نساء "حرير غزالة" يولدنَ بهشاشةٍ متوارثة
تضج رواية "حرير الغزالة" للروائية جوخة الحارثي (دار الآداب 2021)، بحيوات نساء من جيلين متأرجحين بين الماضي والحاضر في آن، جيل الأمهات وجيل الفتيات الشابات، علماً أنّ كلا الجيلين يتعثران بصراعات تكاد تكون متماثلة، كأن هؤلاء النسوة يخضن الدوامة عينها، أو كأن قدرهن أن يرثن عذابات من سبقهن في الزمن حتى وإن تباينت الظروف والأمكنة والسماوات، كل واحدة منهن حملت على ظهرها نصيبها من تَرِكة أمها أو عمتها أو خالتها أو جارتها، نساء رغم جلافة الواقع عليهن اخترن أيضاً أكثر الدروب مشقة لتحمّل الخسارات، لمعاقبة أنفسهن.
"حرير الغزالة" هي ليست رواية عن غزالة أو عن حرير فحسب، بل هي رواية تتدفق بأسماء حية لنسوة لا أقول بأنهن بائسات أو قليلات الحظ، ولكنهن خاضعات، اكتفين بالصمت، تلقين ضربات القدر دون مقاومة، هل كن مغيّبات؟ هل كن مطمئنات؟
فالقدر لاعب حاذق، خاتلهنّ بنشوة مخادعة وتمادى حتى وقعن صاغرات في فخاخه، فاعتقدن أن لحظات السعادة تلك أبدية، أنهن متيّمات، محبوبات، وحين أحكم الطوق عليهن في غفلة الطمأنينة تلك تبددت كنفحة غبار، واصطفت تلك السعادة الخالدة وفق تصوراتهن وهماً في ذاكرتهن فحسب، وحلماً منسيّاً مع تقادم الزمن.
تلفظ الرواية في كلّ فصل من فصولها اسماً أنثويّاً، حشد من النساء لكلّ منهن مراميها، كغزالة وآسية وحرير، سعدة، مليحة، وعابرات كان لهن تأثير كالوخز مثل فتحية، عفراء، سلايم، فاتن، عفت، سريرة، شروق...
كنّ نساء متدفقات بالحياة ويعشن لحظاتهن بدأب وبساطة، لكنّ حوادث الدهر التي تأتي من دون إنذار حطمتهن دفعة واحدة؛ وأول الضحايا كانت فتحية أم غزالة في الفصل الأول من الرواية "حفلة الأوركسترا" تستحيل حياتها إلى حفلة جنازة.
حين تسمع بموت والدها تتوقف حياتها، يموت بموته كل شيء يتعلق بها حتى مولودتها الوليدة رمتها في الهواء وتلقفتها يد رحوم، تغرق فتحية في أتراحها لدرجة أن ذكراها تطمس كأم ليس في فصول الرواية بل في حياة غزالة أيضاً، تغدو كشيء مربك، وهي التي أدركت منذ وعي الطفولة البكر أن ثمة خطأ في نسب أمها لها: "اعتقدت دوماً أن اسم أمها كان ينبغي أن يكون سعدة، وأن يكون اسم سعدة فتحية، لم تعرف كيف تفسر الأمر، ولكنها ظنت أن خطأ جسيماً قد حدث جعل كل اسم يذهب للشخص الخطأ...".

هكذا وجدت غزالة ضالتها عند سعدة التي تفيض بأمومة تسع جميع أطفال عُمان بل تفيض في الكون كله. شخصية في غاية الحساسية، تتمتع بأمومة طريّة وصدر يشع بالحنّية والدفء، محاولات الإجهاض المكررة لم تزدها سوى ألق مضاعف؛ ليكتمل جمالها الأخاذ في الطفلة التي أنجبتها زهوة، التي تتملك البيت قلبها، قلب والدها، قلب أختها آسية، قلب جميع شعرات باط. لكنّ هذه النشوة من البهجة لها حدّها في حسابات الحياة، وحين تسقط زهوة في الفلج وتستحيل إلى جثة خفيفة، رغم انتفاخها في اللحظة عينها تتوقف الحياة في عروق سعدة.
وبمجرد ما حفرت على باب منزلها عبارة سعدة عايبة، فهي صارت امرأة تهوجس بالموت وتستدعيه، الموت الذي خطف حشاشة روحها "زهوة"، فالموت نفسه صار محتوماً عليها، كأنها عقدت رهاناً، وتصالحت تمام الوعي معه، وسلّمت روحها آمنة ومطمئنة لها، بل خضعت كليّاً له رغم تبرعم حياتها بفرعين مزهرين زوجها وآسية، غير أنها اختارت أكثر الطرائق قسوة، اختارت أن تعاقب ذاتها بموت زهوة، ووجدت في الموت الإنصاف الوحيد لروحها العايبة، تموت وهي حية، ثم تموت ميتتها الكبرى والحتمية، فتتقلب حيوات من حولها، تصير سواداً وكأنهما يتقلبان في ظلمات الجحيم لا نعيم الدنيا، ليكون ختام هذه العائلة الشتات الأبدي.
الموت نفسه قلب حياة سلايم، وسلب حيويّتها التي كانت تسري في دمها الظريف. سلايم هي أعظم نمّامة عرفها السكن الداخلي، حيوية بنمائم جديدة على الدوام، لا أحد يمكن أن يوقفها حين تفرقع ثرثراتها في ممرات الكلية، غير أن الموت الذي خطف أخاها، كان وحده كفيلاً بإخراس صوتها، ودفن حيويتها في قاع القاع.
في الجاهلية كان عادة وأد البنات مشاعاً، وعلى ما يبدو أن نساء جوخة الحارثي اخترن وأد أنفسهن طواعية جلداً لذواتهن على موت أحبابهن!
تصف الحارثي حياة سلايم قبل أن يطمس الموت المفاجئ لأخيها حيويتها: "سلايم نفسها لم يكن لها أي قصة؛ جرّدتها قصص الناس من قصتها الشخصية".
وهذا دفعني كقارئة إلى التساؤل: هل كانت للشخصيات في الرواية قصص شخصية؟ أم كانوا امتداداً لحيوات بقية الشخصيات؟
كما يحدث في الواقع، نحن البشر نحيا ضمن حشود، تلامسنا تأثيراتهم بطريقة ما، هذا التأثير الذي يبدأ من العائلة سرعان ما يغدو كإسفنجة تمتص مؤثرات الآخرين، نساء الحارثي كذلك، حياتهن الشخصية كانت امتداداً لحيوات عوائلهن، الأم والأب تحديداً، والأمهات على وجه الدقة كان لهن التأثير الطاغي على حيوات بناتهن.

الأمهات هنا لم تكن لهن "وصفة للقوة"؛ بل ورثت الفتيات هشاشة أرواح أمهاتهن، ضعفهن، ضآلتهن أمام جبروت الحياة وقسوتها التي لا تلين حين تستبد، الأم "سعدة" التي رفعت الراية البيضاء في أول تحدًّ لها، خضعت وسلمت روحها مطواعة من دون أدنى مقاومة، هذا ما حطم آسية وجعلها في سن غرّ تغادر شعرات باط إلى حيث المجهول، مثل غزالة التي تخلت عنها أمها فتحية؛ لأنها كانت أضعف من أن تهتم بابنتها، غزالة" التي عاشت صراع الأمومة والانتماء، لم تجد يوماً أرضاً صلبة تحتويها وتحتوي عواطفها المربكة، فكانت مغامرتها، هروبها من بيت أهلها في سن السادسة عشرة ملاذاً لترمي نفسها في أول حضن يتلقفها "عازف الكمان"، تظل متقلبة في دوامة التيه، فبعد أن يهجرها عازف الكمان تبحث عن متنفس آخر وهو "مغني الملكة" ثم تنتهي مع "الفيل"، في رمزية عالية تخيرتها جوخة الحارثي لعشاق غزالة، هي التي كانت تتبع خطى من يداعب مشاعرها كما يداعب العازف بأنامله آلاته الوترية، وتستمر محاولاتها لحاجاتها الأنثوية حين تسلم قلبها لمن يحكي كلاماً حلواً كمغني الملكة، ربما هي أكثر نساء الحارثي تشبثت بتماسكها وإن بدا هشّاً، قوّتها وصفات الحب.
انكسارات القلب والروح المهشمة لم تحبط اندفاعاتها نحو الحب الذي طالما أرادته، ورغم هروبها مع حبيبها في سن مبكرة لم تتخلَ عن غاياتها الشخصية؛ فأثثت كينونتها، صارت أماً لطفلين، واستكملت دراستها، والتحقت للعمل في شركة معروفة، كانت امرأة مستقلة، وكان الحب هو ما ينقصها، هو غاية مطامحها على صعيد حياتها الشخصية كامرأة، وفي عملها تقابل "الفيل"، هذا اللقب يضفي رمزية ذكية، رجل كالفيل، واضح وضخم، لافت، وقادر على إشباع متطلباتها كأنثى.
بينما لم تتمكن أي شخصية من شخصيات جوخة الحارثي من الاكتفاء بذاتها عدا "حرير" كانت أقرب لشخصية مكتملة، تتمتع بحياة مرفهة، أب سفير وأم لا تنغص عليها حياتها بل على العكس تكاد تكون غير مرئية، لها عوالمها الغامضة، تحيا في منزل كبير، مطل على البحر، ما بين أم لا تبالي وجدة صارمة كان الأب كباقي الآباء في الرواية بعيداً، وتأثيره يكاد يكون مهمّشاً، لا يظهر سوى في خانة الأسماء في شهادات الميلاد، في مصاريف الإنفاق، كأن النسوة حبلن من رجال عابرين...
"حرير" التي تتزوج من رجل بمؤهل جيّد، تحيا حياة طيبة، غير أنها تائهة كأمها في حياتها الزوجية، في أمومتها، تبدو خارج إطار الصورة النمطية للزوجات والأمهات، من يرى حياتها يغبطها، فكل شيء يكاد يكون مكتملاً، هذا الإحساس بالنقصان يظل لصيق "حرير" حتى تجد ضالتها في الرجوع إلى حلم طفولتها، إلى عالم الفروسية، فتهرع قبل فوات الأوان؛ لتغترف من حلمها، لتتضوع بكيانها الحقيقي رغم كل مظاهر الرفاهية المحيطة بها.
أما الرجال فكانوا كما ذكرنا آنفاً محطات عبور، عبور النساء إلى ذواتهن بمعنى أدق. الرجال هنا أطياف، عابرون، حتى تأثيرهم يكاد يكون شبحيّاً، عازف الكمان وجوده في حياة غزالة كان زئبقيّا: "أدركت بعد سنوات أن وجوده في بيتها كان شبحيّاً، مهدداً بالزوال، لم ينغمس في أي تفاصيل للحياة اليومية".
وكذلك مغني الملكة بدا بعيداً، مستحيلاً، غير قابل للمس، لا صوته، ولا جسده، ولا هيئته، نائيّاً، متخبطاً في عوالمه، وكذلك الفيل الذي كان مرتبطاً بزوجة، يعيش في قالب معين. أنماط من الرجال الحالمين، المستغرقين في ذواتهم، ونساء يتعلقن بأذنابهم بينما هم معلقون بأوهامهم المستعصية على التحقيق!
مصائر الشخصيات
لم تؤثث جوخة الحارثي حكايتها على النمط السردي التقليدي، حيث تتداعى مصائر الشخصيات من البداية إلى النهاية، بل كانت على نقيض من ذلك، صدرت النهايات قبل البدايات، اكتفت في الفصول الأولى أن تقدم تلميحات شديدة الإيجاز وتكاد تكون مكتملة في آن، ففي الفصل الأول من الرواية اختصرت حياة غزالة في بضعة سطور: "في غضون خمس سنين كانت غزالة قد أنجبت توأمين، وأنهت شهادة الدبلوم العام، ودخلت الجامعة. وفي سنتها الأخيرة في كلية التجارة، هرب العازف من بيت الزوجية".
وكذلك في الفصل الثاني من الرواية حين حكت عن سعدة: "كان من الطبيعي أن سعدة ستعيش مئة عام، وستظل تعد المغبرة وحلوى حوز الهند، وتصنع اللبن والزبدة وتطعم غزالة وآسية ومحبوبة والشياه،.. وترضع الأطفال المقذوفين في الهواء بعيداً من حليب أمهاتهم حتى وهي عجوز ووجهها مملوء بالتجاعيد، لكن سعدة لم تكمل الثلاثين، ماتت بعد موت ابنتها الثانية "زهوة" بسنة واحدة".
بهذا التتابع المخاتل يمضي البناء السردي للرواية، والتي تستدعي قارئاً على درجة عالية من الأناة والتركيز؛ كي لا تنفلت منه خيوط السرد المتشابكة في القراءة الأولى، والمتينة في المطالعة الثانية للرواية.
ففي القراءة الأولى يجد القارئ نفسه أمام نص حكائي محتشد، حكاياته غزيرة، صادمة بنهايات متعجلة تقطع حبل التشويق، طليقة، وتعاطفه مع الشخصيات يكاد يكون مربكاً، لكن في الكرة الثانية تعود الانسيابية لروح القارئ، بلغة أقل ما يقال عنها بأنها باهية، فياضة، متخلقة، متسامية في دقتها وتعابيرها المستحدثة، شديدة الحساسية، تقبض بعذوبة على العواطف؛ لتتماهى وفق مزاج الشخصيات، وتنهار بانهيارها، تتأسى بعذاباتهم لا سيما سعدة، أكثر الشخصيات التي لامست روحي كقارئة، المرأة العذبة، الكاملة، الفائضة بكل شيء طريّ وحيوي سوى انكسارها الأليم الذي لم يكن يملك وصفة للقوة كما الأخريات.
نبض