"كهف القارئ" العراقي كه يلان محمد... من نظرية التلقي إلى البيئة التفاعلية
في كتابه "كهف القارئ"، انتصر الكاتب العراقي كه يلان محمد للرواية والقارئ معاً، وكأنّه يصنع منهما ثنائياً متناغماً يخدم كلّ منهما الآخر في سيمفونية وجودية تحاكي الواقع بطريقة ذكية، تمنح النصّ ما يمكن أن نسميه الراهنية، وتمكّن القارئ من ممارسة التأمل لصناعة الحقائق على ما يراه فريديريك نيتشه "لا توجد الحقيقة إنما فقط التأويل".
يبحث الكاتب العراقي في مؤلفه عن حقيقة كتابة النص الروائي من جهة، وحقيقة جعل هذا النص موجوداً بفضل القراءة من جهة ثانية. فالرواية لم تعد -في عصر السرعة وانتشار مواقع التواصل الاجتماعي- حائطًا لشعارات نضالية أو ادعاءات أيديولوجية إنما أبوابها أصبحت مشرّعة بوجه التطور العلمي الذي يفرضه العصر الحديث، ما أكسب هذا الجنس الأدبي قدرة على الانفتاح أكثر على احتمالات التجديد اللامتناهية.
اشتغل كه يلان في "كهف القارئ" على تحليل واقع الرواية بغية تأكيد وجود تواصل بينها وبين مجالات أخرى خارج الأجناس الأدبية، وأبرز قدرة الروائي على ترويض الذاكرة، إضافة إلى خاصية التفاعل التي يتميز بها النص الروائي في علاقته بالحدث الراهن، من دون أن يهمل ما أطلق عليها "غواية السيرة"، حيث أشار إلى أهمية نضوج وعي الفرد وإدراكه لخصوصياته الذاتية وقلقه الهوياتي.
وكل هذا من خلال الترابط الوثيق بين حركة الفكر وتطور الأشكال السردية. وفي هذا السياق، استشهد المؤلفُ بروايات محمد شكري "الخبز الحافي"، وواسيني الأعرج "ليالي إيزيس كوبيا" عن الكاتبة اللبنانية مي زيادة.

عرج الكاتب إلى لعبة التخييل، وتحوّل الرواية إلى ما يشبه "صندوق الدنيا" بالنسبة إلى الإنسان المعاصر، نظراً إلى تراخي السلطات المجتمعية وتلاشي الخطوط الحمر بحكم رغبة الرواية في تناول كل الموضوعات من دون الامتثال لمفهوم "المحرّم".
وبهذا المعنى، أصبح العمل الروائي يشاكس هذا "المحرّم" ليس بغرض إثارة الجدل، وإنما رفضاً للتخندق والتوظيف لأغراض دعائية، وتأكيداً على أنها عمل يقوم على حكمة اللايقين وفق مفهوم "مطرقة نيتشه".
وعلى هذا الأساس، يرى كه يلان أنه من الضروري أن يتم فتح الباب لمناقشة موضوع تباين الذائقة ومستويات التلقي من عصر لآخر، مشيراً إلى استقطاب الرواية للجماهير في هذا العصر، إذ أن الرواية اكتسحت المشهد الثقافي مستغلة الثورة المعلوماتية التي أتاحت لها فرصاً وتحديات عديدة إلى درجة أنها حلّت محل الأيديولوجيا والأساطير. ونبّه الكاتب هنا إلى أنه كلما زاد الشعور بالاغتراب لدى الفرد يكون أكثر افتتاناً بالعوالم المتخيلة، مما يطرح التساؤل: هل يريد القارئ خلال الالتحام بالكون الروائي تعويض محدودية حياته؟".
ولتقرب هذا السؤال من أي إجابة ممكنة، ذكّر كه يلان بمقولة الكاتب ميلان كونديرا بأن "وجود الرواية هو حماية لنا من نسيان الوجود"، مما يدل إلى انعتاق الخيال بفضل الرواية من قيود واقع محدود. كما استحضر المؤلف أيضاً الكاتب الأميركي آدم كسرش الذي قال إنه بفضل الرواية لا مجال للأحادية في التفكير والتعبير أو الهيمنة.
واعتباراً من هذا، فإن الرواية تلبي الرغبات الاستهلاكية وكأن القارئ يقدم خدمة لحركة السوق الرأسمالية بالنسبة الى الروايات التي تكتسح السوق لمدة قبل أن تستنفذ صلاحيتها.
أما الروائي الشهير ماريو فرغاس يوسا، فإنه يؤكد أفضلية القراءة لأن القارئ يتحول إلى مشاهد خلاق.
وفي سياق آخر، تناولت المفكرة المغربية فاطمة المرنيسي الخصومة القائمة بين الخيال والسلطة، واعتبرت الخيال ملجأ الفردية الأصعب ترويضاً، وتصفه بالحديقة السرية للمرء الذي ينجو من المراقبة وكيل التهم، ولا يتقيد بالإكراهات الخارجية. ومن هنا –يضيف كه يلان محمد– إنه يمكن فهم تصاعد نسبة قراء الرواية والإقبال عليها بأنه رفض للمرويات الرسمية ومسعى لإدراك خصوصيات الذات من خلال طرح الافتراضات، والسؤال عن الإمكانات المنسية بعيدًا من المرجعيات التقليدية.
ولم تعد الرواية مجرد مصدر للتسلية والإمتاع، وإنما قد تكون الغاية من قراءتها هي التزوّد بمعرفة ما حول ما يدور في الأوساط السياسية والاجتماعية.
عليه واصل الغوص في الموضوع، وأشار إلى أن العمل الإبداعي أكثر تواصلاً مع المستحدثات من دون أن يفقد خصوصياته الفنية، وأن كل نص أدبي يتم التعامل معه بوصفه منجزاً أدبياً قابلاً لمساءلة القارئ الذي يملأ ثغراته، وأن الرواية أداة معرفية وأداة لإنتاج الوعي بالمعطيات الوجودية لأن فن الرواية متسم بالتعددية في الأصوات، فالحراك الروائي يرافق نشوء وعي جديد لدى قرائه ومتابعيه، والرواية تعوّض القارئ عما ينقصه في الواقع.
وفي سياق الأدب والبيئة الافتراضية، ومن منطق تواصل الأديب مع جمهور القراء، اعتبر الكاتب العراقي أن المؤلف أصبح في هذا العصر يراهن أكثر على القارئ الذي يخرج نصه من العتمة بفعل التفاعل السريع بين القارئ والمنتج الأدبي، بل ذهب بعيداً في رؤيته حينما قال إن القارئ أصبح يزاحم الناقد في وظيفته، خصوصاً مع انتشار الإعلام البديل الذي تسبب برأيه في خسارة المثقف مزيداً من الأدوات المكونة لسلطته المعنوية.
هذا قد ينسحب أيضاً على وظيفة الناقد الأدبي الذي يبدو أنه أقل فاعلية من القارئ العادي، لذا يُعقَدُ الرهانُ على هذا الأخير وعلى ما يقوله عن النصوص الأدبية. وأضاف المصدر أن عصر القارئ يضفي دلالة أنه "ليس المقصود بالقارئ ذلك الذي حدد المنهج البنيوي مواصفات، حيث أعلن موت المؤلف، وأصبح معنى النص متوقفاً على وجود القارئ الذي يملأ فجوات الأثر الأدبي، وإنما المقصود هو القارئ الذي يراهن عليه المؤلف لخروج منجزه الأدبي من العتمة".

وهو يعتبر أن انفتاح التواصل الاجتماعي بوجه الجميع ساهم في تشكيل الجمهور القراء، وتشكيل الذائقة واختيارات القراء، في تأكيد آخر على محدودية دور الناقد، مشيراً إلى اعتماد الروائيين حاليا على نشر في صفحاتهم ما قاله القارئ العادي عن إصداراتهم الجديدة إضافة إلى المقتبسات المتداولة، التي غالباً ما تكون دافعاً لمتابعة العمل الروائي بأكمله، ما يعني وجود عناصر جديدة لتشكيل الذائقة والوعي بالأثر الأدبي، ويؤكد كه يلان هنا عن التساؤل حول مصير الناقد في عصر القارئ، حيث أن النقد عمل معرفي يتطلب تجديداً في الأدوات والرؤية حتى لا يحل به الركود ولا ينتهي إلى الجمود، مشيراً إلى أنه مؤخراً يلاحظ فراغ علبة النقد بينما نجح الروائيون في إيجاد لغة روائية متفاعلة مع واقع العصر ومتطلباته العلمية، فيما "تكتفي معالجات النقاد بتدوير بعض المصطلحات والعبارات التي لا تخدم العمل الأدبي وذائقة القارئ"، وحسبه فالروائي أدرك لغة العصر والتكوين العقلي الجديد، وأن مستوى التواصل ونسبة التفاعل يدفعان بالمبدع للشروع في كتابة عل جديد.
واستشهد مؤلف "كهف القارئ" هنا بمقولة الفرنسي ألكسندر دوما حين قال: "فمن ميزات الروائيين أنهم يخلقون شخصيات تقتل شخصيات التاريخ، والسبب أن المؤرخين يكتفون بالحديث عن أشباح، أما الروائيون فيخلقون أشخاصا من لحم ودم".
كما استدل كه يلان بكل من الإيطالي أمبيرتو إيكو الذي دعا إلى التعامل مع النصوص الأدبية بمنطق جديد، وكذلك الناقد المغربي سعيد بنكراد الذي يعتبر أن "القراءة قدر كل نص". وكلا الرأيين يستندان إلى نظرية التلقي حيث الحقيقة لا تكمن في النص بل هي وليدة أنماط وأشكال تثير القارئ الذي ينهض بصناعة الحقائق .
ولم يغفل المؤلف ميزة النص الروائي المتمثلة أساسا في المرونة وإمكانية تصريفه في سياقات متعددة، وكذا ارتباط قدرة الكاتب على الحضور بنوعية العمل وراهنيته المتجددة من منطق الرواية واحتمالات التجديد اللامتناهية، وعرج إلى شكل الرواية في زمن متسارع، وحسب الكاتب الإيطالي "إيتالو كالفينو"، فإن العصر الحديث يفرض إدراكاً جديداً للكتابة ومن الضروري أن تكون الأعمال الروائية مقتصدة في صياغة تعبيراتها لأن ذوق القارئ المعاصر لا يتحمل الحشو والإسهاب، وهنا تظهر قدرة النص الروائي على استيعاب أشكال وموضوعات جديدة، لا سيما بعد إقصاء سلطة الرقيب بأنماطه المختلفة.
من جهة أخرى، أثار صاحب "مأدبة السرد" الصادر حديثاً، اغتراب الكاتب عن زمنه وراهنية النص المتجددة، على غرار ما عاشه نيتشه الذي لم يكن ليتنبأ بالأهمية التي تحظى بها نصوصه الفلسفية الآن.
وختم كه يلان محمد مؤلفه "كهف القارئ" بضرورة أن يكون أمام القارئ مجال لتأمل مراحل التكوين ونمط الحياة، مستحضراً في فصل "أرثر شوبنهاور" والنصف الفارغ من الكأس، مناقشة الكاتب الأميركي "إرفين د. يالوم" في روايته عندما بكى نتشه إمكانية التسامي على الأزمات الذاتية وتحويلها إلى دوافع للنمو، رامياً بذلك إلى توظيف المادة الفلسفية لتناول الظواهر الحياتية وفتح ممر لتداول الهواجس الوجودية.
نبض