رسائل إلى لا أحد (6 من 7)
هلّ علينا هواء البحر وانحرفنا بالسيارة إلى اليمين. الطريق مزدحم. الميكروباصات فيه أكثر من السيارت الملّاكي وأكثر من التاكسيات. تجري مسرعة وتنحرف كلّ لحظةٍ يمينًا كأن لا أحد غيرها في الطريق. ليس جديداً عليّ. لا توجد على الشاطئ هنا كافيهات تحجزه عن الناظرين، ولا سور من أعواد الحديد كما هو في مناطق أخرى. هذا شيء جميل. الكثيرون يجلسون على سور الشاطئ والكثيرون يمشون أمامه في الاتجاهين. على اليمين الرصيف متسّع. لا رطوبة في الجو فنحن في شهر يونيو. يوليو قاتل في الرطوبة وأغسطس قاتل أثيم. على يميني لا تزال العمارات القديمة كما هي. مقهى الوطنية تقترب. مقهى متسعة من الداخل وتحتل جزءًا صغيرًا من الرصيف، وكانت لنا فيها جلسات أيام الشباب.
مطعم نصّار الشهير. كنت أسمع عنه منذ الطفولة. صار كافيه الآن. كان يعمل فيه ابن عم لي في الخمسينات. لا أذكر ماذا كان يعمل بالضبط. هل غارسون أم شيف في المطبخ. أكلتُ فيه مرة واحدة منذ أكثر من ثلاثين سنة. كنت أعرف دائمًا أنه للأغنياء. تغير الوضع وأنا لا أدري أو لا أهتم. علاقتي بالطعام مختلفة. ليس لي اهتمام بنوع ما آكل. الطعام بالنسبة إليّ سد للجوع لا أكثر. لذلك تتساوى فيه الفلافل مع الكبد مع اللحوم. الأسماك فقط هي محبتي الوحيدة. لايمكن أن يمر أسبوع دون أكل السمك. تعودنا عليه ونحن صغار. الزحام- ورغم أننا في يونيو ولم يأت يوليو بعد- واضح في المقاهي. أهم ما أتذكره هنا هو مسرح شهرزاد وكان صالة أفراح من قديم الزمن.
حضرت فيه أفراحًا كثيرة. أما مقهى كريستال أو نيو كريستال اسمها الحقيقي فقد هدمت عمارتها. سيقيمون مولًا أو عمارة عالية تحجب هواء البحر عمّا خلفها كعادتهم. هنا كان أكبر تجمع للكتاب لا ينافسه إلا مقهى الوطنية. أرى كل شيء بهدوء لأنّ السيارة تتحرك في بطء. ربما حين نمرّ من محطة الرمل ينفسح الطريق ونسرع. المهم أن البحر على يساري يهلّ منه الهواء. تذكرت أنه كان له رائحة اليود زمان ولا أشمها الآن. أين راحت رائحة البحر؟ لا أعرف. فندق ويندسور لا يزال موجودًا. ماذا جرى يا ابراهيم؟ أنت تعرف أن فندق سيسيل بعده لا يزال! الحقيقة أن هذه الفنادق كانت كشيء من الأفلام وأنا أعيش في الإسكندرية. لم أنزل فيها إلا بعد رحيلي إلى القاهرة، وفي زياراتي سواء لمكتبة الإسكندرية أو قصور الثقافة أوغيرها، فهم يقومون بالحجز لي ولغيري فيها...
لا معنى لدخولها وأنا في الإسكندرية أعيش، ولا معنى لدخولها في سفري وحدي حتى لو فكرت في الإقامة في فندق، فهي غالية وهناك فنادق أرخص منها سعرًا. أنا لا يهمني من الإسكندرية غير هوائها وأصدقائي. رحل الكثيرون من الأصدقاء فبقي لي الهواء، وهو أمر مختلف عن كل هواء عشته في كل البلاد. مؤكد لأنها موطني. فالهواء في تونس على الشاطئ جميل وفي المغرب وفي فرنسا وفي أميركا وغيرها بين محيطات وبحور مررت عليها، لكن هنا يختلف الإحساس به. في الإحساس حنين وأسئلة قديمة. لقد وصلت إلى مبنى فندق سيسيل. هنا لا بد أن أتذكر على الأقل أسماء من قاموا بالبناء القديم فى الاسكندرية ومصر مثل بيترو أفوسكاني مصمم كورنيش الإسكندرية وماريو روسي، وجوسيبي اليساريو لوريا مصمم وباني فندق سيسيل. ليست نوستالجيا. لقد رحلوا ربما قبل ميلادي أو وأنا طفل صغير، لكن كلا منهم كان يعرف أنه يبني على البحر فلا يحجب الهواء عمن هم خلفه، فلا ترتفع البنايات عن خسمة أو ستة طبقات.
البناء يذكرني بالدكتور محمد عوض استاذ العمارة العظيم. أحد أبناء العائلة العظيمة في تاريخ العمارة في الإسكندرية وأحد أعلام مكتبة الاسكندرية حين كان يرأسها اسماعيل سراج الدين.
وطبعًا اتذكر الدكتورة سحر حمودة أستاذة الأدب الانكليزي في كلية الآداب ورفقتي معهما في المكتبة في اللقاءات أو اجتماعات مجلس إدارة مركز دراسات الإسكندرية وحضارة البحر المتوسط الذي كنت عضوا فيه وتركته حين جاء مصطفى الفقي ولم أجدهما فيه.
أرسلت طلباً بالاستقالة دون حديث غير انشغالي. انتهي زمن الحديث الآن مع أي أحد، كما يذكّرني عبد المنعم رمضان الشاعر الكبير دائما، أن ما بقي لنا قليل فلنعش بسلام مع النفس.
كم الندوات واللقاءات التي كانت في مكتبة الإسكندرية مع كتّاب ومفكرين من العالم كبير جدًا، وكانت كلها تحت رعاية الدكتور محمد عوض وسحر حمودة. هذا فضلاً عن الندوات في المجالات الأخري بعيدا عن مسألة البحر المتوسط.
سعد زغلول كما هو لا يزال واقفًا يشير إلى البحر. إلى أوروبا حيث الحضارة. ضحكت لأني جعلته في خيال بطل رواية "الصياد واليمام" وهو يعود يوماً سكران من أحد البارات في الليل ويقف ينتظر الأوتوبيس، يري سعد زغلول مستديراً ينحني على الإسكندرية يحضنها ويحميها من المطر.
رؤية لعائد من البار لكنه حب المدينة. قلت لنفسي يا إبراهيم سعد زغلول لم يلتفت في مكانه ولا يستطيع. القصص أوهام وليست حقائق. هناك أمامي كراج قام منذ سنوات في الحديقة التي حول التمثال. ومن بعيد أرى ديليس وعمارته وأري تريانون وفندق متروبول. كل شيء في مكانه. لابد يوما أن أجلس في ديليس بعد انقطاعي أعواما طويلة. آخر مرة جلست في تريانون كانت منذ ثلاثة أعوام وكان زحامًا شديدًا. أجمل كابتشينو وأجمل أي مشروب تشربه في ديليس فما بالك بالحلوي.
المهم أن المباني موجودة ولايزال البحر يرسل الهواء ولم يظهر السور الحديدي. لو تحدثنا عن ذكرياتي سوف يختلط ما رأيته بما كتبته في رواياتي بما قرأته عن هذه الأماكن. وربما أخرج من الكورنيش بذهني وأبدأ في الدوران حول محطة الرمل.
تتداعى عليّ ذكرياتي ومعرفتي بمن ارتاد محطة الرمل ولم أره لأنه كان قبل ميلادي مثل كفافيس أو لورانس داريل أو فورستر.
أذكر أني في أواخر الستينات وأوائل السبعينات كنت أعود مشيًا من الجامعة، كلية الأداب، إلى محطة الرمل أزور باعة الكتب. الرملي وعم سيد المجاور له وكانت معاملتي أكثر مع عم سيد، لأنه كان يسمح لنا بالاستعارة نظير قرش صاغ تقريبًا حين نعيد الكتاب. أي كنا ندفع ثمنه ثم حين نعيده يعطينا الثمن خاصمًا قرش صاغ.
بعد ذلك وثق فينا فلم يكن يأخذ منا ثمنه مقدمًا. كنت أرى الفنان سيف وانلي جالسًا على الرصيف في كافتريا "على كيفك"، وكان جميلا فقط أن أنظر إليه.
كان من طقوسي وأنا ذاهب إلى الكلية صباحًا أن أقوم بتلميع الحذاء في المحل الصغير جوار سينما ستراند. لا زلت أذكر حوارًا رائعًا بين العاملين الإثنين فيه، عاملين اثنين وأظن أن الأمر كذلك حتى الآن، يجلس كل منهما جوار الأخر وأمامه مقعد عالي يجلس عليه الزبون لتلميع الحذاء. كنا في شهر مارس فقال أحدهما للآخر "هو الشهر دا طويل كدا ليه؟"، فقال له الثاني "دا شهر واحد وتلاتين يوم". فسكتا لحظات حتى قال الأول "ياسلام لو الدنيا كلها تبقي شهر واحد"، فردّ الثاني على الفور "في الحالة دي مش حتلاقي حد يسلفك فلوس"، ضحكت وتأملت كم الذكاء في الردّ.
كل مارس أتذكر هذا الحوار، الذي بدوره يذكرني بحوار آخر بين اثنين من ملمعي الأحذية، لكن بعد أربعين سنة تقريبًا في القاهرة، وأنا جالس على مقهى في شارع "المبتديان" يلمع لي واحد الحذاء والثاني جواره لا يلمع شيئا فسأله: "هو فاضل قد إيه على العيد الكبير؟". ردّ الثاني وقال "تقريبًا شهر وكام يوم كدا"، فسكت الأول لحظات ثم قال "زي دلوقت السنة اللي فاتت".
ضحكا وضحكت بينما أفكر في العلامات الوجودية في تفكيرهما رغم أنهما لايدركان. لكني أتذكر أيضا أن أكثر من ماسح أحذية كان يجلس في محطة الرمل أمام المحلات الصغيرة التي تبيع الآيس كريم عند نهاية خط الترام. اختفوا مع الوقت واختفت المحلات، واتذكر المقهى المجاور لسينما ريتس وأنا اشرب الشاي وتركت ماسح أحذية يلمع لي حذائي وكان ما نعطيه له قرش تعريفة.
حين أعطيتة التعريفة قال لي "معلش صاغ النهاردة" سألته لماذا فقال لي إن محمد أحمد رفع سعر الساندويتش وأصبح قرشين صاغ بعد أن كان قرشًا واحداً، وكان هذا حقيقياً. ستأخذني الذكريات إلى محمد أحمد الذي هو من علامات المنطقة، والذي حتى الآن حين أسافر إلى الإسكندرية لا أغفل أن أتناول وجبة فيه وأتذكر أيام زمان.
كنّا في كل رحلاتنا إلى سينما ريتس أو الهمبرا أو ماجيستك أمامه أو بارك في شارعه، شارع شكور، يكون الأكل سهلا فهو ساندوتشين من محمد أحمد. هذه السينمات قد هدمت. سينما ريتس تغيرت وصارت ملاهي أطفال. ما علينا... الذي وضع تصميم محطة الرمل هو المعماري الإيطالي الشهير انطونيو لاشياك عام 1878. هذا ما أردت أن أتذكره.
لكنّ السيارة تحركت قبل أن أبتعد بالتفكير عن محطة الرمل ورأيت على يميني مطعم وبار كالتيا. هل يصدق أحد أني عشت صباي وشبابي أحلم بالجلوس فيه يوماً. كان قبل السبعينات والتحولات التي جرت في الثقافة وهجمة الوهابية، ومثل كل البارات والمطاعم على الكورنيش يجلس رواده داخله وعلى الرصيف، وخاصة في الليل يشربون البيرة والخمر أو ما يشاؤون شبابًا ونساءً ولا أحد يستنكر ذلك، بل يمرّ عليهم دائما بائع للسوداني وللمكسرات وكثيراً ما كان يحمل فواكه بحر مطهية يعرضها عليهم، ورغم المزات التي أمامهم لا يعترض المحل ويشترون.
كنت أعرف أن ذلك ليس في مقدرتي المالية. حين تحسنت الحياة معي شيئا ما وعشت في القاهرة ونشرت أعمالي اشتقت إلى الجلوس في بار كالتيا وجلست أكثر من مرة في أكثر من زيارة وطبعا لا جلوس لشرب البيرة أو غيره على الرصيف. أثناء زياراتي للاسكندرية وأنا أكتب رواية "لا أحد ينام في الإسكندرية" أو رواية "طيورالعنبر" كنت أستريح فيه. صرت معروفاً لديهم حتى جاء يوم لا أذكر تاريخه أجرى معي الإذاعي النابه شريف منير حواراً حول كتاباتي، فاخترت كالتيا نجري فيه الحوار ولم يطلبوا أي مقابل.
كانت هذه آخر مرة دخلت فيها كالتيا لا أدري لماذا. لقد انقسم الآن إلى اثنين لا أعرف السبب لكني لم أعد أجلس فيه وحدث ذلك بلا قصد أو سبب. يبدو لي أني كنت انتظر اليوم الذي أجري فيه حوار تليفزيونيًا. للأسف كعادتي لم احتفظ بنسخة من هذا الحوار. كاليتيا من البارات القديمة التى تشهد على الإسكندرية الكوزموبوليتانية. لقد تم تأسيسه عام 1920 على يد اثنين من اليونانيين وقاما بتسميته على اسم مدينة كاليثيا اليونانية (اسم كاليثيا يعني المنظر الرائع).
وجدت نفسي أمام أتينيوس الذي ظهر في أكتر من رواية لي. الحديث عنه طويل لكنّ المهم أنه موجود. إذا اردت أن تعرف تاريخ الأجانب والفن معه فاقرأ كتاب "سبعة أيام في سيسيل" Seven Days at the Cecil، الذي صدر عن مركز دراسات الاسكندرية والبحر المتوسط في مكتبة الاسكندرية والذي كان لي شرف الاشتراك في مناقشته بمكتبة الاسكندرية وكتبت عنه مقالا كبيرا نشرته في أخبار الأدب.
كاتبه هو هاري تزالاس اليوناني الذي ولد وعاش في الإسكندرية وغادرها مع غيره من اليونانيين وهو في العشرين من عمره. والذي كتب عنها من قبل كتابه "وداعًا للإسكندرية" Farewell to Alexandria.
رغم أن العنوان عن سيسيل الذي عاد هاري تزالاس عام 1990 ليقضي به سبعة أيام ثم يعود فيكتب هذا الكتاب عن ذكريات المدينة العالمية، فأكثر اللقاءات للشخصيات التي يتذكرها كانت في اتينيوس. اتينيوس أصبح الآن ملكاً لعائلة يعقوب نصار صاحبة مطعم نصار.
في الاصل في نهاية القرن التاسع عشر كانت الأرض الخالية ملكًا ليهودي ايطالي اتفق مع كوستانتيوس اثينيوس، أي الأثيني، أن يبني له العمارة مقابل عمل كافيه باسمه وحلواني. كان هذا عام 1898. وراء المحلات والبارات والكافيهات حكايات يونانية وايطالية ويهودية كلها. باستارودس وسانتا لوتشيا وغيرها حتى بار الشيخ علي ومحمد أحمد.
تستطيع ان ترجع إلى كتاب الدكتور محمد عوض "إيطاليا في الاسكندرية- المؤثرات على عمران المدينة"، أو كتابه مع الدكتورة سحر حمودة "طعم الاسكندرية- نكهة عالمية"، وفيه كل ما تشاء عن مطاعم وكافيهات ووجبات الطعام الأجنبية في الإسكندرية. وإن شئت أكثر عن الجاليات الأجنبية والحياة في جو من التسامح الذي افتقدناه، وكيف أثروا المدينة بأعمالهم فيمكن أن تقرأ "أصوات من الإسكندرية العالمية" ايضًا لمحمد عوض وسحر حمودة Voices from Cosmopolitan Alexandria، وكلها من مطبوعات مكتبة الاسكندرية. لقد كانت هذه الكتب أحد مصادري وأنا اكتب رواية مثل " الإسكندرية في غيمة".
كل من أتى إلى مصر من فنانين وأدباء وساسة مرّوا على محطة الرمل، ومن عاش في الإسكندرية لم يكن بعيدا عنها. كان بين محطة الترام وتريانون منطقة سفلي للمحلات النزول إليها زمان بسلم كهربي، لكن أغلفت الأبواب وصارت الزبالة أمامها.
سمعت أكثر من مرة عن إعادتها وإعادة المحلات إليها لكن لم يحدث حتى الآن. ستأخذني محطة الرمل لأمشي في شارع صفية زغلول، وأنتهي منه لأدخل في شارع فؤاد وأعود من شارع صلاح سالم لأدخل شارع سعد زغلول، لكني لا أريد. فعلت ذلك في رواياتي. أمرّ على المقاهي التي من بينها جلست كثيرا في كافيه دي لابيه. ها أنذا الآن أقترب من حديقة الخالدين. وهنا أتمنى أن تسرع السيارة ولايتوقف الطريق. لن اتحمل الحديث عما جرى.
هل سأتحمل كل هذه الذكريات؟ ليست الذكريات حكايات وبشر لكنها طعم ورائحة. حتى لو تعمدت أن تهرب منها سيظل الطعم والرائحة في فمك.
نبض