22-11-2021 | 12:59

سليمان حديفة زرع جمال وادي التيم في قلب القصيدة العامية

لا تفارق طبيعة وادي التيم وجمالياته الساحرة وجدان الشاعر سليمان قاسم حديفة ولا مخيلته، فترافقه في حله وترحاله كما يقال، مشعلة في روحه جذوة الشعر والذكريات ، هو الذي ولد في بلدة حاصبيا، المترامية في أحضان هذا الوادي العريق، الفسيح والخصيب الذي يعانق السفوح الغربية لجبل الشيخ.
سليمان حديفة زرع جمال وادي التيم في قلب القصيدة العامية
Smaller Bigger
 
لا تفارق طبيعة وادي التيم وجمالياته الساحرة وجدان الشاعر سليمان قاسم حديفة ولا مخيلته، فترافقه في حله وترحاله كما يقال، مشعلة في روحه جذوة الشعر والذكريات ، هو الذي  ولد في بلدة حاصبيا، المترامية في أحضان هذا الوادي العريق، الفسيح والخصيب الذي يعانق السفوح الغربية لجبل الشيخ.  وقد فتح عينيه وسط تلك الطبيعة البهية التي عاش فيها طفولته وسنيّ يفاعه قبل ان يتغرّب نحو بيروت ولا حقاً نحو الامارات التي يقيم فيها منذ أكثر من عقدين. 
ولم يكن مستغربا ان يسمي الشاعر باكورته الاولى "تيميات" تيّمنا بهذا الوادي التاريخي ووفاء للأثر العميق الذي تركه فيه، بجمال طبيعته وفتنة مناظره وانبساط امدائه الخضراء المزروعة كروم عنب ودوالي وأشجار زيتون وسواها. لكن هذا الديوان لا يقف عند حدود "الباكورة" بل بدا وكأنه ضمة أولى من قصائد كثيرة كتبها الشاعر واختار ان يصدرها في ديوان ستتبعه دواوين لاحقة. وهذا ما يؤكد ان قصائد هذا الديوان تنم عن نضج ومراس ومتانة في كتابة الشعر العامي.  وفي القصيدة التي حملت اسم "وادي التيم" عنوانا، يتوجه الشاعر الى واديه الاسطوري مخاطبا اياه :" يا بدر وادي التيم فيك البدر صلى/ وعلى تلاتك العالي تجلى".
 
 
هو الوادي الذي تأنى رب الكون في رسمه جنة، كما يقول الشاعر بالعامية، جامعاً في رحابه كنيسة وجامعاً وخلوة، جاعلاً منه أرض السلام والخير. ويبلغ الشاعر شأوه في ترميز هذا الوادي حتى ليقول:" بيوتك نور من شمعات قسمو/ عتم الليل حتى فيك نقرا/ يا وادي التيم سر كتاب الله". لكن بلدة حاصبيا، مسقط رأسه وعائلته واجداده، سيكون لها ايضا حصتها الجميلة، في ما تحمل من معان ورموز وكنوز طبيعية وتقاليد راسخة. يخاطبها الشاعر قائلا:" يا حاصبيا عن روابيكي/ رح ظل طول العمر غنيكي". ويضيف:"كتبتك قصيدة من صدى الوديان/ ال فاقت ع منجيرة مراعيكي.../ كتبتك على دروب الازل عنوان/ تا عود لو فليت لاقيك". ويختم القصيدة بما يشبه "أبيات القصيد" متعمقا في معنى مسقط الرأس وما يحمل من رمزية عرفانية وشعرية فيقول:"كتبتك وصية بدفتر الايمان/ وفيي ما بدي كتير وصيكي/ اول نفس فيكي بعمري كان/ وتاضل من بعد الفنا دفيان/ خلي الي آخر نفس فيكي". 
 
وفي سياق الاحتفال بأرض الطفولة وذكرياتها تحضر صورة الاب والام بصفتهما ركنين أساسيين من كينونة الوجود المرتبط بالارض، خصوصا ان والد الشاعر هو الشيخ العلامة قاسم حديفة، ابو علم الدين، من اعلام خلوات البياضة، عاش حياة من التعبد والزهد والتأمل وكان أحد المراجع العلمية لدى طائفة الموحدين.
 
 
 
 
ففي قصيدة "بيّي" يأخذ الشعر طابعا وجدانيا ووجوديا في آن واحد، ويحضر فيها  جو تأملي يليق بمرتبة الوالد وأثره على ابنه الشاعر. يقول سليمان: "مسكت القلم وبدفتر التكوين/ بلشت اكتب شو بقي فيّي/ وعبيت بقلام الليالي سنين/ ولقيت حالي سنين منسيّي/ ندهت والوجع رد الصدى تخمين/ ورجفو ع كتر الشوق عينيّي/... ويختتم هذه القصيدة المؤثرة بما يسمى "بيت القصيد" قائلا: "ولكن أنا ما عرفت حالي مين/ تا طلعت الصورة وجه بيّي". كأن الشاعر يعبر هنا عن حال من الحلولية بين الاب والابن، بحيث ينصهر الابن في الاب شوقا ووجدا وروحا. ويخص الشاعر امه بقصيدة لا تقل وجدا وعاطفة عن قصيدة الاب وسماها "الى روح امي" وفيها يجعل من اسم الام صلاة على شفتيه، كما يعبر، معترفا انه كلما صلى الى الخالق يسمي بعد اسمه اسمها. ويبدو كأنه شاء ان يكتب هذه القصيدة في عيد الام كما يشير، متذكرا غيابها الذي هو وجه من وجوه حضورها، مسترجعا الجرح الذي تركه رحيلها، حتى ليقول:" غبتي يا امي وبالوجع حسيت/ وبلشت اكتب من حبر همي/ بلكي حروفي بتسمعي بشي بيت/ تا عيّد عليكي وعلى كل ام/ ريتك معي بالهعيد يا امي". 
 
قضية الوطن
لا ينسى الشاعر وطنه بوصفه رمز الوحدة والعيش الواحد والتآخي والوئام، ولا يغفل عن المأساة التي حلت به مع الحرب  وما آلت اليه من كوارث وخسائر وأثمان باهظة. فيهجو الطائفية المتحكمة كالاخطبوط بروح الشعب، والصراع العبثي بين الطوائف التي تسعى كل واحدة منها الى إلغاء الاخرى، بعيدا عن جوهر الدين الذي يوحد البشر تحت راية الخالق الذي لم يميز بين البشر ولا بين الشعوب. ويتوقف عند معاناة لبنان وانعدام الامل والشعب المنقسم على نفسه، في عالم عربي ممزق من  فلسطين الى بغداد فالى اليمن وسوريا. ويقول: "بغداد دخلك مين بدي لوم/ وإنتي ببحر الدم غرقاني/ ما ضل عنا باليمن مغروم/ والخيّ فيها بيقتل التاني/  ويا شام منك ألف عيب الشوم/ طفلك ع كتر الآاااخ بكاني/  وما عاد إلنا بالكرامة لزوم/ ما زالها فلسطين منهاني". 
 
وفي قصيدة "باب الأمل" يخاطب والده محدثا اياه عن "تحجر الوجدان" وعن التقاتل باسم الدين قائلا: "كترة ما سال الدم بالبلدان / عم نحسد العميان يا بيّي". ويختمها: "ومعقول نتقاتل على الأديان/ ووراقها طبعة سماوية". ويتوقف عند الهجرة والمهاجر الذي ترك بلاده ويحثه على عدم نسيانها او تناسيها. وفي هذا السيل من الشعر الوطني تحضر بيروت التي يخاطبها قائلا: "قومي سهري بيروت ما بيموت/ فيكي السهر والليل صوتو سكوت"، ثم يتغنى بجمالها الذي لم تستطع المأساة ان تنال منه:" شوفي القمر تا ترقصي بكّر/ ومنك حلا قديش عبى بيوت". 
 
 غزليات
في القسم الثاني من الديوان وعنوانه "تيميات غزلية" يتبدى وجه الشاعر العاشق والمتيم احيانا ، الذي يتراوح شعره بين الغزل العذري والغزل الاباحي ولكن في المعنى العربي وعلى طريقة عمر بن ربيعة، فلا يستفيض في استنهاض جسد الحبيبة كما فعل مثلا نزار قباني وبعض الشعراء الاباحيين وخصوصا  بعض شعراء اللغة العامية والزجل، بل يكتفي بما يوحي الحب من مشاعر وأشواق ومن حنين ووجد وهيام. لكنه يتغزل بمفاتن الحبيبة وجمالها كما بروحها ووجدانها، يلومها حينا على هجر وصدّ ، ويُنعم حينا في التغني برقتها وعذوبتها وحنانها، متوقفا عند غنجها ودلالها. طبعا قصائد الغزل ليست قليلة وفيها تبلغ لعبة الشعر  مبلغها في بلاغة اللغة العامية وجمالياتها العفوية والحية. وهذه الظاهرة "البلاغية" باتت تستأثر بشعراء العامية فيمعنون في لعبة الاستعارة والطباق والجناس والتشبيه  حتى ليبدعوا شعرا يحفل بمفاجاءات ولقى جميلة فعلا. 
 
 
وفي هذا القبيل يكتب الشاعر سليمان حديفة قصائد لافتة في إلماحها ورمزيتها وبلاغتها العامية ومنها على سبيل المثل قصيدة "نص نهار" و"بيت القصيدي" و"تياب الشوق" و"بلة ريق" وسواها. يقول في القصيدة الاولى :" حاولت منك فلّ نص نهار/ وشوف الدني والناس بعيوني"، وفي القصيدة الثانية يقول:" وجبت الوحي من لمسة كفوفك/ وحتى لوحدي كون بحروفك/... وعا قد ما بيت القصيدي بعيد/ خلصو سنيني وما قدرت شوفك". وفي "بلة ريق" يقول: "شو بحب ع شفافك عبكرا فيق/ وكلمة صباح الخير وعّيها/ وتمتم معك تا احترق فيها".  وعلى طريقة الشعراء الذين يعتمدون فن "تراسل الحواس" مثل المتنبي وبودلير وسواهما يقول سليمان:" وبعيونها كان الحكي مسموع/ وبسكوتها سمعت الصدى عالي" أو: "بدل الهوا تا عيش عم اتنفسك"، أو : قومي وقفي ع مراية سريرك/ ت يصير وجه الضو عندو عيون"... وما أكثر القصائد والابيات التي تفيض صورا وتشابيه فريدة واستعارات. وكم استوقفتني قصيدة "كاس النعس" بجمالها وبراعة صوغها وفي مطلعها يقول الشاعر:" عبيت كاسي بالنعس تا نام/ وضليت إشرب بالنظر كاسي/ وقديش عبيتو نعس ايام/ وشربت أيامي انا ناسي". وفي قصيدة "جرح العتم" يقول:"وضليت خرطش عالعتم بالنور / يمكن جرحتو بشي حرف مكسور/ وصار الجرح عالكون ينزف ضو". وفي قصيدة بديعة عنوانها "عمري قلم" يقول:"عمري قلم والوقت برّايي/ بإيد الزمن عم يكتب حكايي/ فيها وجع بالعين لو ينداق/ بيصير دمع العين محّايي".
 
 
شاعر حقيقي هو سليمان حديفة، شاعر يغرف من دمع العين ودم القلب وماء المخيلة وإكسير الباطن. شاعر يستقي  طلاوة لغته من  خرير ساقية و دفق نهر وهطول مطر وانبثاق ضوء شمس. الطبيعة حاضرة لديه حضورا رومنطيقيا ووجدانيا، والإنسان حاضر لديه بعواطفه وحيرته، والعالم حاضر أيضا باسئلته وقضاياه الراهنة. واللافت ان هذا الشاعر هو ابن سليقته وعفويته النضرة وموهبته التي منحه اياها الخالق، فصقلها وبلورها، من دون اصطناع أو تكلف. يتنفس الشعر كما الهواء، ويبدعه في لحظة حنين او حبور او الم. فهو كما يقول العرب مطبوع عليه ومجبول به، يعيشه في القلب والروح. وكما برع في الشعر العامي لمع ايضا في سائر الالوان الشعرية العامية كالزجل والشروقي والمواويل، التي يقتنها خير إتقان. 
العلامات الدالة

الأكثر قراءة

الخليج العربي 5/29/2026 12:33:00 AM
شهد الحفل حضور عدد من كبار الشخصيات الإسلامية، وضيوف خادم الحرمين الشريفين، إضافة إلى رؤساء الوفود وممثلي مكاتب شؤون الحجاج.
لبنان 5/28/2026 5:35:00 PM
يسبق يوم العيد عشر ليال، تسمى عند الموحدين الدروز ليالي العشر، يقوم فيها المشايخ والشيخات بالتوجه نحو المجالس الدينية والمقامات وأداء الصلاة كل ليلة. وكثيرون لا يعرفون أن الموحدين الدروز يصومون خلال هذه الفترة.
فن ومشاهير 5/27/2026 4:12:00 PM
وشهدت الأشهر الماضية تداول أنباء متكرّرة عن زواجهما، إلا أنّ الإعلان الرسمي عن ارتباطهما تأجّل حتى الآن.
موضة وجمال 5/26/2026 10:26:00 AM
يبدو أنّ اللون الأزرق بات يحتلّ مساحةً أساسية في اختيارات الملكة رانيا وقد برز ذلك جليّاً خلال إطلالاتها الأخيرة.