25-01-2022 | 10:47

مقدّمة المترجم معاوية عبدالمجيد لكتاب "بازوليني... حياة عنيفة"

مقدّمة المترجم ​ في إحدى مقابلاته التلفزيونيّة، سئل بازوليني: «أيُّ الأشخاص أَحَبُّ إليك؟»، فأجاب: «هم أولئك الذين لم يكملوا الصفّ الرابع بعد. هم الأناس البسطاء الذين لم تُفسِدهم ثقافة الطبقة البرجوازيّة الصغيرة. لأنّ هذه الثقافة تأتي دومًا بالفساد وعدم النقاء. أمّا الأمّيّون، والذين لم يصلوا إلى الصفّ الرابع بعد، لديهم فضيلةٌ معيّنة، يفقدونها من خلال الثقافة. وقد يستعيدونها في مراحل متقدّمة جدًّا من الثقافة. لكنّ الثقافة المتوسّطة هي مُفسِدة دائمًا».
مقدّمة المترجم معاوية عبدالمجيد لكتاب "بازوليني... حياة عنيفة"
Smaller Bigger

 

مقدّمة المترجم
 

في إحدى مقابلاته التلفزيونيّة، سئل بازوليني: «أيُّ الأشخاص أَحَبُّ إليك؟»، فأجاب: «هم أولئك الذين لم يكملوا الصفّ الرابع بعد. هم الأناس البسطاء الذين لم تُفسِدهم ثقافة الطبقة البرجوازيّة الصغيرة. لأنّ هذه الثقافة تأتي دومًا بالفساد وعدم النقاء. أمّا الأمّيّون، والذين لم يصلوا إلى الصفّ الرابع بعد، لديهم فضيلةٌ معيّنة، يفقدونها من خلال الثقافة. وقد يستعيدونها في مراحل متقدّمة جدًّا من الثقافة. لكنّ الثقافة المتوسّطة هي مُفسِدة دائمًا».

ليس من المستغرب أن يكون لمثقّفٍ بحجم بازوليني رأيٌ كهذا، فهو المهموم بقضاياه الماركسيّة، ذو الروح المشبعة بالثقافة الشعريّة السامية، يلتقي بأولاد قرى الصفيح، الأمّيّين في غالبيّتهم، إبّان انتقاله إلى روما في الخمسينات من القرن الماضي. وفي روما نفسها يتعرَّف على الدهّان سيرجيو شيتّي، الذي سيصبح مخرجًا سينمائيًّا معروفًا يتعاون مع بازوليني صديقه الصدوق في أكثر من فيلم، ويعترف بازوليني بفضله عليه في تعلُّم لهجة أهل روما وضواحيها. لكنّ بازوليني في بداية استقراره في العاصمة، يعمل معلِّمًا في مدرسةٍ ابتدائيّة في إحدى ضواحيها؛ حيث يختلط بأولئك الصغار المشرّدين، أبناء الذين سحقتهم الحرب وأضناهم الجوع. فينعجن بهم ويعيش معهم ويعاين حياتهم الكارثيّة ثمّ يكتب عنها ويسلّط الضوء عليها ويضعها على مرأى المجتمع الإيطاليّ.

غير أنّ الضريبة التي دفعها بازوليني في سبيل ذلك كانت باهظة جدًّا، وما انفكّ يدفعها حتّى آخر لحظة من عمره. ففي البداية، عندما أصدر روايته «شبّان الحياة» تعرَّض لهجمة واسعة من كبار المثقّفين والأدباء والنقّاد والوجهاء. ورُفِعت ضدّه دعوى قضائيّة تلو أخرى، لأنّه بالغ بتوصيفه الواقعيّ للأشياء والأحداث. ووُصِفَ بأنّه منحلٌّ أخلاقيًّا يسعى لترويج اللغة الوقحة والأسلوب المشين، والتركيز على قضايا اجتماعيّة يريد الجميع التكتُّم عليها، كالدعارة المثليّة الذكريّة.

كاتبٌ فضائحيّ، حضوره مزعج، آراؤه صادمة لا تزلُّف فيها ولا نفاق، ونقده لاذعٌ وموجع، لا يرحم القامات المكرّسة ولا يستسلم لعالمٍ يراه رأسماليًّا استهلاكيًّا مدمِّرًا. وما كتب مقالةً إلّا وصُنِّفتْ إشكاليّةً وفتحت الباب لجدلٍ تليه حملةٌ مضادّةٌ وشرسة. كما أنّ ميوله الجنسيّة المثليّة التي أثارت حفيظة الكثيرين آنذاك، أدخلته قائمة "الشعراء الملاعين"، فكتب عن هواجسه حيال الأمر ذات مرّة: «مستقبلي لن يكون مستقبل أستاذٍ جامعيّ بالتأكيد، أرى أنّي بتُّ موصومًا بعلامة رامبو أو كابوانا، أو وايلد أيضًا، شئتُ أم أبيت، تقبَّلَ الآخرون أم لم يتقبَّلوا!»

حياةٌ عنيفةٌ إذن، متمرّغةٌ في الطين، ومطويّةٌ في الإهمال. أغدق بازوليني روايته بكلّ التفاصيل التي وقعت عليها عيناه، فسجَّلَ ما رآه ووثّقَ حالة البؤس والشقاء التي يعيشها أناسٌ يائسون ومحبطون، نظراتهم مريرة ووجوههم عابسة وأوقاتهم فارغة، يملؤونها بالشغب والاستهتار. تتنقّل عدسة بازوليني الكاتبة في محيطاتٍ مكانيّة متعدّدة، يصوِّرها بواقعيّةٍ عارمة، ويمنح كلًّا منها رمزًا ودلالة. فما مرّ على شارعٍ أو زقاق إلّا وذكر اسمه، ولا انعطف إلى ساحة إلّا وتحدّث عن مزاياها. يركّز آلته السرديّة على تتبُّع مسارات بطل الرواية منذ طفولته، فيصاحبه في كلّ تلك الأمكنة، لنتبيّن كيف يقضي وقته بين الحانة والشارع، وكيف يلاقي حبيبته في المروج والسينما، وكيف ينضج وعيه بين السجن والمستشفى.

أمّا الزمن السرديّ فهو متعلّقٌ بالموضوع المراد تفصيله وأهمّيّته بالنسبة إلى الشخصيّة التي تعيشه. فنرى مثلًا كيف تمرّ أحداثٌ مهمّة تقتضي شهورًا طويلة في غضون سطرين، في حين تتكثّف صفحاتٌ بأكملها على أحداثٍ أخرى قد تبدو لنا بلا أهمّيّة. ذلك أنّ المنطق الزمنيّ لا يكترث بنا نحن الذين نتفرّج على تلك الحياة من الخارج، إنّما بأصحابها الذين يعيشونها من الداخل. وهي تقنيّةٌ سرديّة يوظّفها بازوليني بغية لفت الانتباه أو تشتيته بحسب ما تقتضيه الضرورة الأدبيّة الراهنة.

«حياةٌ عنيفة» ليست استثناءً عن روايات بازوليني الأخرى التي ينحو فيها إلى اعتماد العامّيّة الدارجة في أوساط سكّان الصفيح لتصوير عالم الجريمة والعصابات التي تغزو المركز وتستوطن الهامش. أبطاله هم الفتية المشاكسون من أبناء الضواحي والعشوائيّات، المهمّشون وسكّان القاع ممّن يقطنون الأكواخ عند تخوم روما، هناك حيث تنعدم البنية التحتيّة وتتفشّى الأمراض ويستفحل الجهل وتستيقظ الفاشيّة. كتب بازوليني الرواية بلسانهم مستخدمًا لغتهم، وذيَّلها بقاموسٍ مصغّرٍ يحتوي على شرحٍ لمفرداتٍ وألفاظٍ سائدة بين أبناء تلك الطبقة المسحوقة، وذلك لعدّة أسبابٍ قد نخرج منها بتأويلاتٍ عديدة، أهمُّها ما يلي: لعلّ بازوليني أراد أن يجعل القارئ الإيطاليّ غريبًا عمّا يقرأ على الرغم من أنّه بصدد روايةٍ إيطاليّة، شخوصُها هم من أبناء جلدته، يتقاسمون معه شوارع وسط العاصمة، وتؤطّرهم الصورة النمطيّة دومًا بأنّهم قذرون ومتسوّلون ونشّالون، عالة على المجتمع يدبّرون جريمةً هنا وينفّذون سرقةً هناك؛ فيخضعون لأحكام مسبّقة تتجاهل خلفيّتهم الأهليّة المتردّية، وأوضاعهم المعيشيّة المزرية. ومن جانبٍ آخر، قد تكون غاية الروائيّ هي وضع الكتاب في متناول أولئك الذين ينتمون إلى البيئة نفسها، الذين قد تُشكِّل اللغة الفصحى لهم عائقًا أمام الفهم الكلّيّ للرواية. فبازوليني نفسه يرى في الإيطاليّة الفصحى محاولةً لرأب انقسامات الإيطاليّين بلغةٍ أدبيّةٍ تستمدّ مشروعيّتها من الإرث الأدبيّ العريق الذي خلَّفه دانتي وبوكاتشو وبتراركا، لا من الحاجة البيروقراطيّة والسياسيّة التي دفعت أممًا أخرى للتوحُّد في ظلّ لغةٍ واحدة، كالفرنسيّين مثلًا. وعليه فإنّ الفصحى الإيطاليّة بحسب بازوليني هي لغة البريستيج الإيطاليّ لا لغة الشعب، وقد فُرضِت على الشعب في مرحلة تاريخيّة معيّنة فقطعت الطريق أمام تطوُّر اللهجات الأخرى. فربّما أراد أن تُعطى هذه اللغة المحكيّة والمفردات العامّيّة والألفاظ السوقيّة الفرصة للهبوط على سطح كوكب الأدب الفصيح والمكتوب. ومن هنا تنبع حاجته إلى التعبير بما يتفوّه به أبناء تلك الطبقة لينسجم شكل الرواية مع مضمونها. كما أنّه لا يمكن الاستهانة بالقدرة التعبيريّة الهائلة التي تكتنزها العامّيّة إذ تضفي على الحوار ألقًا مؤثّرًا، وتمنح هويّةً خاصّةً للمكان وساكنيه. على أنّ هذا المتن العامّيّ تتخلّله لمساتٌ مكتوبةٌ بقلمٍ أدبيّ رفيع ينمّ عن شاعرٍ مثقّف يروي الأحداث ويوصِّف الحالة النفسيّة والمكان والطقس والزمان بلغةٍ سامية تجعل القارئ يميّز جيّدًا بين شخصيّات الرواية وطيف راويها.

أمّا بخصوص الترجمة العربيّة، فقد استغرقت وقتها الكافي الذي بحثتُ في خلاله عن معاني كلّ تلك المفردات، في قواميس متخصّصة باللهجة الرومانيّة. وفي بعض الأحيان لم أجد معاني بعض الكلمات في القاموس المصغّر ولا عبْر الإنترنت. فاستنجدتُ بالترجمة الفرنسيّة للمترجم والبروفسور الفرنسيّ جان-بول مانغانارو، وعادلتُ بين حلوله والنصّ الأصليّ لضمان نقل بعض المفردات والتعبيرات بأفضل طريقة. لم يكن من المستحسن اعتماد عامّيّةٍ عربيّة ونقل التراكيب العامّيّة إليها، فذلك يُفسِد البنيان المنطقيّ للغة العربيّة. كما أنّ لهجة الرومان هي لهجة الرومان، ما باليد حيلة. لكنّي أدخلتُ من عامّيّتي ما لا يزيد على كلمتين وتعبيرين، لتنكيه النصّ ليس إلّا، مثل كلمة "عجيان" التي تعني "أولاد مشاغبون" و"انقلع من هنا" بمعنى "اغرب عن وجهي" إلخ. ورغم ذلك، عملتُ على إبقاء الرواية على حالها، فحرصتُ على ترجمة التوصيف الانطباعيّ الذي يتقصدّ انعدام الدقّة ليكون أقرب إلى المحكيّ منه إلى المكتوب، ونقلتُه بحذافيره: "كانت الساعة الثانية، الثانية والنصف"، "هناك خمسة أو ستّة أشخاص"، "لا شيء إلّا شمس وقمامة، قمامة وشمس". ناهيك بأسماء التصغير لبعض الشخصيّات: "تومّازو، تومّازينو"، "فرانكو، فرا"، "كاتزيتيني، كاتزيتي"... إلخ. فضلًا عن الحواشي في أسفل الصفحات، والهدف منها مزيدٌ من شرح بعض النقاط التي قد يشوِّشُ غموضُها القارئَ العربيّ ويقطع عليه القراءة المسترسلة.

 

بقي لنا أن نشير إلى أمرٍ في غاية الأهمّيّة: في ليلة الأوّل من نوفمبر عام 1975، يخرج بازوليني بسيّارته لإحياء سهرةٍ ماجنة في روما. يتوقّف عند المحطّة الحديديّة الكبرى/تيرميني؛ ويتعرّف على أحد شبّان الشوارع الذين لطالما ظهروا أبطالًا على صفحات رواياته: بينو بيلوزي، صاحب ملفٍّ إجراميّ لدى السلطات. يركبان السيّارة ويهيمان في الأنحاء، يتناولان العشاء على نفقة الكاتب، ثمّ يخرجان بنزهةٍ حتّى شاطئ أوستيا. وهناك يتوقّفان للتزوّد بالوقود، فتحدث بينهما مشاجرة لها خلفيّة جنسيّة، إذ كان بازوليني يتطلّع إلى مضاجعة الفتى. فيلقى بازوليني مصرعه بصورةٍ وحشيّة ومروّعة. بيلوزي يستقلّ سيّارة الكاتب ويمضي بها بسرعة جنونيّة، فيُلقى القبض عليه بعد أيّام. سيعترف بجريمته ويدخل السجن ثمّ سيكذِّب أقواله، لتتّخذ القضيّة منحىً آخر وتكتسب فرضيّات مركّبة ومعقّدة لم يثبت أيٌّ منها حتّى يومنا هذا. نُسِجَت عدّة نظريات مؤامرة حول الجريمة، ووُجِّهَت أصابع الاتّهام إلى الفاشيّين تارةً، والمخابرات الأمريكيّة تارة أخرى، ولم يسلم منها رجالات المافيا بطبيعة الحال، ولا أزلام الحزب الديمقراطيّ المسيحيّ. إذ كان بازوليني يكرّس مقالاته لفضح هؤلاء جميعًا. طالب كثيرٌ من المثقّفين إعادة فتح القضيّة والتحقيق فيها بعد أن أُغلِقت وفُتِحت مرارًا، إلّا أنّ الغالبيّة العظمى من الإيطاليّين يميلون إلى تصديق الرواية الأولى: خلافٌ متعلّق بميوله الجنسيّة المثليّة مع مراهقٍ خطير وصاحب سوابق. فُجِعَت إيطاليا بمقتل بازوليني الذي ظلّ إشكاليًّا حتّى آخر لحظة من عمره، وبعد مماته أيضًا؛ فتحدَّث في ذلك الأديبُ الكبير ألبرتو مورافيا: «لقد اكتشف بازوليني عالمًا لم يمسّه الأدبُ الإيطاليّ من قبل، وفتح أعيننا على فتيةٍ يعيشون في أكواخ الصفيح وأحياء روما الفقيرة. فتيةٌ منحرفون ومجرمون، لكنّ بازوليني أظهرهم بصورةٍ بطوليّة تناقض ذاتها. ويبدو لي اكتشافه هذا من صنع الأقدار: بمعنى أنّه كان هو الذي اكتشف هذا العالم، ثمّ لقي مصرعه على أيدي هذا العالم نفسه».

فتعالوا لنكتشف معًا هذا العالم العنيف!

*"بازوليني: حياة عنيفة"، ترجمة معاوية عبدالمجيد عن دار روايات.
العلامات الدالة

الأكثر قراءة

النهار بيديا 10/29/2026 7:32:00 PM
عُيّن الأمير هاشم بن الحسين مستشاراً للعاهل الأردني الملك عبد الله الثاني اعتباراً من 29 تشرين الأول/أكتوبر 2026، بعد مسيرة عسكرية وأكاديمية.
المشرق-العربي 10/28/2026 8:00:00 PM
"أدى مراسم الزيارة والصلاة داخل الصحن الشريف، واطلع بعدها على معالم المرقد".
اقتصاد وأعمال 10/29/2026 2:35:00 PM
يشكل اجتماع باريس خطوة تحضيرية لتوحيد الأرقام وتحديد الخيارات القابلة للتطبيق، قبل مناقشتها مع صندوق النقد الدولي.
لبنان 10/29/2026 9:03:00 AM
فقدان الاتصال بخادم رعيّتَي الحصون وفرحت الأب سمير ضو منذ ظهر الأربعاء، وسط عمليات بحث لم تُفضِ بعد إلى تحديد مكانه.