"رسم العدم"... الحداثة والفرديّة في أصعب الأزمنة الانتقاليّة
للوهلة الأولى يمكن لرواية "رسم العدم" للكاتب السعودي أشرف فقيه (دار التكوين) أن تُقرأ كواحدة من تلك الروايات أو حتى النصوص التاريخية التي تكتب كبحث إيديولوجي عن حق ضائع جاعلة إيّاه حقّا مستعادًا.
وللوهلة الأولى أيضًا يمكن لهذه الرواية أن تُقرأ كأدب تاريخي يستمتع، أو يستخلص درسًا، في الغوص في أحداث تاريخية معينة، تكشف التعددية المخبوءة في ما حسبناه هوية أحادية مسطحة، محافظا على دقتها الكرونولوجية بمهارة.
وللوهلة الأولى أيضا يمكن لرواية أشرف فقيه الثانية هذه بعد "المُخوزِق" الصادرة قبلها بسنوات، أن تُقرأ كقصة حب ذات أبعاد متعددة: من حب العلم (الرياضيات)، إلى حب المرأة (زينب العربية الصقلية) إلى حب المغامرة فحب الوطن ... الى آخره.
للوهلة الأولى يمكن لرواية "رسم العدم" للكاتب السعودي أشرف فقيه (دار التكوين) أن تُقرأ كواحدة من تلك الروايات أو حتى النصوص التاريخية التي تكتب كبحث أيديولوجي عن حق ضائع، جاعلة إيّاه حقًّا مستعادًا.
وللوهلة الأولى أيضًا يمكن لهذه الرواية أن تُقرأ كأدب تاريخي يستمتع، أو يستخلص درسًا، في الغوص في حوادث تاريخية معينة، تكشف التعددية المخبوءة في ما حسبناه هوية أحادية مسطحة، محافظًا على دقتها الكرونولوجية بمهارة.
وللوهلة الأولى أيضًا يمكن لرواية أشرف فقيه الثانية هذه بعد "المُخوزِق" الصادرة قبلها بسنوات، أن تُقرأ كقصة حب ذات أبعاد متعددة: من حب العلم (الرياضيات)، إلى حب المرأة (زينب العربية الصقلية) إلى حب المغامرة فحب الوطن ... إلى آخره.
وفي الرواية على أي حال بعض من كل هذا ولكن بنزر ضئيلة. ففي نهاية الأمر، بين اللحظة التي يرافق فيها الجنود البيزانيون العالم الشيخ الفاني إلى ما يبدو محاكم تفتيش تريد محاسبته في السطور الأولى من الكتاب، واللحظة التي يلفظ فيها الشيخ نفسه أنفاسه الأخيرة - بعد نحو 260 صفحة - وهو يتمتم مبتسمًا وربما منتصرًا أيضًا بكلمة "زيفير" (صفر)، لا تمرّ أمام أنظار القارئ حياة بأسرها ولا العديد من الحيوات على عادة الروايات التي تحمل السير الذاتية فحسب، بل تمرّ أزمنة تتطاحن فيها السياسة بالعلم وضروب التسامح بتأرجح الممالك والمدن المعمرة بالجثث المتطايرة والاختراعات التقنية بالحيوانات الغريبة مستأنسة أو غير مستأنسة، وصولًا إلى الصراعات العبثية بين الدين والعلم، والشعوب المتناحرة والحضارات المتناثرة، وقصص الحب والعداوة والاستعباد والتبجيل.
عالمٌ وزمنٌ بأسرهما يمرّان في ثنايا هذه الرواية المكتوبة وفصولها، على أي حال، بلغةٍ استثنائية قلّ أن شابهها نثر في الأدب العربي الحديث.

نثر فضّاح
غير أنّ هذا النثر في حقيقيته فضّاح بكل معنى الكلمة. وذلك بالتحديد لأنّ أشرف فقيه لا يستخدمه لمجرّد أن يروي لنا الحكاية التاريخية المتحلقة جوهرياً من حول وصول الصفر "العربي" إلى الحياة العلمية الأوروبية، وتحديدًا بالتناقض مع المفاهيم الكنسية التي ستنظر إليه كمطلق ينافس الله في إطلاقيته. فقيه يستخدم نثره للغوص دائمًا وربما في كل صفحة وفقرة في جوانية بطله صاحب السيرة المرويّة، ليوناردو فيبوناتشي، العالم الآتي من مدينة بيزا الإيطالية في لحظة زمنية كانت في حوض البحر الأبيض المتوسط، والمدن المتناثرة من حوله في ثلاث قارات هي العالم حينها، لحظة انتقالية مليئة بالصراعات والانزياحات الكبيرة. ويقينًا أنّ تلك السمات التي طبعت المرحلة التي كانت تشهد شيئًا من الحروب الصليبية وشيئًا من الصراع على أورشليم القدس وبدايات المغيب الأندلسي ومؤامرات القصور الأوروبية، تلك السمات عرف أشرف فقيه كيف يلتقطها. غير أن من الصعب القول إنها كانت هي وما شابهها موضوعه الرئيسي. موضوع "رسم العدم" هو بشيء من الاختصار، ذلك الفرد الذي كانه ليوناردو فيبوناتشي في زمن كانت الفردية بالكاد قد بدأت تولد كسمة أساسية من سمات فكرانية عصر النهضة. والحال أن الموضوع الأساس لمن يريد أن يقرأ جيّدًا في هذه الرواية الفذة، هو فيبوناتشي نفسه، إلى درجة أنه ندر أن كان ثمة تمفصل له هذه السمة المتمفصلة بين الخاص والعام في رواية معاصرة، خاصة إن كانت تتقنع بقناع العمل التاريخي.
على الضدّ من الأيديولوجيا
لعلّ في الإمكان القول إنه فيما تضع الروايات "التاريخية" عادة الخاص في خدمة العام، بل حتى في خدمة الأيديولوجيا، ولا سيما في نوع خاص من أدب تاريخي عربي ("ثلاثية غرناطة" لرضوى عاشور، أو "الزيني بركات" لجمال الغيطاني بل حتى روايات نجيب محفوظ الفرعونية، على سبيل المثل).
ها نحن نرى "رسم العدم" تمعن في ما هو معاكس تمامًا: تضع العام في خدمة الخاص. ومن هنا لا يدهشنا أن نرى معظم حوادث الرواية وفصولها من منظور ذلك الفتى الذي ستدور فصول حياته متنقلًا من مدينة متوسطية إلى أخرى بين البداية التي ترينا إياه شيخًا يحاكَم حتى النهاية التي تشهد موته وانتصاره الأخير، يوم تمكّن من فرض ذلك "الصفر" الشهير على العلوم الرياضية الأوروبية، آتيًا به من عند العرب الذين أتوا به من عند الهنود، ما أحدث انقلابًا في المفاهيم والعلوم الرياضية ما زال معترفًا به حتى اليوم بعد نحو ألفية من موت فيبوناتشي.
فرديّة ما بعد الحداثة
ولكن، وكما لمّحنا، ليس الأساس هنا ذلك التاريخ وبضاعته العلمية، بل ذلك الشخص ووجوده الأونطولوجي. وبهذا يمكننا أن ننظر إلى "رسم العدم" كرواية ما - بعد - حداثوية تنتمي إلى زمننا الراهن وتحمل سماته، "مستعينة" بذلك بحكايتها الآتية من الزمن القديم.
الرواية حين تترك الشيخ في فصلها التمهيدي لتعود عقودًا إلى الوراء ملتقطة إياه طفلًا في بيزا مدينة إله يلهو بعدّ الأرانب والديوك وحل المسائل الرياضية في تصاعد من الأبسط إلى الأكثر تعقيدًا، إنما تطلق الاحتفال بفردية سرعان ما تتحول هامشية مدهشة وخلاقة.
ومنذ تلك السنوات الأولى سوف لن نشاهد فيبوناتشي، فصلًا بعد فصل ومدينة بعد مدينة ومعضلة بعد معضلة، من بجاية الجزائرية حيث تجارة أبيه ومن ثم اختلاطه بالعرب وعلومهم، إلى إشبيلية الأندلسية وشتى الجامعات الأوروبية، وصولًا إلى صقلية وبلاط الإمبراطور فردريك الذي سيؤكد له حضور ليوناردو في بلاطه بل في حياته، صدقية اختياراته الميّالة إلى العرب وصولًا إلى رغبته وبالتعارض مع البابا حتى وإن كانت البابوية هي ما مكّنه من الوصول إلى تلك الإمبراطورية الشاسعة التي هيمن عليها، رغبته في "استعادة" أورشليم ولو بالتواطؤ مع ورثة صلاح الدين وبالتناقض مع رجال البابا، لن نشاهد فيبوناتشي في توالي هذه المدن والحوادث وغيرها سوى هامشي وحيد غارق في علمه وتأملاته خارج زمنه حتى ولو عاش في غمرة حوادثها، دافعًا ثمن ذلك. وهو لئن صادق آخرين فإنما يصادق من ينتمون مثله إلى عالم الفكر والفلسفة، ما يتيح له ولنا كقراء حوارات يختلط فيها أرسطو بأفلاطون وابن طفيل بالسهروردي وغيرهم من علماء رياضيات عرب، قرر الكاتب أن تتقاطع دروبهم مع فيبوناتشي لخدمة الحبكة.
هامشيّة معاصرة لنا
وحتى هنا ولو بدت لنا هامشية فيبوناتشي أشبه بهامشية العالم زينون في رواية مرغريت يورسنار "العمل باللون الأسود"، أو حتى بـ"هامشية" هادريان في رواية أخرى ليورسنار نفسها هي "مذكرات هادريان"، فإن ما ينفرض علينا قوله هو أن هامشية عالمنا الرياضي لا تنتمي إلى تلك العصور الوسطى أو ما قبلها، بل إلى هامشية القرن العشرين وما بعده.
تكاد هامشية تكون متطابقة مع هامشية "ك" شخصية كافكا في "القصر" أو هامشية شخصيات نابعة من الحداثة التشيخوفية. والحقيقة أننا لئن كنا هنا نكثر من الإشارات المرتبطة بالقرن العشرين بصدد الصورة التي يرسمها صاحب "رسم العدم" لبطله، فما هذا إلّا لأنّ الجانب الأهم في الرواية لا يمكن أن يكون هنا موضوعها، سواء كان علميًا أو تاريخيًا أو أي شيء من هذا. الأساس ليس ما تقوله الرواية حتى وإن كان في وسعنا أن نكتب صفحات للثناء على إفلاتها من الفخ الأيديولوجي الذي يمكن أن يطبق عادة على مثل هذه الأعمال حين يكتبها مبدعون عرب!
لغة البصر المدهشة
الجانب الأهم هنا هو الطريقة التي يكتب بها فقيه روايته. وهي، ولنقل ذلك مباشرةً، طريقة بصرية. وكأنّ هذا الكاتب الذي نحتاج دقائق قليلة من التأمل لا أكثر قبل أن نكتشف حداثته المطلقة والمخبأة خلف لغة بالغة القوة والجمال، حتى وإن بدت بعض الأحيان عسيرة على فهم من يتوخون القراءة السريعة السطحية – وهم على أي حال لا يمكن أن يكونوا من زبائن مثل هذا الأدب الرفيع! - كأنه كتب أصلًا من منطلق بصري سينمائي خالص. فمن الواضح تأثر الكاتب بفنون الصورة بل في أكثر تجلياتها حداثة. ولا سيما في الفصول الرئيسية التي لا يمكن تعدادها على أي حال.
ولكن قد يكون ممكنًا لفت النظر إلى بعضها مثل المشهد مع والد ليوناردو أول الرواية في بجاية. والمشهد المحوري مع الأسكتلندي ميخائيل الذي لا ندري ما إذا كانت صورته مستقاة من دنيس سكوت فيلسوف العصور الوسطى الرشدي، ولا سيما المواجهة الضارية بين جيوش فردريك وجيوش البابا عند تخوم عكّا. ثم خاصة المشهد البديع والمحوري بين ليوناردو وزينب في حضور أمها مريمة، وصولًا إلى مشهد العشاء العائلي الذي يلي الاحتفال بـ"استقبال" العلماء الكبار في البلاط الإمبراطوري بليوناردو لإخباره رغبة فردريك في لقائه... ناهيك بمشهد اللقاء بين الإمبراطور ومبعوث الملك الكامل في فلسطين... والحقيقة أننا تعمدنا هنا أن نذكر هذه المشاهد دون ترتيب بالنظر إلى أن أهمية كل منها لا تقتصر على كرونولوجيتها، بل تنبع من "فعلها" في نظرة ليوناردو وحياته هو الذي يشارك فيها جميعًا – دون أن يكون ثمة أي سند تاريخي يدعم حصول تلك المشاركة، ففي نهاية الأمر نحن هنا أمام قطعة أدبية لا أمام نصّ تاريخي – ولكن دائمًا من موقع المتلعثم غير الراغب في أن يكون هناك. وهذا الجانب من فكرانية الرواية ومن رسم فردانية بطلها لا يمكننا العثور عليه إلا في البعد البصري المدهش لنصّ نادر لا تستخدم فيه اللغة إلا لتفسير الصورة التي هي جوهر الرواية. تمامًا كما في التقطيع السينمائي، ولا سيما حين يتوقف المؤلف في وسط مشهد ما بل عند ذروة المشهد ليتأمل في ملامح شخصية بالغة الثانوية فيه، مصورًا ردّ فعله على ما يراه من موقعه كمجرّد متفرّج! والحقيقة أن إبداع أشرف فقيه في هذا السياق يصل بروايته إلى قوة بصرية نادرة، ويدفع القارئ إلى قراءتها مثنى وثلاثَ، بحثًا عن تلك الأبعاد الما بعد حداثية التي تفتح للرواية العربية وأشكالها دروبًا جديدة غير متوقعة.
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
العالم العربي
5/16/2026 11:00:00 PM
ماذا جرى قُرب بيت شيمش في القدس؟
الولايات المتحدة
5/17/2026 12:57:00 PM
مستشار المرشد الإيراني: تهديدات ترامب التي تؤججها تل أبيب تُمثّل فخاً استراتيجياً
لبنان
5/17/2026 9:48:00 AM
غارات إسرائيلية متواصلة على قرى جنوب لبنان والبقاع الغربي
لبنان
5/18/2026 12:00:00 AM
تحدثت معلومات ديبلوماسية عن أنّ لبنان تبلّغ عبر سفارته في واشنطن طرحاً يرتبط بمساعٍٍ لتحقيق وقف تام وشامل لإطلاق النار خلال 24 إلى 48 ساعة من منتصف ليل السبت - الأحد بين "حزب الله" وإسرائيل...
نبض