24-11-2022 | 12:39

الفرنسي ميكائيل كوريا باحثًا في التاريخ الشعبي لكرة القدم

​ يتفاعل مليارات البشر هذه الأيام مع دورة جديدة من كأس العالم لكرة القدم، سيذكرها التاريخ باعتبارها الأولى التي تُقام في بلد عربي، هو قطر، وبوصفها كذلك شاهدًا على فوز منتخب عربي (هو المنتخب السعودي) للمرة الأولى على منتخب سبق له الفوز بالمونديال، ويعتبر مرشحًا دائمًا للفوز باللقب، هو منتخب الأرجنتين بقيادة ميسي الذي لطالما صُنِف أفضل لاعبي كرة القدم عالمياً. وعلى الرغم من هيمنة حسابات البيزنس في السنوات الأخيرة على نشاط كرة القدم الرسمي في مختلف أنحاء المعمورة، عمومًا، وفي الدوريات ذات الشعبية العابرة لحدودها المحلية بصفة خاصة، يظل للساحرة المستديرة ألقٌ يستعصي على تلك الحسابات، فيجعلها قادرة على إمتاع حتى أولئك الذين يعيشون تحت خط الفقر، هنا، أو هناك، ومن ثم تلهمهم سبل بلوغ المجد، بإرادة تقهر المستحيل.
الفرنسي ميكائيل كوريا باحثًا في التاريخ الشعبي لكرة القدم
Smaller Bigger
يتفاعل مليارات البشر هذه الأيام مع دورة جديدة من كأس العالم لكرة القدم، سيذكرها التاريخ باعتبارها الأولى التي تُقام في بلد عربي، هو قطر، وبوصفها كذلك شاهداً على فوز منتخب عربي (هو المنتخب السعودي) للمرة الأولى على منتخب سبق له الفوز بالمونديال، ويعتبر مرشحاً دائماً للفوز باللقب، هو منتخب الأرجنتين بقيادة ميسي الذي لطالما صُنِّف أفضل لاعبي كرة القدم عالمياً.
 

وعلى رغم هيمنة حسابات البيزنس في السنوات الأخيرة على نشاط كرة القدم الرسمي في مختلف أنحاء المعمورة، عموماً، وفي الدوريات ذات الشعبية العابرة لحدودها المحلية بصفة خاصة، يظل للساحرة المستديرة ألقٌ يستعصي على تلك الحسابات، فيجعلها قادرة على إمتاع حتى أولئك الذين يعيشون تحت خط الفقر، هنا، أو هناك، ومن ثم تلهمهم سبل بلوغ المجد، بإرادة تقهر المستحيل.

 

هكذا ولدت أساطير من نوعية بيليه ومارادونا، وميسي ورونالدو، ومحمد صلاح، واتسع نطاق شعبية كل منهم، ليتجاوز بلدانهم الأصلية، فتحولوا إلى أيقونات لدى الشعوب من ثقافات مختلفة. 

 

في كتاب "تاريخ شعبي لكرة القدم" للصحافي الفرنسي ميكائيل كوريا، والذي يواكب صدور ترجمته إلى اللغة العربية انطلاق مونديال قطر (ترجمة محمد عبد الفتاح السباعي - دار مرايا للثقافة والفنون - القاهرة)، فإنه منذ الربع الأخير من القرن العشرين، احتلت اللعبة الأكثر شعبية في العالم أكثر الأماكن عزلة على سطح هذا الكوكب. وهي على أية حال ولدت معولمة، فقد حملها بحارة الإمبريالية الإنكليزية إلى شواطئ العالم.

 

ففي البرازيل تم تقديم الكرة رسمياً بتاريخ 14 نيسان (أبريل) 1895، عندما نظم برازيلي من أصل بريطاني المباراة الأولى والتي كانت مرتبطة بألعاب ترفيهية بين أطقم السفن الإنكليزية. ومن الممكن أن يكون الأمر كذلك في العديد من البلدان الأخرى ومن بينها فرنسا، حيث أدى وصول كرة القدم عبر ميناء لوهافر في عام 1871 إلى تأسيس أول فريق فرنسي من خلال نادي لوهافر الرياضي.

 

 

ميسي وميكي ماوس

ويقول ميكائيل كوريا: "سواء رفضنا ذلك أو قبلناه، فإن كرة القدم المعولمة باتت تجسد أكثر من أي وقت مضى تجاوزات الرأسمالية الجامحة. إذ إن الأندية الكبيرة أصبحت علامات تجارية، وهذه هي حالة "اف سي برشلونة" على سبيل المثل والذي قارنه أحد مدرائه مبتهجاً بشركة والت ديزني قائلاً: "لديهم ميكي ماوس ونحن لدينا ليونيل ميسي" (صـ 7).

 

انطلقت كرة القدم من أوساط العمال في بريطانيا، ولطالما ارتبطت بالأوساط ذاتها في أنحاء مختلفة من العالم، لكن الحال الآن يؤكد أن الطبقات الشعبية لم تعد تملك سوى مشاهدة المباريات عبر الشاشات.

 

فما بين 1990 و2011 ارتفع سعر أرخص تذكرة لدخول ملعب "أنفيلد رود" الخاص بفريق ليفربول الانكليزي، تلك المدينة العمالية الواقعة شمال البلاد بنسبة 1108 في المئة. في حين أن القيم التي تنقلها كرة القدم الاحترافية – بحسب ميكائيل كوريا - لم تعد أكثر إشراقاً؛ "إذ إن المسابقات التي أصبحت هي أيضاً وسائل إعلانية وقيماً للمضاربة، تؤدي في كثير من الأحيان إلى إثارة نعرات شوفينية رجولية وفي بعض الأحيان انتقامية، فالإهانات العنصرية والجنسية ومعاداة المثليين لم تعد شائعة فقط في المدرجات، بل في أروقة الاتحادات الوطنية".

  

هل هي لعبة ذكورية؟

تاريخياً لم يدم اقتصار ممارسة تلك اللعبة، سواء في نطاق الهواية أو في نطاق الاحتراف، على الذكور طويلاً، فمبكراً جداً، وفي بريطانيا أيضاً قبل غيرها، تأسست فرق لكرة القدم النسائية، في ظل ظروف شديدة التعقيد، منها مثلاً أن حال المرأة في نهاية القرن التاسع عشر كانت تحكمه قوانين مؤسسة الزواج، حيث كانت حقوق المرأة القانونية مماثلة لحقوق الطفل القاصر، وكان عليها التزام الطاعة العمياء لزوجها مع دورها الاجتماعي كمسؤول أول عن شؤون الأسرة منزلياً.

 

"للمرة الأولى لعبت الفتيات الصغيرات كرة القدم المعتمدة من الاتحاد". هكذا كتبت صحيفة "لوتو" الفرنسية في 2 تشرين الأول (أكتوبر) 1917، تعليقاً على مباراة بين فريقين من النساء يتبعان نادي "فمينا سبور" الباريسي.

حضر المباراة مجموعة من الصحافيين والفضوليين. كانت كرة القدم النسائية -في ذلك الوقت- مزدهرة في بريطانيا، لكنها ظلت سرية في عموم أوروبا.

 

في كانون الثاني (يناير) 1918 تأسس اتحاد الجمعيات الرياضية النسائية في فرنسا. وفي بداية موسم 1920 – 1921، كان لدى فرنسا عشرات الأندية التي تلعب كرة القدم النسائية.

منتقدو الرياضة النسائية بنوا موقفهم على أساس الطبيعة العنيفة لكرة القدم. قسوة الرياضة والحيوية التي تتطلبها هي صفات رجولية من غير المرغوب فيه أن تكتسبها النساء.

 

تساعد ممارسة الكرة على "ذكرنة" النساء إلى درجة تعريض قدرتهن على الإنجاب للخطر. وتم حشد عدد من التكهنات الطبية لإثبات أن كرة القدم تسبب عند النساء "تطور الحوض الضيق" و"عدم نضج المهبل"، لدرجة "فقدان وظائفها الإنجابية تماماً" (صـ 325).

 

بدءاً من عام 1925 بدأت ممارسة كرة القدم النسائية في فرنسا تختفي من المشهد الرياضي، ولم تفلح جهود اتحاد الجمعيات الرياضية النسائية الذي عرض صوراً لأطفال حديثي الولادة هم أبناء لاعبات ومنتسبات لنادي "فمينا سبور"، في أن تغير شيئاً.

 

وعموماً لم تحظ كرة القدم النسائية بعد مرور مئة عام على انطلاقها باهتمام يماثل ما تحظى به كرة القدم "الرجالي" من اهتمام، سواء على مستوى الفِرق، أو المنتخبات، لكن ذلك لم يمنع أن تحظى المباريات بجمهور تشكل المرأة نسبة كبيرة منه، وهو ما يمكن أن نلاحظه بسهولة في مدرجات الملاعب التي تقام عليها مباريات مونديال قطر، على سبيل المثال. 

 

الشعب يريد

أما المكاسب أو حتى الخسائر السياسية، التي يمكن حصدها، أو تلقيها، على مستوى الدول وكذلك الأفراد، من خلال كرة القدم، فهي مسألة مؤكدة، سواء في الماضي، قريباً كان أو بعيداً، أو في الحاضر والمستقبل. ويطرح كتاب "تاريخ شعبي لكرة القدم"، أمثلة عديدة في هذا الصدد. لكنه يخصص فصلاً كاملاً للدور الذي لعبه مشجعو الأندية الأكثر شعبية في مصر، في الانتفاضة التي انطلقت يوم 25 كانون الثاني (يناير) 2011، وأدت إلى إسقاط نظام الرئيس حسني مبارك بعدما قضى نحو ثلاثين عاماً في الحكم.

 

كما خصَّص فصلاً آخر لدور مشجعي كرة القدم ولاعبيها في الجزائر في النضال ضد الاستعمار الفرنسي، وصولاً إلى التوقيع على اتفاقات إيفيان بين الحكومة الفرنسية والحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية في 18 آذار (مارس) 1962، مما مهَّد الطريق لإعلان استقلال الجزائر في 5 تموز (يوليو) من العام نفسه... أما الفيفا فقد اعترف فوراً بالمنتخب الجزائري بمجرد تشكيله عام 1963.

 

وتحت عنوان "الكرة سلاح سياسي في يد الشعب الفلسطيني"، جاء الفصل الحادي عشر من الكتاب، وقد استهله المؤلف بقول محمود درويش: "سنصير شعباً حين لا يتذكر الفلسطيني رايته سوى في ملعب الكرة الفسيح".

 

وفي هذا الصدد يقول المؤلف تحت عنوان "بطاقة حمراء في وجه الفصل العنصري": "مع الاعتراف الرسمي بالاتحاد الفلسطيني لكرة القدم في عام 1998، ومع إقامة أول بطولة فلسطينية، وكذلك بناء عشرات الملاعب بفضل المساعدة المالية من الفيفا، فإن العديد من اللاعبين العرب الذين عانوا بشدة من العنصرية المستوطنة في الدوري الإسرائيلي انجذبوا إلى الأندية المحترفة في الضفة الغربية".

 

ومهما تطورت وتنامت الصيغ التجارية لكرة القدم، فإن تلك اللعبة لن تفقد أبداً، بحسب متن كتاب ميكائيل كوريا، شغف الشعوب بها عبر ممارستها والاستمتاع بلاعبيها المغمورين في الشوارع والحواري والأزقة، فتلك الساحات كانت وستظل المفرخة الحقيقية لنجوم اللعبة، من عيّنة بيليه ومارادونا وميسي ومحمد صلاح وساديو ماني، وبنزيمة وزين الدين زيدان وبيكهام وبيكنباور ورونالدو.             

الأكثر قراءة

المشرق-العربي 8/3/2026 6:35:00 PM
علقت العائلة يافطات في العاصمة عمان تعلن فيها براءتها منه والمطالبة بإعدامه.
شمال إفريقيا 8/7/2026 5:58:00 PM
من علاج السرطان ببيكربونات الصوديوم إلى مناهضة اللقاحات... من هي باربرا أونيل التي حظرت مصر ظهورها ومنعت تداول محتواها الصحي؟
ايران 8/9/2026 7:53:00 AM
نشرت وكالة "مهر" فيديو غير مؤرخ لمجتبى خامنئي يظهر فيه بصحة جيدة، بعد تقارير إسرائيلية تحدثت عن وجوده في "حالة حرجة للغاية" ونقله إلى المستشفى.
لبنان 8/7/2026 7:49:00 PM
جوزف عون يعيد أربعة قوانين إلى مجلس النواب لإعادة النظر فيها، مسجلاً اعتراضات دستورية وقانونية تتعلق بالتوظيف والتثبيت والغرامات وصلاحيات الإدارة.