البيان الأخير ضد فيلم "أحبّ الغلط": الحلقة الأولى
عشتُ أكتب القصة القصيرة والرواية والمقالات السياسية والأدبية. خمسون سنة الآن وأنا أفعل ذلك. في الفترة الأخيرة أصابتني قفلة الكاتب، فمضى عام كامل لم أكتب فيه قصة ولم أبدأ فيه رواية.
لم يضايقني ذلك، فقد عشتُ وأنا أنسى ما يقفز إلى روحي صالحًا لكتابة قصة أو رواية، حتى يأتي اليوم الذي يعود به اللاشعور يملأ روحي وغرفتي والشوارع حولي والفضاء، فأنقطعُ لكتابة القصة والرواية.
عشتُ مؤمنًا بأن ذاكرتي هي النسيان. رغم أن المقالات هي بنت ما حولي وكانت كتابتها تريحني، إلّا أنّ تفرغي لها فقط عامًا كاملًا جعلني أرى ما حولي أكثر. الأزمات التي تمرّ بها البلاد لها أكثر من وجه سياسي واجتماعي واقتصادي وتعليمي وثقافي.
رأيت للأسف كما لم أرَ من قبل أنها كلها اجتمعت على جعل الأوهام حقائقَ والحقائق أوهامًا. فجأة قفز إلى ذهني سؤال: ما الذي أوصل مصر إلى هذه الحال؟ أخذني إلى زمن أبعد، سبعين سنة إلى الخلف. كيف كانت معاركنا السياسية. أعني معركة الحكام والحكومات وإلى ماذا انتهت؟ كيف كانت معاركنا الثقافية ولماذا لا يأخذ أحدٌ الدرس من الماضي؟ لماذا تبدو معارك الدولة كلها مثل معارك دون كيخوته مع طواحين الهواء. كيف كان لنا يومًا أعداء واضحون. تشجعت أن أكتب عمّا جرى، وكيف ضاع هباءً بحلوه ومرّه، حتى وصلنا إلى ما نحن فيه. ماذا غاب عن مصر ليحدث لها ما حدث؟
سأكتب ولن أرجع إلى مراجع أو كتب. فقط السوشيل ميديا للتأكد من بعض الأرقام والأسماء. سأكتب ما رأيته من الذاكرة طمعًا في إنجاز كتاب جديد، أتمنى أن لا تقل فيه متعة اللغة عن متعة الحوادث والأفكار بخيرها وشرّها.
يمكن أن تسميه عملًا أدبيًا وسيسعدني ذلك، ويمكن أن تسميه عملًا فكريًا وسيسعدني جدًا، ويمكن أن تسميه نفثة الارتياح لإنسان عاش حياته واثقًا في الأمل، ومرّ بصعوبات كثيرة لم تفقده الأمل، لكنه حين ينظر حوله يرى وطنًا لم يعد وطنًا، ويسمع أفكارًا لا قيمة ولا معنى لها، علاجًا كاذبًا لما حوله. أفكار كما قلت تجعل الأوهام حقائق، والحقائق أوهام.
لقد بلغ بي الجنون أني تذكرت فيلمًا قديمًا صدر في الأربعينات من القرن الماضي لتحية كاريوكا كان عنوانه "أحب الغلط"، فجعلته عنوانًا للكتاب تفسيرًا عبثيًا لما جرى.
والآن حتى لا أدخل في الحاضر الذي حولي، سأنهي هذه المقدمة وأبدأ في الكتاب عائدًا سبعين سنة قبل أن تلتف حولي الديناصورات.
الحلقة الأولى
1952... أخطاء أم خطايا!
حدثت ثورة يوليو عام 1952. سأسميها ثورة لأني لم أكن أعرف ما الفرق بين الثورة والانقلاب. طفلٌ في السنة الخامسة من عمره ألحقته أمّه بحضانة أطفالٍ في حيّ كرموز في الإسكندرية. تحدّثتُ عنها في كتابي "أنا والسينما"، وسوف تلحقه وهو في السادسة بمدرسة ابتدائية، كيف يعرف الفرق بين الثورة والانقلاب. ثم إنّ الناس كانت حولي فرحانة، فعبد الناصر أصدر قرارات الإصلاح الزراعي. الناس حولي فقراء يعملون في السكة الجديد، ما بين عمّال دريسة يمدون أو يصلحون القضبان، أو عمال في البلوكات التي تتحكم في خط سير القطارات.
إنها مساكن السكّة الحديد التي تقع ما بين كرموز وكفر عشري على الطريق الجنوبي لترعة المحمودية. يخرج هذا الطفل من البيت لا يقلق عليه أحد. يلعب أمام المساكن في الطريق الأسفلتي جوار ترعة المحودية مع أترابه. يلعبون البِليَ والسيجة وغير ذلك، ودائمًا يمرّ عليهم غريب يجلس بينهم يحكي حكايات خرافية. قريبًا منه قبو طويل يصل بمن ينزل فيه إلى بحيرة مريوط حيث يتم الصيد ويباع السمك.
يأتي منها السمك في كراتين خشبية يتم نقله إلى التجار في حي كرموز أو راغب، أو على الناحية الأخرى حيث حي كفر عشري وحي القباري.
يرى ذلك ويعرفه لكنه لا يفعل أكثر من اللعب للسيجة أو البلي أو الكرة، وحين يصبح في التاسعة والعاشرة من عمره يواصل الذهاب إلى المدرسة ليبدأ بعدها اللعب، وفي الإجازات يذهب إلى صيد السمك في البحيرة في الصباح الباكر وصيد العصافير، ويعود ليمضي اليوم في لعب البلي والنحل والكرة الشراب، أو الجلوس حول من هم أكبر منه يستمع إليهم ضاحكًا، وهم يحكون حكايات الخيال.
رأى أباه ذات مساء يصنع الشاي أو القهوة كما تعوّد دائمًا وهو حوله مع إخوته، ولم يفهم لماذا صرخت أمه في أبيه حين نهض وأحضر ورقة صغيرة مطوية، وأحرقها في السبرتاية التي يصنع عليها الشاي. لا ينسى حقًا كيف قالت أمه صارخةً لأبيه "كيف تحرق تذكرة الانتخابات، ستدفع غرامة إذا لم تذهب إلى لانتخابات"، ولا ينسى قول أبيه: "اسكتي يا ولية... خلاص الجيش حكم وما فيش انتخابات حتحصل، ولو عملوها لن يحتاجوا لأحد يذهب، سيملأونها بالأسماء كما يريدون".
لم يفهم من هذا الحديث أن ما جرى هو انقلاب، فأبوه وأمه أيضًا لا يكفّان مثل غيرهما، عن مدح جمال عبد الناصر الذي وزّع أراضي الباشوات على الفلاحين الفقراء، رغم أنّ أباه لم يكن ممّن فازوا بذلك، فهو لا يعيش في الريف الآن، ولقد باع أرضه من زمان هو وإخوته، ورحلوا عن الريف في نهاية الثلاثينات إلى الإسكندرية.
أدخلتني أمي إلى مدرسة عبد الله النديم الابتدائية في كفر عشري. لا أذكر منها شيئًا، إلا أنّهم كانوا يخيفوننا بحجرة الفئران. مدرسة عبد الله النديم عرفت عنها في ما بعد، أنها كانت بيت عبد الله النديم الذي مات في تركيا بعد نفيه بسبب الثورة العرابية.
لم أكمل فيها العام ونقلتني أمي إلى مدرسة الغندور الابتدائية في منطقة القباري.
هذه أذكرها جيدًا. كانت مدرسة خاصة. وكان الزيّ عبارة عن شورت في الجوّ الحارّ وقميص، والشورت معلّق بحمالات على الكتفين، وفي الجوّ البارد بنطلون بدلًا من الشورت، وكلاهما من القماش الكاكي الأقرب إلى ملابس الجنود. لماذا أذكر هذه المدرسة ولا أنساها؟ لأنّ فناءها كان جميلًا، وفي الفسحة أخرج لشراء "ساندوتش". كنت مُغرمًا بالبسطرمة فأشتري منها بتعريفة، أي خمسة مليمات، وأذهب إلى الفرن، فيضعها الفرّان في رغيف من العجين بتعريفة، ويثنيه عليها ويدخله إلى الفرن فتخرج تسبقها رائحتها.
لكنّ الأهم هو المُدرِّسة الجميلة التي كان اسمها "سندس"، والتي كانت في الفسحة تحتضنني وتجلسني جوارها. تطعمني ممّا معها وتقول لي وفّر ثمن البسطرمة.
لقد عشت لا أنسى هذه المدرسة، وتمنيت يومًا أن أتزوج وأنجب فتاة أسميها سندس، ولكن شاء الله أن أتزوج وأنجب بنينًا لا بنات. كثير يمكن قوله. أتذكر أني كتبت عن هذه المدرسة الخاصة وناظرها صاحبها، الذي كان يخطب في التلاميذ في الصباح، ولكن أهم ما أذكره متصلًا بما سأكتب فيه الآن، أننا تسلّمنا الكتب الدراسية والكرّاسات أيضًا، وكان مكتوبًا على غلاف الكراسات والكتب من الخلف أهداف الثورة الستة.
لم تعنِني هذه الأهداف ولم أفهم فيها غير حديث المدّرسين أحيانًا عنها. عن القضاء على الاستعمار. عن المساواة الاجتماعية بعد قانون الإصلاح الزراعي. لا أذكر أن مدرّسًا شرح لنا معنى إقامة حياة ديموقراطية سليمة، غير بعبارة أن الانتخابات أيام الملكية كانت تتم بالرشوة، فيعطون الشخص ورقة مالية بعشرة قروش نظير الإدلاء بصوته. بل يقطعون الورقة إلى نصفين يعطونه وهو يدخل لجنة الانتخابات نصفها، والنصف الثاني حين يخرج بعد أن ينتخب من اتفقوا معه عليه. عشت لأرى ذلك يتم بمئة جنيه ثم مئتين وكوبونوات يشتري بها صاحب الصوت أكلًا من محالّ شهيرة، وأحيانًا شنط كرتون فيها أرزّ وزيت وصابون وغيره.
ارتفعت أسعار الانتخابات في الدولة الجديدة التي جعلت من أهدافها إقامة حياة ديموقراطية سليمة. لم يشغلني الأمر في الخمسينات حين جرت انتخابات مرة لمجلس الأمة عام 1957. طفل فماذا سيشغله؟ كنت أرى الناس غير مهتمين.
لم أعرف أن الدولة الجديدة ألغت الأحزاب. وحين أعرف لا أسمع تعليقًا سلبيًا، فضلًا عن أني لا أعرف ما الأحزاب. لم أعرف أنها ألغت الدستور القديم وأصدرت دستورًا آخر قبل الانتخابات بعام. وحتى لو سمعت بذلك فأنا لا أعرف ما الدستور.
أذكر فقط أنهم أقاموا سرادقًا جميلاً لمرشح في دائرة غيط العنب. كان رجلًا أنيقًا جدًا، وتجمّع الناس يسمعونه وتُوزع عليهم المشروبات مجانًا، ونلت أنا حظي من البيبسي كولا.
لا أذكر أنّه تمّ حلّ هذا المجلس الجديد بعد شهور حين تمّت الوحدة مع سوريا، وأن دستورًا جديدًا صدر للجمهورية العربية المتحدة لا لمصر فقط، وتمت انتخابات جديدة لمجلس الأمة تمّ فضّه بعد الانفصال بين مصر وسوريا عام 1961.
لا أذكر من الانفصال إلا أني قمت بالتزويغ من المدرسة الثانوية مع زملائي واتجهنا إلى سينما الهمبرا، عشقنا العظيم هي وسينما بلازا ذلك الوقت.
***
أعود إلى الوراء من جديد فأقول. لم يطل الأمر بي في مدرسة الغندور. نقلتني أمي وأنا في السنة الرابعة الابتدائية إلى مدرسة القباري الابتدائية. هي مدرسة حكومية كبيرة الفناء، فيها ملاعب كرة وباسكت وكرة طائرة ذلك الوقت، ومكتبة وقاعات للموسيقى والرسم وجماعة للرحلات وغيرها.
لا حديث حولي في السياسة، لا في البيت ولا المدرسة غير التسبيح بحمد جمال عبد الناصر. سمعت من قبل في حديث بين أبي وبعض الجيران أنه تم القبض على محمد نجيب، ولم أعرف من هو محمد نجيب هذا. أرسلت مثل زملائي خطابًا لجمال عبد الناصر أطلب صورة له، فأرسل إليّ الصورة على المدرسة، وكانت فرحتي بها بالدنيا. عدت إلى البيت أطلعت أبي وأمي عليها فكانت فرحتهما كبيرة أيضًا.
كانت الصورة صغيرة لعبد الناصر يرتدي فيها زيًا عسكريًا، ضاعت مع الوقت ولا أذكر إلى أين انتهت. لقد حدث العدوان الثلاثي وأخرجونا من المدرسة يوم العدوان. عدنا إلى بيوتنا في تظاهرة نشتم فيها إيدن وموليه وبن غوريون.
كنت في السنة الرابعة الابتدائية فبدأت أعرف أن هذه أسماء معادية لمصر تحكم إنكلترا وفرنسا وإسرائيل. كنتُ مثل كل الصبية والشباب والأهل في بيوتنا الفقيرة فرحين جدًا بما يحدث من مقاومة في بور سعيد. ستجد كثيرًا من مظاهر ذلك في روايتي "طيور العنبر".
المهم أنه لأول مرة أسمع عن القومية العربية. فهمت أنها تعني الوحدة بين الدول العربية. شرح الأساتذة في الفصل لي ولزملائي، كيف أنه لا حدود طبيعية بين البلاد العربية، فلا جبال ولا بحار مثلًا تفصل بينها، كما أنّ جميع الشعوب تتحدث العربية، وهكذا حين قامت الوحدة بين مصر وسوريا اشتعلت الحياة حولي بالبهجة والفرح. تحوّل سوق المنشية إلى سوق سوريا لظهور البضائع السورية والتجار السوريين. كان كل شيء مبهجًا، بخاصة أن العدوان الثلاثي فشل كما قال لي الأهل والأصحاب والمدرسون.
انسحب المعتدون وأصبح الثالث والعشرون من ديسمبر عيدًا للنصر يكون إجازة للمصانع والمدارس وقتها. شأنه مثل عيد الجلاء في الثامن عشر من يونيو، ومثل عيد الثورة في الثالث والعشرين من يوليو، وكلها إجازات من المدارس وذهاب إلى السينما. سوف تضاف إلى حياتي وحياة المصريين أعياد أخرى كثيرة في ما بعد.
لم يكن عيد الشرطة في الخامس والعشرين من يناير إجازة في ذلك الوقت. ارتحت لبهجة القومية العربية، وزاد بهجتها خروج المدارس في تظاهرات للتنديد بأعداء القومية العربية. كنت قد انتهيت من الدراسة الابتدائية والتحقتُ بمدرسة طاهر بك الإعدادية التي كانت أيضًا متسعة، في فنائها ملاعب كرة قدم وكرة سلة وكرة طائرة، وفيها مكتب وقاعة للأشغال أو الفنون، وغير ذلك مما كتبتُ عنه كثيرًا من قبل وخاصة في كتاب "رسائل إلى لا أحد" (الذي نشرتُ فصولًا منه هنا في "النهار العربيّ")، أو في رواية "السايكلوب" ولن أعيده.
المهم أن كل شيء يمضي رائعًا. صوت عبد الناصر يملأ الفضاء، واسم مصر يملأ العالم. وأنا كما غيري لا نرى أيّ جانب سلبي لأي شيء، فالقومية العربية هدف عظيم، ووحدة الدول العربية في وجه الاستعمار هدف رائع، وعبد الناصر يساعد دول أفريقيا على الاستقلال، ونخرج في تظاهرات - أو يخرجوننا في الحقيقة - من أجل نكروما أو الجزائر وغيرها، ونستمع إلى أغنية وردة الجزائرية "أنا من الجزائر أنا عربية" في إذاعة المدرسة في الصباح.
سامحوني توقفت عن الكتابة لحظات لأستعيد الأغنية على اليوتيوب فانهمرت دموعي.
نبض