنشأ. تمتلئ الأفلام والمسلسلات الأميركية بصورة الأب السكّير والابنة/ الزوجة الهاربة. وفي لحظة ما، تبدو مشتركة في جميع الأفلام، تسعى الضحية للحصول على أمرين؛ صكّ شرعية من الجاني على معاناتها، وهو ما يعني تماهيها التام مع صورتها عن نفسها كضحية، وثانيًا؛ شيء يشبه الانتصار لسردية المظلوم مقابل سردية الجاني. إنها الـ"فيري تيل" المعاصِرة بامتياز؛ حيث المظلوم ينتصر في النهاية، وهي أيضًا فيري تيل بيضاء وأميركية جدًا، وإن أردت رأيي فهي محض هراء.
شخصيًا أجد في جذورنا العربية آليات أكثر واقعية لمواجهة الحياة التي هي «تعبٌ كلها» بتعبيرِ المعرّي، ولا أحد يتوهمها بخلاف ذلك. إن المنطق العربي متصالح مع فكرة أن الإنسان «في كبَد»، وهو يعرف أن كل ما نفعله للتعاطي مع الفراغ الوجودي وآلام عالمنا الداخلي هو ضرب من الإلهاء وفن من فنون «التأسّي»؛ الكتابة والموسيقى وكرة القدم.. كلها حيل دفاعية للتعاطي مع الفراغ الذي يتناقض مع حيوية التجربة، وهي حيوية متخيّلة في أكثر الأحيان.
إنّ ما قلته في الرواية عن جيل نتفلكس الذين تجرعوا الوهم السام للتعافي التام، والذين «لا يتحدثون العربية ولا يحبون البحر ولا يعرفون من هم»، عن المبتورين من امتدادهم الطبيعي، والذين «فقدوا إلى الأبد ملَكة التأسي». كل هذه المحاكمات جاءت من رجل معطوب، وعليه فهو لا يملك أي أوهام بشأن تعافيه، قد أكره شخصية نواف في مواضع كثيرة في روايتي، لكنني أحب هذه الزاوية هنا.
* هناك تفاصيل دقيقة تخص فترة الغزو في الرواية، ووصف دقيق لمشاهد وروائح ومشاعر. ما طبيعة البحث الذي أجريته من أجل استعادة تلك الفترة أو الكتابة عنها؟
أشرطة الطفولة، حوارات طويلة مع الأهل والأصدقاء عن تلك المرحلة. اليوتيوب والإنترنت، والأهم كان حصولي على نسخة من مذكرات الفنان التشكيلي الفلسطيني الكبير «إسماعيل شموط» التي تصدر قريبًا، كما آمل، عن منشورات تكوين.

* هذا خبر عظيم، وسننتظر بشغف... ولننتقل إلى منصة تكوين وهو مشروعك المهم أيضًا في إشاعة الثقافة ودعم احتراف الكتابة، كيف تقوّمين المشروع بما وصلت إليه اليوم مقارنة بالطموح الذي حرّكك لإطلاق المشروع؟
-ما أقوله دائمًا أنّ تكوين تكبُر بشكل لا أستطيع، شخصيًا، مواكبته، وهذا يسعدني بقدر ما يتعبني. أعتقد أننا في مرحلة تقييم حقيقي لما حققناه في السنوات الستّ الأخيرة على المستويين التجاري والثقافي، ونستعد حاليًا لدخول مرحلة جديدة تمامًا.
* أطلقتم قبل شهور في تكوين مسابقة كبيرة لمراجعات الكتب، ثم طرحتموها أخيرًا شهريًا، ما هو الهدف من هذه الفكرة، وكيف تجدين منجزها حتى الآن؟
- يستحق القارئ، مثله مثل الكاتب، أن يحظى بالاحتفاء. القارئ هو عصبُ المشهد الأدبي حقيقة، ويتم التعامل معه في أحيان كثيرة مثل متلق سلبيّ، أو مثل «مستهلك»، دون الاستثمار في صناعتهِ من الأساس.
لذا جاءت هذه المسابقة في معرض الدفاع عن الملكات العقلية الأجمل للقراءة؛ التفكير النقدي والإبداعي والربط وبناء السياقات. إنها طريقة لتمييز القارئ النوعي من القارئ الانطباعي، أو العاطفي، الذي يكتفي عادة بإطلاق أحكام عن كتاب بأنه «سيئ، أو جميل» دون أن يؤصِّل لدوافعه.
* ما الآفاق الجديدة التي تسعون إليها راهنًا؟
- أسرار، كلّها أسرار، وأنا جيدة في الكتمان. شكرًا إبراهيم!
نبض