20-01-2021 | 21:39

بثينة الإبراهيم تواجه الزمن شعراً

الصراع مع الوقت، مع تفاصيل المكان، وأثاث المسكن والشارع، ومع الوجود والغياب، والخوف من الفقد المكرر، والحزن على انتهاء المواعيد، وتغيير ترتيب مقتنيات الطبيعة، كل هذه التأملات والصور الناجمة عنها، والاسئلة التي تتساقط من الإطارات تضعه الشاعرة السورية بثينة الإبراهيم في مجموعتها الشعرية "أعرف صوت الساعة" (دار رواشن للنشر- 2021)، الصادرة ضمن سلسلة سدرة، التي تهتم بنشر الأعمال الأولى للمواهب العربية.
بثينة الإبراهيم تواجه الزمن شعراً
Smaller Bigger

 

الصراع مع الوقت، مع تفاصيل المكان، وأثاث المسكن والشارع، ومع الوجود والغياب، والخوف من الفقد المكرر، والحزن على انتهاء المواعيد، وتغيير ترتيب مقتنيات الطبيعة، كل هذه التأملات والصور الناجمة عنها، والاسئلة التي تتساقط من الإطارات تضعه الشاعرة السورية بثينة الإبراهيم في مجموعتها الشعرية "أعرف صوت الساعة" (دار رواشن للنشر- 2021)، الصادرة ضمن سلسلة سدرة، التي تهتم بنشر الأعمال الأولى للمواهب العربية.

تسعى بثينة الإبراهيم الى تمرير عراكها مع القناعات، عبر تجديد رؤية المرء الى ذاته، وللمربعات من حوله بطريقة مغايرة في كل مرة، مواكبةً لتغيّر العالم المستمر حول الإنسان. 

يتميّز أسلوب الإبراهيم بصورٍ مبتكرة، تبني عليها متن قصيدتها. وتتضح من خلال هذا الديوان قدرة الشاعرة على التجريب واستحداث القصيدة اللافتة من حيث الشكل والتركيب والصور الفنية الملهمة.

 

أصابع ناعمة

أما لغة الشاعرة، فتأتي مصنوعة بحركات أصابع ناعمة، كأنما عازفة تلمس لوحة بيانو، فتملأ موسيقاها العالم. وتسعى الابراهيم إلى إثبات هوية خاصة من خلال اتخاذها التكنيك السينمائي في رسم قصائدها، عبر دمج المشاهد، وترتيبها، ورصد الحركة والصوت لعلّها تخلق معنى أكثر ثقلًا.

وتنتهج الشاعرة في قصائدها طريقة المخاطبة لذاتها من خلال ضمير الأنا المتكلم في معظم القصائد، ما يضيف التصاقا أكثر بمكنونها، من خلال الحديث الداخلي الأحادي، فيما تستخدم ضمير الغائب في مرات قليلة، وكذلك ضمير المخاطب.

مشاعر متعددة تتخللها القصائد هنا، مثل إرادة الاختيار المفقودة لدى المرء، والاغتراب المكاني، والوجداني، وكذلك الخوف من الوحدة، إذ نرى الشاعرة تكتب:"الوحدة الطافحة بصوت الثواني التي تمر سريعة، مستعجلة غير مكترثة بي، عندما أستلقي على جانبي الأيمن وأسمع نبضات قلبي التي تتناغم مع الساعة". كما وتختبر المشاعر المودية للتيه، وتلمس كونها تقف على هامش الطريق بينما تعبر الحياة في المنتصف.

تميل الإبراهيم إلى فلسفة وجود الأشياء في محيط الإنسان، حيث تتحلّل من النمط الطاغي على المفاهيم، بتحريك الساكن وإكسابه الصفات التي تبعث فيه الحركة والحياة. فكلّ الموجودات في عالمها مهتزة، غير محكومة بالثبات. ولكن من خلال النهج نفسه، تقلب الشاعرة المسلمات بنسج علاقات جديدة بين الجامد والإنسان، كأن تلغي معرفة الأرض بما يلمسها من جسد الإنسان سواءً كان الرأس أم الأقدام.

وتستخدم الإبراهيم النص الحداثي المفتوح على مصراعيه في التقاط الصور الحية من عشرات الصور التي تختبر ذهن الإنسان في يومياته. شخصيات متداخلة، حيث يطبعها خاليها، سامحا بإطارات وهمية تتيح لها التداخل وتشكيل المجسمات النابضة في ذهنها، وابتكار حالات جديدة من التفعيل للجسد والمعنى. 

 

المادة... والدهشة

وتبدي الشاعرة النظرة البريئة للحظات والصور أمام العين، والاندهاش في كل مرة، كأنما ملمس المادة يرد لأول مرة على الذهن، كطريق للتجريب اللانهائي، حيث تكتب:

"هذا الليل عباءة ساحر؛ يفتح أبواب الضجر، والشعور بالوحشة والخوف، بأني سأودع مكاني وأحمل حقائبي في مرة ثالثة دون ان يعني ذلك أنها الأخيرة. يغير الليل وجهه كل ليلة. وما زال يصرّ على مفاجأتي بطريقته القديمة، وما زلت أدهش من كل ما يأتي به، مثلما أدهش في كل مرة يخرج فيها الحاوي أرنبا من قبعته".

بينما ينبعث الإحساس المكرّر عند الشاعر بالإحاطة بالجدران والابتعاد عن ثيمة الحيوات المحيطة، فتزداد العزلة في البحث المستمر، ومخاطبة بقية تفاصيل اللوحة، وتنبت مشاعر التيه جغرافياً، وذاتياً. 

تقول الشاعرة: "ما زلت أمدّ الخرائط الغبية كل يوم بحثًا عن أرض لا تراني غريبة، ولا تحاصرني بنظرات العداء، ولا تحملني أكوام الكراهية التي أمضت سنواتها الأخيرة في تكديسها مثلما تكدس أكوام القمامة".

وفي أكثر من نص تتصل الشاعرة بعاطفة الشجرة الفاقدة لجذرها، مع أمها بواسطة الشِّعر، مستعيدة ذلك التلاصق بين جسدين، صنعتهما الأصل خلية واحدة. فتكتب عن أمها: "يجمعني وغيمات الأحلام والخراف الوهمية التي تقفز في المدى القصير بيننا، أمي وأنا، حين تنام بسكينة... أحاول الاتكاء على حلم مستعار منها يكون نبوءة أو كرة زجاجية تراني أمضي على خط لا يهم لونه ما دام مستقيما. 

لست واثقة بقدرة الخراف على المضي بخط على هذا النحو، لكني سأثق بالحلم وبها مادامت تحت رعاية أمي".

تكتب أيضاً عن الغربة، عن الوطن الأصل، والعيش في وطن يتشرب الإنسان كل مكوناته، فيرسم "كلاكيت١" تظهر فيه مكونات الأمل والفرح، ومن ثم يصير عليه أن يخرج من هذا الوطن ليعود لوطن تثبته الهوية فقط. تكتب الشاعرة: "تسكن بلدًا لا تعرف غيره منذ ولدت/ تعرف خدوده وعدد سكانه وتاريخه/ تحفظ نشيده الوطني وألوان علمه ويوم استقلاله وطباع أهله أكثر مما تعرف عن بلدك المسجل في أوراقك الثبوتية،/ لكن ذلك كله لا يجعلك واحدا من أبنائه...".

العلامات الدالة

الأكثر قراءة

دوليات 10/13/2026 3:08:00 PM
أعاد تقرير بريطاني تداول تنبؤات منسوبة إلى بابا فانغا عن حرب عالمية وتغيّر القيادة الروسية في 2026
ايران 10/15/2026 7:19:00 AM
تزن "أم القنابل" نحو عشرة أطنان، واستخدمتها الولايات المتحدة للمرة الأولى في أفغانستان عام 2017. فما قدراتها، ولماذا تختلف عن السلاح المصمّم لضرب المنشآت المحصّنة تحت الأرض؟
لبنان 10/15/2026 5:28:00 AM
لا تستبعد الأوساط الديبلوماسية أن تشهد شوارع بيروت ومناطق أخرى تظاهرات في ساحاتها احتجاجاً على سوء الأوضاع المعيشية وارتفاع أسعار المحروقات.
لبنان 10/15/2026 12:05:00 PM
السجناء لم يستمرّوا في الإضراب عن الطعام والأدوية مع صدور قرار مجلس الدستوري حول الطعن بقانون منح عفو عام وخفض مدّة العقوبات بشكل استثنائيّ، لكن أصابت عدداً منهم حالٌ من الغضب الذي تكتنفه الكآبة، على ما حصل التعبير عنه.