الغزو والحبّ والجريمة في رواية بثينة العيسى "السندباد الأعمى"
وفي تتبع مصائر الأطراف الأربعة تدور وقائع رواية "السندباد الأعمى" للكاتبة الكويتية بثينة العيسى (منشورات تكوين).
تحضر الكويت هنا كمظلة كبيرة، كوطن وكبقعة جغرافية تمر بمحنة محاولة سلب هويتها بكل ما يعنيه ذلك من إحالات وجودية على مواطنيها، وهو ما تقوم العيسى باختباره من خلال وقائع الرواية التي تبدأ في زمن يسبق فترة غزو الكويت بعام تقريباً، ثم تمتد في الزمن نحو ثلاثين عاماً، وصولاً إلى زمن جائحة انتشار وباء كورونا وما فرضته على العالم من متغيرات أبرزها العزلة التي عاشها أبناء المجتمعات المختلفة كل في بيئته، وإن بدت، بالنسبة الى بعض الكويتيين ممن عايشوا محنة الغزو، استعادةً لزمن العزلة في ظروف مختلفة.
ومن أجل أن تحقق المؤلفة الرحلة الزمنية التي أرادت أن يقطعها النص، استعانت بتقنيات "الفلاش فوروارد" Flash Forward (قطع في السرد ينبئ القارئ بأحداث ستجري في المستقبل)، و"الفلاش باك"، الذي يتعلق بالذاكرة، فحرّر السرد نفسه بالالتجاء الى السارد العليم لكي يمكنه جمع شتات الزمن والمفارقات.
يتشكّل الثلاثيّ الأساسيّ من نادية، محبوبة كل من الصديقين عامر ونواف، اللذين يتشابهان في كل شيء، حتى في حب نادية لولا أن ظروف الاختلافات الطائفية بينه وبين حبيبته جعلته ينسحب من العلاقة مخلياً الساحة لنواف، الذي يتزوج نادية، وينجب منها طفلتهما مناير.
تمرّ الأيام عادية وسعيدة ربما، لنحو عشر سنوات، بينما العشق الذي بدا للجميع مثل رماد انطفأ قبل عقد، كان يخفي جمرة لم يخبُ وهجها تماماً، من دون أن يعبّر عن ذلك أحد من الطرفين، عامر أو نادية، ومن دون أن يشعر بذلك نواف بطبيعة الحال.
حب... وجريمة
وبحساسية شديدة سوف يتمكن السرد من توضيح تفاصيل صغيرة كفسيفساء تكشف قدر الحب الذي لم يمت في قلب العاشقين، من جهة، وأثره في فتور العلاقة بين الزوجين نواف ونادية من جهة أخرى، حتى ينتهي الأمر بجريمة قتل، فتتحول الحياة كلها إلى مأساة درامية يدفع ثمنها الأحياء ما تبقّى لهم من حياة، بمن فيهم الطفلة مناير.
يسبغ السرد، من خلال تفاصيل دقيقة جداً، تتوالى تباعاً موّزعة على كافة الحواس، تيّاراً من المشاعر التي تتجول في صدور العاشقين، وفي ذهن وعقل وروح الطفلة مناير. الحب المختلط بالكراهية، والحزن المختلط بالعدمية في قلب نواف، الألم المختلط باليأس في صدر عامر، والخوف الممتزج بالأسئلة التي لا تجد إجابة حول مصير الأب والأم والشعور القاتل بالنبذ والوحدة لدى مناير؛ التي يمنحها السرد مساحة كبيرة؛ لأنها الكيان البشري الذي سيتلقى جرائر ذنب لم يرتكبه على مدى عمره.
ضربية قاسية تدفعها منذ تلك الطفولة البائسة في حضن جدة تنزع عن الأم أي إشارة تشي بوجودها، وتحاول أن تقنع الصبية الصغيرة أنها أم بديلة، وصولاً الى زواجها من ابن عمها فواز، رفيق الطفولة والصبا والمحن، والذي قرر الزواج منها بعدما رأى في نفسه الشخص القادر على حمايتها من أذى الحياة التي كان شاهداً على قسوتها عليها.
وعلى مدى ثلاثين عاماً لم تنجح مناير أن تفهم أبداً سر النبذ الذي تعرضت له، في غياب والديها أولاً، ثم من الأم التي اختفت الى الأبد ولم تعرف السبب لفترة طويلة من حياتها، ثم من الأب الذي لن تفهم أيضاً أنه عاد من السجن بعد هروبه منه في أول أيام غزو الكويت.

الهوية الكويتية
يقدم السرد بذكاء، وعبر تفاصيل صغيرة جداً، مفردات تؤكد الهوية الكويتية للفضاء السردي وللشخصيات التي يتناولها، بدءاً من التراث الخرافي الذي تحتفظ به الجدة منيرة وتقبض عليه كإرث مقدس، ممثلاً في القناعات والتقاليد والخرافات ودورها كحارس لهذا كله، ومروراً بتفاصيل جرد متعلقات الأم "نادية"، كل قطعة ثياب أو زينة أو حذاء أو عطر في غرفتها عندما أخليت من كل هذا لكي يختفي أثر نادية من الوجود، وبالعدنيات التي يغنيها عامر، وذكريات طفولته مع نواف، وطبيعة تفاصيل الحياة اليومية خلال شهور الغزو.
وكأن هذه التفاصيل كلها هي الإجابة التي توضح قسوة فكرة اختلاف طبيعة الاحتلال الذي تعرضت له الكويت في كونه أراد أن يمحو أثر بلد وشعب، كما لو أن النص يقدم التفاصيل التي تكون هوية لا يمكن أن تنزع بمجرد تغيير أسماء الشوارع أو تغيير أرقام السيارات.
وبينما يفهم القارئ الخلفية الاجتماعية لكافة الأبطال، نواف وشقيقه طلال وزوجة الأخير هدى وفواز ابنهما، وعامر وأخته وعائلته، فإن شخصية نادية الموصوفة بدقة والموزعة صفاتها على ذكريات نواف وعامر، تبدو كما لو أنها نبت شيطاني، لا يعرف القارئ لها عائلة أو مرجعية اجتماعية من أي نوع. ما يمنحها نوعاً من الرمزية.
مع ذلك فمرجعية نادية لا تفيد كثيراً في السرد، لأن درامية موتها هي الموضوع المركزي، هذا الغياب الذي يعني استعادة حضورها في الذاكرة باستمرار، هو المهم. الصوت الذي سيتردد في عقل نواف ساخراً من رجولته كما يصورها المجتمع الذكوري والتي جعلت منه مجرماً، الصوت الذي يلاحقه كلعنة حتى لو جاءت أحكام المجتمع لتتعاطف معه، أو تنتصر له، أو تعفو عنه؛ فسوف يظل ذاهلاً عن كل ما حوله، بسبب ملاحقة هذا الصوت له، مهما بالغ في محاولة طمس أثرها بما في ذلك تجاهله المستمر لابنته مناير التي جاءت أيضاً شبيهة لها حتى يظن من يراها أنها نادية!
تعود حساسية هذا النص إلى الأهمية التي يوليها السرد للتفاصيل الصغيرة جداً، التي تصنع الحياة من حولنا، فالبشر جميعاً يشتركون في أنهم أحياء ويعيشون حياتهم، لكن خبراتهم الخاصة تتكون من نتوءات صغيرة تكمن في التفاصيل التي تتعلق بحواسهم، البصر والشم والملمس، وهو ما تفعله الكاتبة باقتدار وبتكثيف، فتنتقل لنا مشاعر وأفكار الشخصيات، ثم تضيف إلى ذلك الاستعارات التي تستخدمها فتنتقل بمشاعر القارئ بين الضحك والبكاء لأن الألم ثقيل ولأن شر البلية ما يضحك أحياناً، والاستعارات التي تكمن في موضوع السرد أيضاً من مثل ظهور قطة عمياء منبوذة من أمها لتغدو عالماً كاملاً يعيد لمناير الإحساس بأنها ليست وحيدة في العالم، وغير ذلك من تفاصيل، وهي في ذلك تمنح السرد روحاً طفولية هي التي تتسبب في هذه المشاعر. وهذا ما تبرع فيه بثينة العيسى، في تتبع هذه التفاصيل ونقلها للقارئ بلا تصنع، بل ببساطة موجعة.
نص يقدم شهادة بالغة الحساسية على خبرة إنسانية لم يلقَ الضوء عليها بشكل كافٍ رغم تأثيرها الكبير، وإضافة سردية للمشهد الأدبي الكويتي والعربي.
نبض