الزحام في شارع الميدان أو سوق الحقانية من البداية يجعلني أدرك كم هي صعبة الحركة فيه. لا أذكر آخر مرة جئت إلى هنا. ربما منذ عشر سنوات. كنت في شاليه في سيدي كرير وجاءني الجنون أن أشتري بسطرمة وجبنة تركي من الشارع. الأرمن هم الذين أدخلوا صناعة البسطرمة في الإسكندرية وفي مصر كلها، وكانت لها حلاوة ربما لا تزال في فمي. كان يمكن أن أشتريها من أي محل على الساحل، لكن لا بد أني كنت أريد أن أستعيد بعض الذكريات. النوستالجيا لها طعم ورائحة يأتيان معها حتى لو نفضت الذكريات بيدك في الهواء وتعمدت الانشغال عنها.
لا أنسى قبل العيد الصغير بيومين أو ثلاثة حين كان أبي يأتي إلى هنا لشراء ما كان يسمي بالفُترة. أي اللوز والجوز والزبيب وعين الجمل وغيره. لا يزال هذا موجوداً طبعاً. انقطع فترةً بعد التأميم أيام عبد الناصر، إذ تمّ منع الاستيراد لأشياء كثيرة، منها السلمون الياباني. السلمون بالذات أقاموا مصنعاً لإنتاجه، لكنّ إنتاجه لم يكن أبداً من سمك السلمون الحقيقي صاحب الرحلات الرهيبة في المحيط الهادئ إلى أميركا والعودة. إنه من سمك الماكريل. لا أنسى أبداً سعر العلبة الصغيرة من سمك السلمون الحقيقي. ثلاثة قروش بينما الكبيرة بخمسة أو ستة قروش. كانت هدية أبي لي هي علبة سلمون صغيرة. كان من أهم ما يشتريه أبي ويعود به هو سمك البكالاه. البكالاه المجمدة التي تأتي من أوروبا وتضعها أمي ليلة العيد في الماء، وفي الصباح تخرجها لتقليها أو تصنع منها طاجناً. لا أريد للحديث أن يأخذني إلى الأسماك وما جرى فيها في مصر بعد ردم بحيراتها العظمى، أو الجزء الأكبر من مساحتها، فصارت الأسماك من إنتاج البحر فقط، فارتفعت أسعارها بينما كانت من قبل طعام الفقير.
سأتحدث عن الباكلاه الذي اختفى. رأيته مرة منذ عشرة أعوام في محل صغير جوار سينما أمير بسعر كبير يتجاوز المئة جنيه. لكني لم أنسه أبداً وكنت رأيته في أوروبا في رحلاتي مع كتبي المترجمة، وصرت حريصاً في أكثر زياراتي أن أعود بطبق مغلف منه اشتريه من المطار قبل صعودي الطائرة. فقط لأذكّر نفسي بأننا كنا نشتريه أيام زمان. على يساري الزحام في شارع السبع بنات كما هو. العربة تحركت قليلاً فابتعدت عن شارع الميدان، لكنها توقفت لأنه لا مسافة للعربة التي أمامنا أن تتجه إلى اليمين. العربات القادمة من شارع الحقانية متوقفة. هناك شيء ما يعطّل السيارت في الميدان.
هذا الميدان الذي كان متّسعاً مثل الفضاء. ميدان المنشية أو ميدان القناصل حيث كانت قنصليات الدول الأجنبية فيه، وعلى اليمين واليسار محال بأسماء أصحابها الأجانب، وأمامك في الواجهة بورصة المنشية التي احترقت في تظاهرات يناير 1977، ولم يفكروا في ترميمها فهدموها وصار مكانها "كراج".
ليست مشكلة أن نقف لا نتحرك حتى ولو ساعة، فنحن في يونيو وليست هناك رطوبة في الجو بعد، لكنّ المسألة هي الأصوات المسجلة العالية للباعة وأصوات أغاني المهرجانات التي لا تزال تنبعث من كل المحال.
ضجيج قاتل لمن هم مثلي عاشوا أجمل سنوات عمرهم بين الصمت والهدوء. حتى الناس على المقاهي كانوا يتحدثون لكن لا تُسمع أصواتهم. عليّ أن أرضى وها أنذا راضٍ. ما بقى لي في الحياة قليل. مات أبي في سن الخامسة والسبعين، وقبل أن يموت قال لي إن جدي مات في هذا العمر، وها أنذا أقترب من الخامسة والسبعين. أضحك. ماذا سيحدث؟ مؤكد لن أقرأ نعيي بنفسي ولا ما سيقوله من يحبونني، لكن هل يمكن تفادي الموت في أي عمر. لا تتفادى الموت إلا أن يأتي في غيابك. كم من أصدقاء رحلوا بسبب الكورونا وغيرها وكم من دموع نزفتُ.
سعيد الكفراوي وشاكر عبد الحميد ورفعت سلام وبهاء عبد المجيد وأخيراً جبور الدويهي وبينهم كثيرون. كان بكائي ولا يزال مستمراً لأن الذكريات تتجلى أمامي أشجاراً تملأ الفضاء. لكن جبور الدويهي الذي لم أقابله إلا مرات استنزف مني دموعاً كثيرة. أعماله عظيمة لا تحتاج إلى حديث مثل كل الراحلين، لكني كنت أشعر فيه رغم البعد بالنبل الذي يتجسم في الفضاء. لقد عدت من هذه الرحلة فوجدت نفسي أكتب في ما أسميته "نفحات من العزلة" أكثر من مرة عن الرحيل. أعود إلى الرحلة فلا معنى للدموع والفجر يوشك على الأذان وأنا أكتب هذه الرسائل. فلأنظر حولي لعلّ شيئاً يخرجني من الغضب، رغم أني أدرك أن القبح سيزداد. تحركت السيارات فتحركنا على مهل. أمامنا تمثال محمد علي كما هو، لكن كيف حقاً لا يترجل ويلعن كل هذا الزحام من الباعة الذي يحيط أيضاً بالميدان. هذا التمثال الذي أقامه الخديوي إسماعيل وأحتاج إلى فتوى من الشيخ محمد عبده بحلال التماثيل ووضعها في الميادين. ولكن أليس حراماً الآن ما يحيط بالتمثال من عشوائية الباعة؟
سنلتفّ وندخل في ما كان يسمى ميدان الحدائق الفرنسية، لأنه أمام القنصلية الفرنسية، وأشجاره منسقة على طريقة الحدائق الفرنسية. أمامي نُصُب الجندي المجهول. الجندي المجهول الذي صار علامة على النصب التذكاري الذي كان من قبل لتمثال إسماعيل باشا. الرجل الذي ظلم المصريين كثيراً من أجل نهضته في البناء على الطراز الفرنسي في وسط القاهرة وكورنيش الإسكندرية، فهل يأتي الآن ليري ماذا جرى. وهل لأنه ظلم المصريين تدمر آثاره؟ هل يأتي هو أو جده محمد علي؟ لقد نزعوا تمثاله من مكانه في الخمسينات وانتشرت الشائعات وأنا صغير أن الدولة في حاجة إلى صهره لصناعة النقود المعدنية حيث هناك نقص فيها.
بعد سنين طويلة عرفت أنه ملقى في حدائق أنطونيادس، ورغم أني ذهبت إليها كثيراً إلا أني لم أره. عرفت حين ظهر مرة أخرى جوار سينما أمير وحيداً يمرّ عليه الناس ولا ينتبهون.
هو الذي كان تمثاله القديم يتطلع إلى البحر المتوسط حيث تأتي النهضة صار مهملاً لا ينظر إلى أحد ولا أحد ينظر إليه!
كيف كانت أشجار الميدان حتى وقت ليس ببعيد وكيف هي الآن؟ يمكن لأي شخص أن يبحث عن الصور القديمة وينظر إلى الميدان الآن.
صار زحامه مرعباً من الباعة. هكذا تحولت المنشية – ميدان القناصل – وميدان الحدائق الفرنسية، إلى سوق عشوائي لم أره في أي زمان.
من يستطيع أن يرفع عينيه الآن ليرى شكل العمارات الأوروبية الطابع. لا أحد. رفعُ عينيك معناه تعثّرك في الأرض ووقوعك.
لا بد أن نخرج من المكان وسنخرج. البحر في واجهتنا وسنصل إليه. أليس في هذا البلد رجل رشيد؟ أين ما نقرأه عن تجديد الميادين والشوارع؟ ألا يستحق هذان الميدانان التاريخيان أن يخلوَا من الباعة الجائلين حتى ننظر حولنا ونرفع وجهنا للسماء؟ هل هذه الأشجار فقيرة الأفرع والأوراق هي ما كانت من قبل؟
هي بالتأكيد... لكن كيف صارت شاحبة هكذا كأنها تبكي على ما تحتها من عدوان. حتى الظلال تركتك يا مصر. لكني حمدت الله أنهم لم يقطعوها بعد كما يفعلون في حدائق أنطونيادس والمتنزّه. ماذا يفعلون حقاً؟ يقولون إنهم يفعلون كما في دبي في البنايات والكافتيريات والملاعب المائية، لكن دبي كلها ليست فى حجم مدينة الإسكندرية. دبي ترتفع في عمارتها إلى السماء لأنه ليس في أرضها اتساع، ونحن ليس لدينا إلا الاتساع ونبني عمارات عالية في المدن الجديدة، ولا ندرك أنها ستذرف الدموع لوحدتها في هذا الاتساع حولها! أجل. عمارات دبي تخرج لسانها للضيق من حولها، أما هنا فستبكي يوماً هذه العمارات. كيف تنظر إلى أعلى وأنت تستطيع أن تمشي مئات الأميال؟
المهم أريد أن نصل إلى البحر رغم أن ما سأراه سيغضبني أكثر. أريد أن أنتهي من الصخب. الذكريات تنثال عليّ مع سينما ركس وسينما كونكورد. سينما ركس ما زالت مهدودة. لن أنظر إلى يميني إليها لأن أمامها عشرات من الميكروباصات، وسينما كونكورد صارت عمارة كبيرة. حديث السينمات التي هُدمت كبير في كتابي أنا والسينما، ورغم أني كتبت الكتاب لم أنسَ. حتى الكتابة صارت تخذلنا ولا تساعدنا على النسيان. الحمد لله صرت بين القنصلية الفرنسية وقبر الجندي المجهول. هنا نمت مرة. لا أذكر هل كانت عام 1997 أو 1998.
كان القنصل هو جيل غوتييه المترجم العظيم ودعاني إلى لقاء في المركز الثقافي الفرنسي وبعدها سيكون النوم في القنصلية. مرة أخرى أتيت إلى القنصلية الفرنسية عام 2015 وكنا فى مكتبة الإسكندرية في ندوة لا أذكر موضوعها. كانت هناك عملية إرهابية كبيرة في فرنسا، فذهبنا وعدداً من الأصدقاء نقدم العزاء للقنصل الذي لم ألتق به من قبل. طلب دخولي إليه أولاً ثم قابل الآخرين. أمّا دخولي أولاً لأنه قرأ قبل أن يأتي ترجمة "لا أحد ينام في الإسكندرية" بالفرنسية. إنه نبيل حجلاوي. خرج بعدها ووقف مع الجميع وقدمنا العزاء وانصرفنا. لم أحضر إلى القنصلية مرة أخرى رغم أكثر من ندوة تمت في المركز الفرنسي. صاروا يحجزون لي في أحد الفنادق وبالذات فندق متروبول. ربما هي مرة أو مرتين لا أذكر، ثم صرت أعتذر عن أي ندوات لما أصابني في ركبي من خشونة لم تفلح معها حتى الآن أي علاجات دوائية أو علاج طبيعي، وانتهت بضمور في العضلات. أنا أيضاً صرت غير مهتم كأني أنتظر العام الخامس والسبعين في عمري! صرت غريباً في الإسكندرية وزادت الغربة بعد وفاة الفنان العظيم مصطفى عبد الوهاب الذي كنت أزوره في سموحة ونسهر، وأبيت عنده رغم وجود مكان مبيت لي. كان اللقاء مع مصطفى من أجمل ما منحتني الحياة. لقاء يتسع به العالم كما كان يحدث حين أزور عصمت داوستاشي في العجمي. لكنّ اللقاء مع مصطفى كان أكثر بحكم وجودي في أحد فنادق منطقة الرمل أو حتى فندق هيلتون سموحة. أحب أن أسهر معه. وكان أكثر ما آلمني أن الحركة لم تساعدني لأحضر جنازته، ولا الذهاب إلى منطقة الأوبرا حيث أقام الفنانون له عزاء، وحدثت ابنته مريم عبد الوهاب ودموعي تسبقني في الكلام، وهي تهوّن عليّ ولا تزال رغم أني لم أرها منذ وفاته.
سنخرج إلي البحر ونمشي. سأمرّ على المقاهي التي جلست فيها كثيراً وضحكت. سأمرّ وسأنظر إلى العمارات الجميلة قبل أن تتلاشي كلما توغلنا في الطريق. كم سيستغرق المشوار من الوقت؟ أليس من الأفضل أن أعود. لم أعد ولم أطلب من خالد ابن زوجتي وابني الذي لم أنجبه أن يعود بي.
نبض