24-01-2021 | 21:54

نساء أليف شفق يثأرن بحكاياتٍ من وراء المقابر

يخرج عالم أليف شفق الروائي- على امتداد تجربتها الطويلة والثرية، من واقعٍ اجتماعي حيّ وإن كان هشًّا ومفكّكًا؛ بسبب صراعات سياسيّة مزّقت وحدته ونسيجه الاجتماعيين، وتركيبة اجتماعيّة ذات خصوصية إثنيّة/ عرقيّة، تتنازعها أنساق محكومة بالمواضعات الاجتماعيّة تارة، وبالدين تارة أخرى، وبالرغبة أو التوق إلى التحرّر واللّحاق بأهداب الحداثة والمدنيّة في جدليّة لا تَقبل المُهادنة أو الاستسلام لطرف على حساب الآخر تارة ثالثة.
نساء أليف شفق يثأرن بحكاياتٍ من وراء المقابر
Smaller Bigger

لا أحد مِن متابعي كتابات الروائية التركيّة أليف شفق، يُنكر هذا الوله الذي تُبديه الكاتبة بمدينتها الأثيرة، إسطنبول. تلك المدينة القديمة والحديثة معًا، فهي حاضرة في جميع أعمالها؛ بتاريخها وآثارها، وأناسها (مواطنين ونازحين ولاجئين) بهوياتهم المتعددة وإيديولوجياتهم المتناقضة؛ دينيًّا وسياسيًّا وطبقيًّا، وأيضًا بندوبها التي تُصيب الأرواح قبل الأبدان.

 

يخرج عالم أليف شفق الروائي- على امتداد تجربتها الطويلة والثرية، من واقعٍ اجتماعي حيّ وإن كان هشًّا ومفكّكًا؛ بسبب صراعات سياسيّة مزّقت وحدته ونسيجه الاجتماعيين، وتركيبة اجتماعيّة ذات خصوصية إثنيّة/ عرقيّة، تتنازعها أنساق محكومة بالمواضعات الاجتماعيّة تارة، وبالدين تارة أخرى، وبالرغبة أو التوق إلى التحرّر واللّحاق بأهداب الحداثة والمدنيّة في جدليّة لا تَقبل المُهادنة أو الاستسلام لطرف على حساب الآخر تارة ثالثة.

 

أهم ملامحه أنه واقع موغل في القسوة والظلم، أما الشخصيات- وليدة هذا الواقع- فهي مشوّهة نفسيًّا، ومجهضة الجناحين، وحيدة تحمل عارها بلا ضجر أو سخط – كسيزيف يحمل صخرته - كقدر أزلي، تسعى بكل ما أوتيت من قوة إلى أن تنفلت من أسر الأنساق المُكبِّلة، فتهرب من أتون إلى أتون.

 

شخصيات نسائية

ومع ضراوة هذا الواقع واستبداديّة أشخاصه، تبقى شخصياته – النسائيّة تحديدًا – تتسمُ بأنّها أكثر صلابة وقوة، لا تقف في مكانها، أو ترضخ لما تريده الذكوريّة منها، بل تنفلت من رَبَقِ الدائرة، غير عابئة بنتيجة المصير القادم، أو خطورة ما هي مُقبلة عليه. المهمّ ألّا تقف في تلك الدائرة التي أرادت الذكورية تسويرها حولها، وحصارها بها. ولكن في ظني هذا التوجُّه يحصُرُ هدف الشخصية في مجرد الانفلات من سطوة الذكورية العائلية فقط، حتى لو سقطت في غياهبات سلطات – أخرى - قامِعَة (ذكورية ونسوية)، لا تقلُّ بطشًا واستغلالاً عن تلك التي هربتْ منها.

الفارق الوحيد أنها تحرّرت من كل ما يربطها بالعائلة، أي التحرر من الدوغما (أو الدوغماتية)، وهذا عكس ما تدعو إليه أدبيات التحرُّر، بالاستقلال والانعتاق من كلّ قيدٍ مُكبِّل (سواء أكانت سُلْطة دينيّة أم سياسيّة أم عرفيّة أم حتى إيديولوجيّة) لا الوقوع- من جديد- تحت نير الذُّل والاستغلال والاستلاب.

 

لا يختلف العالم الذي تتمثّله أليف شفق في روايتها الأخيرة "عشر دقائق وثماني وثلاثون ثانية في هذا العالم الغريب" (دار الآدب، بترجمة محمد درويش) عن العوالم والتيمات التي مرّرتها في مرويات سابقة.

لكنها تضيف اليها فقط أسبًابًا جديدة تؤكّد فداحة الواقع، وغبن أفراده، عبر حكايات (أو مآسي) عن شخصيات من بيئات مختلفة (محلية وغير محلية) وإن كانت متقاطعة في المصائر، تُبرهن بها على أهمية قضيتها التي هي شاغلها الأساسيّ، ألا وهي المرأة وما تتعرّض له عبر مسيرتها الحياتيّة والعمليّة من إكراهات وتعرضها للقهر والعنف والاستلاب (لوعيها وجسدها).

 

تعرض عبر تمثيلات متنوّعة لِما تواجهه المرأة، على اختلاف جنسياتها (تركية، لبنانية، صومالية) من طمس لهويتها (والد ليلى بنسبها إلى غير أمها/ جميلة بتغيير ديانتها/ نالان برفض العائلة لتغيير جنسها، والشاب المثلي عدم اعتراف أبيه بأزمته)، وانتهاكات جسدية ومعنويّة (ليلي/ نالان/ حميراء)...

انتهاكات تسعى إلى قتل رُوح المرأة المناضلة فيها، ليس على مستوى النضال السياسي، وإنما على مستوى نضالها في إثبات شرعيتها وحقها- أولاً - في الحياة الطبيعية التي تختارها، وثانيًا في عدم كتم صوتها، بل تسيُّدها حتى لو امتهنت مِهنًّا وضيعة، فهي في كل هذا تريد أن تشعر بذاتها، وقدرتها على امتلاك إرادتها، وتمتعها بحق السيادة الذي سلبتُه عنها الذكورية في كافة صورها: أب / عم / زوج / عاشق، وإن أضافت هنا أن الذكورية تُمارس سطوتها دومًا مع المُختلِف معها، لا فرق بين رجل وامرأة، فكلاهما سيّان تُمارِسُ عليه سلطتها في القهر والإذلال، ما دام لا ينصاعُ إلى ما تريده.

 

 

وجه خفيّ

كشهادة للامتهان المرير الذي تتعرّض له نساء الرواية، تطل مدينة إسطنبول، ولكن بوجهها الخفي (القبيح) الذي لا تعلن عنه وزارة السياحة في برامجها؛ يطل وجه المدينة القاهِرة والقاتلة في آن واحد، حيث الدعارة وتجارة الرقيق والمواخير، والأحلام المؤودة على أرصفة شوراعها، والآمال المدفونة في مقابر الغرباء.

المدينة القديمة وتحولاتها، سواء على المستوى الاجتماعي حيث كثرة اللاجئين والفارين إليها، وأيضًا على المستوى السياسي حيث الصراعات السياسية، وأشهرها ما حدث في أحداث آيار/ مايو 1977، وهو ما يعد إدانة كاملة لهذا التناحر، الذي كان ضحيته الدكتور علي.

 فلا تمنح المدينة التي يقصدها آلاف البشر، على اختلاف جنسياتهم ودياناتهم وثقافتهم وهوياتهم، ناشدين الآمل والخلاص، سوى المزيد من الندوب، والجراح، ويصل أفدحها إلى طمس هويتهم - على نحو ما هو شائع في المؤسسات العقابية كما عند فوكو - واستبدالها بمجرد رقم في مقبرة الغرباء في "بلدة كيليوس".

 

تنفذ أليف شفق إلى صُلب موضوع حكايتها عبر حقيقة علميّة يقرُّ بها الباحثون مفادها أن: "هناك نشاطًا عقليًا دؤوبًا لدى الأشخاص الذين لم يمرّ على موتهم سوى القليل من الوقت، يسمح باستعادة حياة كاملة في بضع دقائق" (ص 288).

 هكذا تتخذ من فكرة البرزخ (أو البين بين) نواة؛ كي تمنح بطلتها ليلا التكيلا الوقت الكافي لتسرد مأساتها، لا كتعزية لذاتها على هذه الإخفاقات التي مُنيت بها، وإنما لتعري البطريركية على اختلاف ثقافاتها وأيضًا إيديولوجياتها (الدينية: والد ليلى/ والعرفية: والد حميرا / العلمانية: والد الشّاب المثلي...)، فتعود إلى زمن أسبق من نشأتها في إحدى قرى مدينة (وان Van) جنوب شرق تركيا، حيث العادات والأنساق الشرقية هي الحاكمة.

 

من أحياء اسطنبول القديمة

 

 أسرة الماء

تستعرض بطلة الراوية ليلى التكيلا وهي تسرد حكايتها التي يمكن تلخيصها باعتبارها ضحية أنساق ثقافية، وذكورية فجّة مارست قهرًا معنويًّا، وإيذاء جسديًّا، على نحو ما فعل العمّ، الذي استغلَّ طفولتها فتحرّش بها وهي في السّادِسة، واغتصبها في السادسة عشر، وهو ما تسبّب في حملها سفاحًا، وتحوّلها– فيما بعد- إلى عاهرة في ماخور في إحدى أزقة شوارع إسطنبول الجانبية، انتهاءً بمقتلها على يد ناقمين ومتزمتين وإلقائها في حاوية نفايات، وكأنّ قتلها انقاذًا للبشرية من شرور هؤلاء البغايا.

تستعرض – مع هذه الحكاية - حكاية خمسة أشخاص، أسمتهم "أسرة الماء" كانوا بديلاً لبعضهم بعضاً عن أسرهم التي خذلتهم جميعًا، مع اختلاف أسباب التخلّي والخذلان.

ومع هذه الندوب والجراح التي تصيب بها المدينة شخصيات الرواية، إلا أن ثمة قيمة مهمة، أكدت عليها الرواية وسط هذا الخراب النفسيّ والتفكّك الأُسريّ، ألا وهي صفة الصّداقة. فجميع الشخصيات فقدوا السند بتخلي العائلة عنهم، لأسباب كلها متعلّقة بوضعية الذكورة وسلطاتها الفجّة.

 

صداقة وخيانة

ورغم عجز الشخصيات المادي وقلة حيلتهم، كانوا دعمًا لبعضهم بعضاً. ليلى مثلاً ظلّت رفيقة لجميلة في مرضها، وكانت تشتري لها العلاج. في المقابل، عندما دفنت ليلى بعدما خذلتها العائلة للمرة الثانية عقب رفضها استلام جثتها، وراحوا يردودا بأنّ لا أحد عندهم بهذا الاسم، قررت الحكومة دفنها في مدافن الغرباء، والاكتفاء برقم كنوع من تجريد هويتها تمامًا، وكأنّ الدولة تؤيد الأسرة، قام الأصدقاء بسرقة الجثة من المقبرة وبناء على وصية أو حلم كانت تتمناه ليلى بأن تلقى في البحر. ألقوها من أعلى كوبر إسطنبول الذي شهدت افتتاحه وابتهجت وقتها.

القهر الذي عانت منه الشخصيات، انعكس على التكوين النفسي لها، فظهرت في صورة سلبية ومترددة، على نحو ما هو واضح في شخصيتي الدكتور علي وسنان، فالأوّل الذي كان يطمح في تغيير العالم بتبّنيه الأفكار الماركسيّة (المثالية)، لم تكن لديه القدرة على المواجهة، كان يهرب حتى من ليلى ولم يستطع الاعتراف لها بمصدر أمواله التي ينفقها على نساء الماخور، والفعل الإيجابي الوحيد، هو أنه خرج بها بفستان أبيض في تحدٍّ لواقع المكان، أما سنان ففشل في أن يعترف بحبه ليلى منذ أن كانا صبيين في المدرسة، وفي حياته العملية توارى ولم يسعَ إلى الترقي؛ خشيّة الفشل الذي واجهه – من قبل - وهو يقدّم أحد العروض. النجاح الوحيد الذي حققه – وإن جاء متأخرًا- كان من أجل ليلى، فمع تلقيه رصاصة في الكتف (من البوليس الذي كان يتعقّبهم)، إلا أنّه ألقى الجسد في الماء، وكأنّه يسدّد دينا قديما عليه لليلى.

 

السّرد المستحيل

مَن يسرد هذه الحكاية؟ وفقًا لمقولة لكلّ رواية سارد يرويها، فهنا مَن يسرد الحكاية في جزئها الأول هو ليلى التكيلا بعد موتها؛ حيث العقل بقي لمدة عشر دقائق وثماني وثلاثون ثانية. ولكن كيف لنا أن نقبل أن الراوي ميت وهو شخص غير مؤهّل لأن يروي لنا حكاية، أو مَن ينقلها عنه؟

 هنا السّرد ما بعد الكلاسكي حلّ لنا هذا الجانب، بمفهوم السرد المستحيل، الذي يعطي سلطة السرد لأشخاص غير مؤهّلين مثل الموتى والمجانين، أو الجماد، وإن كان هذا السرد يتطلب مرويًّا هو الآخر مستحيلاً، وهو الذي فعله من قبل أورهان باموق في روايته "اسمي أحمر"، إذ جعل السرد يدور على لسان ميت تارة وتارة على لسان كلب، وصورة معلقة على جدار. والشيء ذاته فعلته رجاء عالم في رواية "طوق الحمام" حين جعلت السرد على لسان الشارع.

 

تأتي المروية في ثلاثة أقسام، القسم الأكبر منها هو العقل، وإن كان يسبقه مهاد بعنوان خاتمة (حسب الطبعة التركية) بلسان راوٍ غائب، هو الذي يقوم بالروْي في الجزأين الثاني (الجسد) والثالث (الروح).

وإن كان يسمح بصوت ليلى في التعبير عنه نفسه، فتروى بالأنا، اعتراضًا على مناداتها بالماضي، فتعلن عن اسمها "ليلى التكيلا"، ومرة أخرى عندما تخاطب الصّبْية المتسولين الذي يُفتّشون في حاويات الزِّبالة، فتوجههم إلى مكانها. ثم ينتقل السرد كلية إلى ليلى التكيلا، وعبره يحدث كسر للزمن، حيث تعود إلى زمن ما قبل ولادتها، زمن أسرتها إخفاقات والدها في إنجاب وريث له من زوجته، ثم زواجه من أمها بيناز...

 لا تفوت فرصة لتستعرض لنا الكثير من العادات والتقاليد عادات الزواج والولادة، وتسمية المولاد وغيرها. وكأن بذهابها إلى أبعد من نقطة ميلادها، تشير إلى أن الإخفاقات التي مُنيت بها، تعود إلى سياق اجتماعي وثقافي هو الذي شكّل هوية عائلتها الأب الملتزم دينيًّا والمنحرف أخلاقيًّا، وهذا التذبذب كان نتيجته مآل ليلي، والشيء نفسه نراه في شخصية جميلة الصومالية.

 

يتوازى على طول خط الرواية الأحداث الكبرى التي شغلت العالم، مع الأحداث الصغرى التي شكّلت حياة ليلى وأصدقائها، فمع كل حدث خاص بليلى يتوازى حدث كبير، وبالمثل الألوان التي كان لها تأثيرها في حياتها. فمع خبر وفاتها الذي عرض أسفل الشاشة وقد حدد في يوم 29 تشرين الثاني/ نوفمير من العام 1990، كانت الوقائع الكبرى تحدُث، ففي ذات الوقت الذي عرض فيه الخبر، كان ثمّة تقرير مجلس الأمن الذي فوض بالتدخل العسكري في العراق، ثم الآثار التي خلفتها استقالت المرأة الحديدية في بريطانيا، مرورًا باستمرار التوتر بين اليونان وتركيا، وما أعقبها من الطرد المتبادل للقنصل التركي والقبرصي، وغيرها من أحداث، في إشارة إلى توازى الإخفاقات، وتأثير إخفاقات السياسة الكبرى على الواقع والمهمشين تحديدًا.

 

ملاحظات على النص

تشيد أليف شفق في خاتمة روايتها بالمحرّر الأدبي وقائمة الأصدقاء الذين قرأوا المخطوطة، ومع ذلك، نلاحظ أن الرواية في الجزء الثاني والثالث قد أصابها الترهُّل بسبب الحكي الفائض، الذي كان الأجدر التخلُّص منه. فلو تغاضينا عنه لما تأثّر النّص أو الحكاية بصفة عامّة. فمثلا حكاية رجال الشُّرطة والرّداد أثناء نقل جسد ليلى من المقبرة إلى جسر البوسفور، في ظني زائدة لا حاجة للنص بها، خاصّة حكاية الشخص الذي يرتبط بقرابة مع أحد الوزراء المُهمّين. وبالمثل في حكاية البقّال مع زينب 122، كما جاء وصف المقبرة في غاية الإسراف، مع أن الفكرة الأساسية هي أن المقبرة للمنسيين والمطرودين كان من الممكن التعبير عن هويتها بحكاية واحدة، لا سرد حكايات لكل رقم قبر من قبورها. علاوة على أن حكاية ما قبل زواج أمها بأبيها لا نعرف من أين عرفتها، وما هو مصدرها.

        

        

العلامات الدالة

الأكثر قراءة

المشرق-العربي 5/31/2026 9:28:00 PM
فيديو متداول للرئيس أحمد الشرع وعقيلته في بلودان يثير تفاعلاً واسعاً
اقتصاد وأعمال 6/1/2026 5:45:00 AM
الخلط الذي حصل بين مفهوم "الأزمة النظامية" و"الأزمة الممنهجة" أسهم في تضليل النقاش العام حول طبيعة الانهيار الذي اصاب مصارف لبنان، ولا يزال عصياً على الحلّ في ظل غياب رؤية حكومية واضحة.
لبنان 6/1/2026 5:21:00 AM
مسؤول أميركي لـ"أكسيوس": "الرئيس جوزف عون سعى إلى طرح هذا المقترح والتوصل إلى اتفاق بشأنه، لكنّ رد رئيس مجلس النواب اللبناني نبيه بري كان مراوغاً ومخيّباً للآمال"
فن ومشاهير 5/31/2026 9:12:00 AM
التزم رمضان الصمت ولم يُدلِ بأي تعليق يشرح خلفيات الخطوة أو البدائل المحتملة.