25-02-2023 | 18:54

أديب سعودي: هذه الرواية العربية تذكي نعرات "توراتية" قديمة

يقودنا الأدب في كل مرة إلى حدائق سردية، تتشابه في ثيماتها وأفكارها، وكبستاني ماهر، يختار لنا الأديب السعودي عبدالواحد الأنصاري أجمل النصوص المقتبسة من حدائق الروايات، ويحللها ويقف على دلالاتها ومعانيها وتشابهها في الفكرة مع مثيلاتها، كقارئ قضى في حدائق السرد شطراً هو النصف من عمره، إن لم يكن أمضى فيها شطريه كليهما.
أديب سعودي: هذه الرواية العربية تذكي نعرات "توراتية" قديمة
Smaller Bigger
يقودنا الأدب في كل مرة إلى حدائق سردية، تتشابه في ثيماتها وأفكارها، وكبستاني ماهر، يختار لنا الأديب السعودي عبدالواحد الأنصاري أجمل النصوص المقتبسة من حدائق الروايات، ويحللها ويقف على دلالاتها ومعانيها وتشابهها في الفكرة مع مثيلاتها، كقارئ قضى في حدائق السرد شطراً هو النصف من عمره، إن لم يكن أمضى فيها شطريه كليهما.
 
الأنصاري قال لـ "النهار العربي" إنه خلال قراءاته في عالم الرواية، تعرف إلى عالم واسع، قد يتشابه أحياناً في الثيمة والأفكار، معرجاً في حديثه على رواية "برتقال إسماعيل"، للروائية كلير حجاج ذات الأب الفلسطيني المسلم والأم البريطانية اليهودية، والتي تخرج لنا الرجل العربي قبيحاً، والأم البريطانية اليهودية على هيئة زوجة محبة، في رواية تذكي نعرات توراتية قديمة.
 

 
الإنسان البدائي
بخفة ورشاقة، ينتقل بنا الأنصاري بين أربع حدائق في كتابه "حدائق روائية"، يبدأها من نص التشيلي لويس سبولفيدا "العجوز الذي كان يقرأ الروايات الغرامية"، العمل الذي سجله الإسبان بأصواتهم لإعجابهم به، وجارته السينما العالمية بفيلم سينمائي. ويدور هذا النص السردي في الإكوادور وحدودها مع البيرو، وينهل فيه المؤلف من تجاربه العائلية والذاتية، فهو رجل هندي لأمه، وشارك في بعثة اليونسكو لتتبع ضرر الرجل الأبيض على سكان الغابات الأصليين، وقضى طرفاً من حياته في السجون، وخاض معمعة الكتابة عن الهنود البدائيين الذين لا يستوعب خيالهم الفطري كيف تبنى البيوت المسلحة، وولج إلى الطرائق الغريبة لاصطياد الببغاوات والقرود، ودلف إلى التصورات الغريبة التي يحملها البدائيون عن الأمم المتحضرة، في حقيقة مضادة لرواية "روبنسون كروزو" لدانيال ديفو، المنشورة قبل نحو 300 عام، وتصرّف فيها كما هو متوقع من كاتب مثله في ذلك العصر، فصوّر البدائي كالأبله.
 
ومن اللافت في رواية "العجوز الذي كان يقرأ الرويات الغرامية"، رصده عادات وأعراف وتقاليد الهنود الأصليين، ومنها طردهم العجوز بوليفار من قبيلتهم بعد أن ثأر لقتيلهم بالبندقية، وعذرهم بأن القتيل الذي يثأر له بالمسدس يظل روحاً هائمة كببغاء عمياء تصطدم بأشجار الغابة، كأرواح أموات لم يثأر لها أحد، ويصف سبولفيدا في روايته البقع المكشوفة والمتشابكة من الغابة، ويروي كيف أن أقدام المرء إنما تخوض نهراً قد تهجم منه سكة غريبة مفترسة عليه، فتلتهم جزءاً من جسده. فحتى القتل ترسمه هذه الرواية بنزعة كوميدية.
 
 
كما دمج عفوياً بين الحضارة الغربية المدنية والحياة البدائية الأصيلة، واستعد لعمله بقضائه وقتاً وهو يقرأ طرائق صيد النمور البشر، وتعلم في حبسه الألمانية، والتقى هناك أناساً غرباء من أعراق وبلدان متباعدة، واستعرض معركة الغربي الأبيض مع أهل الأرض، في حين يرى الكاتب أن قدر المثقف في البلدان التي أبيدت أعراقها أن يكون أيديولوجياً عرقياً، واستراتيجياً أيضاً، فهو سارد يكتب الرواية بروح جنرال فيتنامي.

تغريبة حزينة
ومن الحديقة الإسبانية إلى الحديقة البرتغالية، حيث يتناول رواية الكاتب البرازيلي خوسيه ماورو دي فاسكونسيلوس "شجرتي شجرة البرتقال الرائعة"، وجل الشخصيات الرئيسة فيها هم أشخاص حقيقيون، أحياء وأمواتاً. ويحلل الأنصاري بأن المؤلف خوسيه هو البطل في صباه، والذي تعلم القراءة من دون معلم، وتحدثه شجرة البرتقال.
 
في اختياره لهذه الرواية، ينقل عبدالواحد الأنصاري عن خوسيه بطلنا، أو الصبي زيزا، بأنه كان يدور يوم العيد كله بصندوق مسح الأحذية، وخرج بتغريبته الطويلة في الشوارع القاحلة بمبلغ يسير، كان يريد به شراء شجائر يرضي بها والده الذي أحزنته عبارة تفوه بها ابنه الشقي قبيل فجر العيد، حين قال: "ما أشقى أن يكون للمرء أب فقير".
 
العربي في دائرة النقص
في الحديقة الثالثة، وهي بريطانية عبرية، مستوحاة من رواية "برتقال إسماعيل" لكلير حجاج، على العكس تماماً من الحديقة السابقة وبطلها زيزا، سالم الفلسطيني في الرواية لا يتذكر من أبيه إلا قسوته، وجوره، وخوره، وأنانيته، فهذا الأب "خليط معقد لرجل يعشق المال والكسل والقهوة".
 
 
 
 
كلير حجاج ابنة الأب الفلسطيني المسلم والأم البريطانية اليهودية، تعيد صياغة تجربة أسرتها في قالب ملتبس، سيرة عائلية حقيقية تصوغها في قالب خيالي، وتحاول أن تخرج إلينا رب الأسرة العربي كائناً عاطفياً عنيفاً، شبقاً مولعاً بالمال، مهووساً بالصدام، ناضحاً بالعرق، تفوح من جلده نتانة الخوف، مملوءاً بالشك والعقد النفسية، وكأنما تريد أن تحيل كل القبائح التي ألصقها شكسبير بتاجر البندقية، وتنقلها إلى الرجل العربي، باستثناء صفة واحدة هي القدرة على الربح، في عمل تظهر فيه الأم البريطانية اليهودية على هيئة زوجة محبة، عطوفة، إنسانية، وقادرة على إيقاف العربي المتهور عند حده.
 
ويرجع العمل – كما يرى الأنصاري – بالقارئ إلى نعرات توراتية قديمة، بتأويل نفساني، تريد أن تجترح نظرية نفسانية جديدة يفسر بها الصراع في فلسطين، في عمل يحيلنا إلى قصة "أرض البرتقال الحزين" للكاتب غسان كنفاني، حيث يتناول العملان فلسطينيي يافا الذين نزحوا عن برتقالهم.
 
 
 
 
 
ولا يبدو الأب الفلسطيني في قصة كنفاني كريهاً كما هو في رواية حجاج، فالاحتلال، ثم التهجير، ثم اللجوء، كل هذه تصيب الرجال في مقتل في أخلاقهم، هذا أمر عالجته قصته رغم قصرها، فيما ازدرت كلير الأب وأخرجته في صورة غول.
 
امرأة تتحول إلى شجرة
الكتاب الصادر عن دار ميلاد ويقع في نحو 200 صفحة، يعد قراءة لصنع عالم ذاتي يستطيع كل القراء أن يشاركوا فيه، إذ يسبح بنا السرد العالمي في فضاء من الألوان، فنرى كيف تتوارد النصوص والمشاهد وتتواشج، وكيف تطل أشجار كل حديقة على رفيقاتها في الحديقة الأخرى المجاورة، وكيف تقتحم الأفكار والقناعات أسوار الحياد وتعيد فتلها على هيئة أمراس ملتفة من الحبال الكتانية، وكيف يمكن للخبرة والتجربة والقيم أن تكون فيصلاً في اختيار طرائق تصور الحياة ومعالجتها في اللوحات الروائية.
 
بهذه الكلمات تحدث الكتاب عن نفسه، الذي يستند لذاكرة عبدالواحد الأنصاري وقراءاته الواسعة في الأدب، وهو الكاتب الذي صدر له سابقاً مجموعة قصصية بعنوان "الأسطح والسراديب"، وكذلك قصص "بكارة"، والروايات "أسبوع الموت" و"كيف تصنع يداً" و"ممالك تحت الأرض" و"السطر المطلق".
 
يفرد كتاب "حدائق روائية" حديقته الرابعة والأخيرة لفكرة غريبة، تناولتها رواية "النباتية"، للكورية هان كانغ، والتفتت الكاتبة إلى فكرة تحول الإنسان إلى نبات، متأثرة بعبارة كاتب كوري يدعى يي سانغ، يقول فيها: "على البشر أن يتحولوا إلى نباتات".
 
ونشوء نساء نباتيات (أي من جنس النبات) في عالم الأدب القصصي ليس وليد اللحظة، فهو حاضر منذ ملحمة أوفيد في القرن الأول الميلادي، ثم سيرة سيف بن ذي يزن في القرن الرابع عشر الميلادي، وفي الرواية الكورية تحمل امرأتان في داخلهما شجرة، وكأن وجودها البشري شرنقة تنتظر أن تكتمل نشأنها كي تصبح شجرة، بكل ما يحمله ذلك من إسقاطات ودلالة رمزية.
 

الأكثر قراءة

لبنان 4/1/2026 2:57:00 PM
الجيش الإسرائيلي: مصدر آخر تم استهدافه هو شبكة الصرافين التي تُعد المصدر المالي الرئيسي والأهم لهذه المنظمة
لبنان 4/1/2026 1:05:00 PM
شهدت منطقة الجناح في بيروت قصفاً إسرائيلياً عنيفاً 
لبنان 4/1/2026 2:48:00 PM
إخبار أمام النيابة العامّة التمييزية ضد السفير الإيراني محمد رضا شيباني