ميرال الطّحاوي تحتفي بشعر الحبّ عند نساء البدو
تبدأ الروائية والباحثة المصرية ميرال الطحاوي كتابها "بعيدة برقَة على المِرسال: أشعار الحب عند نساء البدو"، الصادر حديثاً عن دار "المحروسة" في القاهرة، باقتباس من كتاب "حديث الأربعاء" لعميد الأدب العربي طه حسين عن أهمية الاختيار بين رضا العلم ورضا الجماهير.
فهي هنا تكمل ثلاثية بحثية بدأتها بكتاب "الأنثى المقدسة: أساطير المرأة في الصحراء" (دار بتانة)، ثم كتاب "بنت شيخ العربان" (دار العين).
والجهد البحثي الأكاديمي في هذه الأعمال، تبرز في ثناياه شذرات مهمة من سيرة الطحاوي العائلية والأدبية؛ لجهة نشأتها في بيئة تتشبث ببدويتها الموشكة على الأفول، ولكونها كذلك كاتبة تصنَّف رواياتها على أنها من أدب الصحراء والبدو والبادية.
ثلاثيتها الروائية: "الخباء"، و"الباذنجانة الزرقاء"، و"نقرات الظباء"، تدور في هذا الفلك الذي لم تستطع الإفلات منه في رواية رابعة هي "بروكلين هايتس"، مع أن مركز حوادثها هو الولايات المتحدة الأميركية، حيث تعمل وتعيش منذ نحو عقدين من الزمن.
البداوة وموروثها الشّفهي
في كتاب "بعيدة برقة على المرسال" تؤكد ميرال الطحاوي مجددًا ما تؤمن به بخصوص "البداوة" التي ترى أنها ليست خيارًا مكانيًا تموضع فيه نفسها ككاتبة لادعاء الجدة أو الغرابة، كما أنها ليست أرضًا معرفية وطأتْها لتجترها بسهولة، بحسب تعبيرها.
وهي هنا تؤكد كذلك، في سياق سيرتها الذاتية: "لم أكن أنتمي إلى دوائر المثقفين، وكان كل ما شجعني على الكتابة هو ذلك الموروث الشفهي الذي تصدح به النساء حولي".
وبذلك، بدت الطحاوي صاحبة صوت متفرد في الوسط الأدبي المصري، خصوصًا بين بنات وأبناء جيلها. وتضيف: "لكنّ انتمائي إلى عالم العربان، البدو، كان افتراضيًا وضبابيًا وغير محدّد، ومحكومًا بصور نمطية مسبقة لما يمثله هؤلاء العربان، وبالجهل التاريخي برحلة القبائل العربية من جزيرة العرب إلى الشمال الأفريقي ومحطاتها، وما آلت إليه تلك الجيوب العرقية من تطور أو انحدار".
هي هنا تتحدث عن بداياتها التي انحصرت في عالم الإبداع الروائي، أي قبل أن تنخرط في السلك الأكاديمي في مصر، ثم في الولايات المتحدة الأميركية.
تقول: "عاشت البداوة ونمت كثقافة مروية تقتات على التراث والتاريخ القبلي الشفهي المتداول، ديوان القبيلة، مأثورها من الأساطير والمرويات والأهازيج والأغاني، التي لا تشبه ما يشكل وجدان الآخرين حولهم".
وتتذكر في هذا الصدد أن جدتها "كان صوتها يرف بالمغاني البدوية. كان يحمل هذا الحنين الضاري إلى الخلاء والجِمال والصحراء المفقودة. تلك الأهازيج كانت هي ذاكرة القبيلة التي لا يمكن محوها".
عائلتها استقرت في "نجع العربان"؛ حاضرة قروية في محافظة الشرقية في مصر، ومن هنا أصبحت "بنت عرب، تعيش حياتها مرتبطة بهذا النسب، فهي ابنة فلان، وأخت عِلان وأم تركان.
إنها غير موجودة بالضرورة؛ "لأن هناك دائمًا مَن يمثلها ويتحدث نيابة عنها، مثل الناقة الطوع، لا ترفع رأسها ولا تشرد عن القطيع".
أما الصحراء فهي عندها "ليست جغرافيا"، والبدو "ليسوا بدوًا دائمًا، بعدما سكنوا الحواضر". والبداوة في تصورها "عزلة ثقافية، تحيط بها أسوار من التقاليد والعادات والأصول المتوارثة".

تفنيد الصورة النمطية
وفي كتابها "بعيدة برقة على المرسال"، تهتم ميرال الطحاوي بتفنيد الصورة النمطية المترسخة في الأذهان عن البيئة التي نشأت فيها، خصوصًا في ما يتعلق بالخلط بين "العربان" و"الغجر"، بل وحتى بين "العربان" الذين حافظوا على هويتهم بالامتناع عن الاختلاط بغيرهم، وبين أولئك المنحدرين من قبائل عربية، ثم ما لبثوا أن "استفلحوا"، أي صاروا فلاحين يزرعون الأرض، ولا يبالون بمصاهرة غيرهم ممن "لا أصل لهم".
وفي فصل عنوانه "عربان المتخيل الفني"، تلاحظ الطحاوي أنّ الأعمال الأدبية والسينمائية، مارست أيضًا هذا الخلط بين العربان (القبائل العربية)، وبين البدو الرحل والغنَّامة والغجر المتنقلين.
صورة البدوي مثلا في بعض الأعمال الأدبية الكبرى، مثل رواية "قلب الليل" لنجيب محفوظ، و"دعاء الكروان" لطه حسين، "هي أقرب إلى صورة الغجر منها إلى أي شيء آخر". وهذان المثلان يؤكدان- بحسب الكاتبة – أن "المجتمعات القبلية في مصر كانت وما زالت مغلقة؛ ولذلك كان الاقتراب منها أدبيًا محفوفًا بالمخاطر، فضلاً عن المغالطات".
أما أشعار الحب عند نساء البدو، وهي موضوع هذا الكتاب، فقد سبق أن خصصت لها ميرال الطحاوي كتابها "بنت شيخ العربان"، بغية التعريف بها وتأصيلها، وهنا تورد لها نماذج مختارة تنتمي إلى ما يسمى "غناوة العَلَم". و"العَلَم هو المحبوب المقصود، والمضمر في البيت، والمكنى عنه بلفظة تدلّ عليه، ولا يحتاج إلى إشارة. العلم هو محور الغناوة، وهو المتلقي، المُرْسَل إليه تلك الرسائل العاطفية المُشفَّرَة. الغلم قد يكون مذكرا أو مؤنثا، فالدلالة الغامضة للفظة تشي بكل التكهنات" (صـ 69).
الغناوة
ترى الطحاوي أن "شعر الغناوة في طبيعته وقوانين تداوله قد شكَّل مجالاً تعبيريًا نموذجيًا للبوح، ومشاركة المرأة في إبداعه، وهي مشاركة لم تكن موضع إنكار من الكثير من الباحثين في المجال الفلكلوري البدوي، لكنهم اقتصروا على إشارات طفيفة في هذا المجال".
وتضيف أنه كما حدث في الشعر الكلاسيكي الرسمي، "أُسقِط الإبداع النسائي من الذاكرة، وتجاهل الجُمَّاع والباحثون - الذين كانوا بطبيعة الحال ذكورا – ثبته، أو تواطؤوا في إضافة نسَبه إلى شاعر مجهول، بالإضافة إلى التكهنات التي لا نستطيع التوثق منها، يمكننا فقط النظر إلى طبيعة ووظيفة هذا النوع الشعري التراسلية، فالغناوة رسالة عشق قصيرة مؤثرة تقتضي التبادل".
وفي الكثير من النصوص - تضيف الطحاوي – ثمة صوت أنثوي يرد، أو على الأقل يستقبل تلك النصوص، ويمكن التكهن من خلال المحتوى التراسلي بأن الغناوة كانت أداة التواصل العاطفي (المكاتبة) بين المحبين، ولذلط ظلت تحكمها قوانين خاصة تحدُّ من مشاركة النساء في تداولها؛ كي لا يتم تفسيرها ضمنيا باعتبارها نوعا من المكاتبات العاطفية التي تحمل خرقا لقواعد الحشمة.
أما برقة التي "ليست بعيدة عن المرسال"، فهي "موطن الغناوة"، بحسب ميرال الطحاوي، التي لاحظت أن هذا النطاق الجغرافي الليبي يبدو في التراث الشعبي البدوي - على الأقل في تراث عرب التغريبة – يبدو كأنه الفردوس المفقود، فبرقة هي أرض المحبة البعيدة، التي تستحضرها غناوة العلم بشجن وحنين أبديين، يشير إليها "الغنَّاي" باعتبارها "أرسام وحدود".
وتلاحظ الكاتبة كذلك أن التماس الجغرافي في الحدود بين وادي النيل والصحراء الليبية حدودا جغرافية شاسعة فقط، شهدت نزاعات سياسية، ولكنه كان في الحقيقة خط الفصل والوصل بين ثقافتين متجاورتين ومتنازعتين، فقد كانت غارات القبائل على غرب الدلتا لا تنقطع منذ فجر التاريخ، وكذلك كانت الغارات المضادة والحملات العسكرية في عهد قدماء المصريين تتدخل وتصل إلى برقة، وتخضعها أحيانا.

بين مصر وليبيا
يترنم "الغنَّاي" بالأغاني التي تستحضر هذا الوطن قائلاً: "بعيدة برقة على المرسال"، فيما تعتبر أشعار الغناوة في هذا السياق من أكثر الأشعار تداولًا وترددًا بين قبائل مصر جنوبًا وشرقًا، وقبائل الغرب الليبي، وهذا الاتساع والانتشار- كما تقول الطحاوي- كان لأسباب فنية، فهي أشعار قصيرة؛ بيت شعري واحد، ويسهل حفظها وترديدها.
أما الميراث الشفهي النسوي في هذا المجال، والذي تم إغفاله عمدا، فهو؛ بحسب الكاتبة، مشترك إنساني، ومنه شعر نساء البشتون، والأشعار الهندية القديمة، وشعر نساء الصين... "شعر مروي تم تدوينه باعتباره مادة أنثروبولوجية. لكن مؤخرًا أسهمت دراسات أكاديمية في إثارة عدد من الأسئلة المهمة عن طبيعة المادة الفولكلورية التي تم جمعها من المجال العام، الذي يسيطر عليه الرجال، والذي يمثل المرجع الأول للتدوين الشفهي، وإهمال المجال الخاص الذي تبدع فيه النساء، أو "الشعر النسائي الشفهي"؛ لأنه عادة ما يكون مهمشًا، ويتعذر الوصول إليه، لأنه غالباً ما يكون مسيجًا بالعادات والتقاليد التي تحيط بمجتمعات النساء.
على سبيل المثل، قامت مارية ستيلي بدراسة حول الشعر النسائي المعاصر في الأردن، وقامت نادية يعقوب بدراسة أغاني الأفراح في إقليم الجليل الفلسطيني، وقدمت منيرة الغدير دراسة وافية عن الشعر الشفهي للنساء في السعودية، بالإضافة إلى الدراسة الرائدة لليلى أبو لغد "مشاعر محجَّبة"، والتي تنتمي إلى الأنثروبولوجيا، لكنها أضاءت الكثير عن شعر الغناوة في مصر عند قبائل "أولاد علي".
عمل يجمع بين جمال السرد ودأب البحث الأكاديمي، وفيه تنقب ميرال الطحاوي في حقول الأدب الشعبي، بحثا عن أشعار الحب في التراث النسائي البدوي، لتقدم مختارات من أخصب نصوص الحب والفقد والرثاء في الذاكرة النسوية. لا يكشف الكتاب فقط الخرائط الثقافية لمولد وتطور "الغناوة"، أو شعر الحب الشفاهي البدوي في مصر وإقليم برقة الليبي، بل يقدم للقارئ صوراً شعرية فاتنة لأشكال بوح النساء بالمحبة، من خلال مجموعة منتقاة من النصوص الشعرية التي تعكس هذه المشاعر المحظورة والمسكوت عنها في تاريخ الأدب الشفاهي النسوي.
نبض