التواصل هو النّخاع الشوكي لاستقامة العلاقة، أيّ علاقة إنسانيّة. "ما حدا يخبْرَك شي تاني". الحبُّ ليس ضمانة النجاح مع الشريك، ولا المحبّة ضمانة العلاقة الجيّدة مع الولد، ولا الودّ ضمانة العلاقة المحترفة مع الزميل. وإذا كان التواصل سرّ العلاقة الناجحة، فالعبارة هي "سِنْسِلْة الضهر".
في التواصل مع الشريك، هناك عبارات قد تؤذي العلاقة يستعملها الزوج مع الزوجة أو الزوجة مع الزوج. في كثيرٍ من الأحيان يستعمل الرجال عباراتٍ سلبيّة مع زوجاتهنّ. إذا خذلته زوجته قد يقول: "قلتلِّك 100 مرّة إنّو ..." أو عبارة: "بشرفِك في شي بتعملي صح ؟؟!!". وفي حالة الغضب قد يقول لها: "إنتي دايما بتعملي هيك ... هيدي مش أول مرّة". وإذا اشترت له زوجتُه هديّةً لم تُعجبْه قد يقول لها: "إنّو مش شايفتيها بشعة؟ كيف بتشتريلي ياها؟".
كذلك تستعمل الزوجات في حالات الغضب والاستياء عباراتٍ سلبية مع أزواجهنّ من مثل: "أنت تماماً مثل بيّك وإمّك"، أو عبارة: "إمّي قالتلي إنّو إنتو ببيتكن بتعملوا هيك". وإذا فاجأَها بدعوة أصدقائه إلى البيت، قد تقول له زوجتُه: "إنّو ضروري تعزم أصحابك ع العشا؟ وبالبيت كمان؟". وفي حال الحَرَد قد تستعمل الزوجة عبارة "ماشي الحال ... ما بِني شي ... ما في شي".
طبعاً، الزوجات في البيوت يَسْمَعْنَ في بعض المرّات كلاماً أقسى من ذلك بكثير. وفي أحيانٍ كثيرة أيضاً يسمع الرجال "تلطيشات" من زوجاتهنّ. لكنّي أُريد أن أعترف بأنّه في مجتمعٍ ذكوريٍّ كلبنان، فإنّ المرأةَ، وخصوصاً المرأة الضعيفة، معرّضةٌ أكثر من الرجل لكلامٍ قاسٍ. قد يقول قائل: "وهل المطلوب أن نُصفِّق لكل ما نسمعُه من شريكِ الحياة؟ ألا يحقُّ لنا أن نختلف في الرأي معه"؟ طبعاً يحقّ لنا الاختلاف في الرأي، وكذلك يحق لنا التعبير عن هذا الاختلاف. إنّما للتعبير عن هذا الاختلاف خمسة معايير مترابطة وهي أن يكون كلامي مع زوجتي أو كلامُها معي خالياً من التشهير، وخالياً من الاتهام، وخالياً من التجريح، وخالياً من السخرية، وكذلك خالياً من اللوم تجاه الشريك أو عائلتِه. كذلك، ولكي يحظى كلامي بفرصةٍ أكبر من الإصغاء الفعّال والقبولِ والاحترام عند الآخر، فإنّ تفكيري الإيجابي، وموقفي الإيجابي من الشريك، ونبرةَ الصوت الإيجابيّة، وملامحَ الوجه الإيجابيّة، والاستماع الإيجابي له، وأخيراً التواصل الإيجابيّ الشفهيّ، أي كلامي الإيجابي معه، تصبح عناصر أساسيّة في التواصل. هل تريد أن "تقتل الناطور أو أن تأكل عنباً"؟ إذا أردتَ أن تبرهنَ وباستمرار أنّ الآخرَ مخطئٌ، وإذا أردتَ في كلّ يومٍ أن تربحَ جولةً كلاميّةً عليه، فإنّ ما أقولُه لكَ لن يعنيك. لكنّكَ إذا أردتَ أن تربحَ الآخر، لا أن تربحَ عليه، وإذا أردتَ أن "تأكل عنباً لا أن تقتل الناطور" فإنّ ما قلتُه لكَ هو وصفة بسيطة مجانيّة لا تكلّفك إلا قليلاً من الذكاء العلائقي وشيئاً مِنَ التواضع. وبعد ذلك فإنّ الربحَ لعائلتك وعلاقتك بالشريك مضمون.
أمّا في عبر وعبارات التواصل مع الزميل في مكان العمل، وتحديداً الموظّف الذي يعمل معي وأكون مسؤولاً عنه، أو زميلي الذي يساويني في المسؤولية والصلاحيات، أو الموظّف الذي يعمل تحت إشرافي، فإنّي أودّ القول إنّ المشكلة أكبر في الحالة الأولى والثانية. فعندما أكون مديراً لدائرةٍ ما، فإنّي وفِي حالات الاستياء من أداء أحدهم، أكون معرّضاً لأن أستعملَ عباراتٍ من مثل: "معقول يا زلمي إلَك 10 ساعات عم تعمل شغلي بدّا دقيقتين" !؟ أو عبارة: "نفِّذ ثم اعترض ... قبل ما تعملها للشغلي ما تحكيني"، أو عبارة: "لو بتعرف بس إنّو في 100 واحد بيتمنّى يكون مطرحك وناطرين بالدور". ومن الممكن أن تكون العبارة أكثر قساوة من مثل: "ما بعرف إذا إنتَ فعلاً حابب تحسّن حالك، بس بدي قلّك هيك ما رح يمشي الحال"، أو عبارة: "هلّق ما عندي وقت ناقش أداءك معك ... إذا عندي شي بِبْقى بعيّطلَك وبحكيك"، أو حتّى عبارة: "أنا بِدْفَعلك معاشك ... إنتَ شغلتك تعمل يللي أنا بقلّك ياه".
وبالنسبة لزميلي الذي أتساوى وإيّاه في مستوى الصلاحيّات، فإنّي معرّضٌ لأن أستعمل معه في حالات عدم الرضى عباراتٍ من مثل: "مرحبا قانون ... خلّي الإدارة تبلّط البحر"، أو: "مش معقول إنتَ لما بدّك تتلأمن" ! أو "حِل عنّي هيدي مش موجودة بالـJob Description تَبَعي".
السؤال الذي قد يتبادر إلى ذهنك الآن هو: "وهل تريدُني أن أكذبَ على زميلي وأن أمدحَه وأنا مستاءٌ منه؟ وهل الاحتراف يقضي بأن نتكاذب على بَعضِنا البعض"؟ طبعاً لا وألف لا. الإخفاء ليس هو المطروح هنا. لكنّي أود التشديد على فكرة وهي أنّ الناس تنسى ما تقول، لكنّ الناس لا تنسى كيف قلته. كذلك فإنّ الناسَ لا تنسى كيف شعَرَت هي حين قُلتَ أنتَ هذا الكلام. يمكنُك أن تقولَ الشيءَ نفسه وأن توصلَ الفكرةَ التي تريد أنتَ إيصالها إنَّما بعبارات إيجابيّة تؤدي الغرض المطلوب منها وليس العكس. السؤال هو: "هل تريد أن تكسره؟ أن تذلّه؟ أن تبرهن له أنّه مخطئ ويستحق اللوم؟ جوابُك عن هذه الأسئلة يُحدّد إلى حدٍّ بعيد ماذا تقول والنتيجة المترتّبة على كلامك".
وأخيراً في تواصلك مع الولد. العلاقة مع الولد علاقةٌ عجيبةٌ غريبة. في بداية الأمر تظن أنّك تعلِّم الولد كل شيء، لتكتشفَ بعد سنوات أنّ علاقتك بالولد قد علّمتكَ أشياء وأشياء كُنتَ تجهلها، وأنّك قد تعلّمتَ من ولدك أكثر مما تعلّم هو منك. صحيحٌ أن الدور القياديّ في هذه العلاقة هو لكَ أنتَ ولأمِّه، لكنّ الولد بدوره يعلِّمك كل يوم شيئاً جديداً. إلا أنّ الولد يتطلّع أيضاً إليكَ. فهو يتوقع منك كلاماً مُحدداً وتصرفاً معيناً في أوقات قد تبدو له صعبة. اليوم ألجُ هذا الموضوع من زاويةٍ تختلف عن المرات السابقة. اليوم أُركّز على العبارة. هناك أربع كلمات قُلها لولدك كل يوم. ما هي الكلمات السحرية التي تفعل فعلها فيه عند وقت الصعوبة والتي يجدر بك أن تردّدها على مسمعه كل يوم؟ أولاً، قُل له كل يوم "أنا بوثق فيك". أَظهِر له أنك تثق بقراراته وبحكمته وبقدرته على التعاطي مع الظروف الصعبة بالطريقة الصحيحة. أَشعِرْ الولد أنّك تثق بتصرّفاته حتّى عندما يكون بعيداً عن عينيك. ثانياً، قُل لولدك كل يوم "كلنا بلّشنا ما منعرف". قد يقوم بعملٍ ما، وقد يخطئ. لا تنهرْه، لا تزجرْه. قد يركب الدراجة الهوائيّة ويسقط إلى الأرض. قد يحاول العزف على آلة موسيقية من دون أن يفلح. قد يحاول أن يساعدك في أمور المنزل من دون أن يكون أداؤه قريباً من توقعاتك. لا تستعمل معه عبارات من مثل: "ما خرجك تعمل شي"، أو "قديش بدّي ضل علمك"، وما شابه. العبارة التي لن تندم إذا قلتها له كل يوم هي: "كلنا بلّشنا ما منعرف". ثالثاً، ردِّد على مسمعه عبارة: "إيّاك أن تستسلم ... الفشل منّو خيار". قد يأتيك باكياً بسبب علامةٍ راسبة نالها على الرّغم من كل الجهد الذي بذله. أو قد يحاول أن يكوِّن صداقاتٍ في المدرسة من دون أن ينجح. حسِّسه أنك لن تقبل باستسلامه. قُل له إِنّك تقبل بفشله عندما يحاول، لكنّك لا تقبل باستسلامه من دون أن يحاول. ليكُن تحفيزُك له على المحاولة الثانية والثالثة والعاشرة ثابتاً. اجعله يشعر أنّك ممنونٌ من محاولاته بغضِّ النظر عن النتيجة. لِيُدرك ولدك أنّك تقبل بكل شيء إلا الاستسلام. رابعاً وأخيراً، قُل له كل يوم "أنتَ بأمان وأنا بحبّك". إذا استفاق في الليل خائفاً من حلم مزعج قُل له: "ما تخاف... أنا حدّك". لا تقُل له عبارات مثل "يخرب زوقك شو جبان .. حِلِم بيخوفَكْ؟". لا تستخف بمخاوف ولدك. ساعدْه على مواجهتها. لا تستهزئ به إذا خاف. في مرضِه قُل له: "أنتَ قوي". في تردِّده في الإقدام على خطوة ما، قُل له "ما تخاف أنا معك، أنا إلَك". وقبل كل شيء، وفوق كل شيء، وعند كل ظرف ووقت استعمل معه الكلمة السحريّة للصغار والكبار: "أنا بحبّك". أربع كلمات قُلها لولدك كل يوم. كلماتٌ ساحرة تفعل فيه فعلاً عجائبيّاً.
في النهاية عودٌ على بدء. سأختم بالكلمات ذاتها التي بدأتُ مقالتي فيه وهي: التواصل هو النخاع الشوكي لاستقامة العلاقة، أيّ علاقة إنسانيّة. "ما حدا يخبْرَك شي تاني".
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
العالم العربي
4/2/2026 12:41:00 AM
عشرات طائرات "A-10 Thunderbolt II" في طريقها إلى الشرق الأوسط… "Warthog" تعود إلى الواجهة
اقتصاد وأعمال
4/2/2026 9:15:00 AM
ارتفاع أسعار المحروقات في لبنان
ايران
4/2/2026 3:29:00 PM
يُوصف الجسر بأنه "أطول جسر في الشرق الأوسط" وأحد أكثر الجسور تعقيداً من الناحية الهندسية في المنطقة.
اسرائيليات
4/2/2026 6:02:00 PM
ظاهرة لافتة في تل أبيب تمثّلت في تحليق كثيف لأسراب الغربان، بالتزامن مع استمرار الحرب والهجمات الصاروخية
نبض