17-06-2021 | 20:13

كتاب عن أسطورة الرمّان... من شكسبير إلى ريلكه

"الرمان: تاريخ وحكايات من حول العالم"، هو عنوان كتاب الباحث الألماني بيرند برونر، الذي صدر في العام 2018، وصدر أخيراً عن دار "العربي للنشر والتوزيع" في القاهرة بترجمة سمر منير، ويتألف من 152 صفحة من القطع الوسط. وهو كتاب طريف، يأتي ضمن سلسلة كتب أصدرها برونر تستكشف العلاقة بين الإنسان وكل ما يبدو بسيطاً في ظاهره.
كتاب عن أسطورة الرمّان... من شكسبير إلى ريلكه
Smaller Bigger

 

 

"الرمان: تاريخ وحكايات من حول العالم"، هو عنوان كتاب الباحث الألماني بيرند برونر، الذي صدر في العام 2018، وصدر أخيراً عن دار "العربي للنشر والتوزيع" في القاهرة بترجمة سمر منير، ويتألف من 152 صفحة من القطع الوسط. وهو كتاب طريف، يأتي ضمن سلسلة كتب أصدرها برونر تستكشف العلاقة بين الإنسان وكل ما يبدو بسيطاً في ظاهره.

 

عبر هذا الكتاب، يأخذنا المؤلف في رحلة الى تاريخ ثمرة الرمان، بكل معانيها ورموزها والأساطير التي دارت حولها، متوقّفًا عند نظرة الأدباء اليها وكيفية توظيفها في مؤلفاتهم، إضافة الى قيمة هذه الفاكهة عند الانسان، على اختلاف العصور، وطُرق استخداماتها في الطب وفي الطعام.

 

أنواع لا تُحصر

برغم صغر حجم هذا الكتاب، إلا أنه يحتوي معلومات تكاد تكون وافية بالنسبة إلى المحاور التي يغطيها، ومع ذلك فإنه يفتح الباب للمزيد مما يمكن أن يكتب عن تلك الفاكهة العجيبة.

ويمكننا هنا أن نذكر معلومات ذات صلة بالرمان لم ترد في كتاب بيرند برونر، منها أن ذكر تلك الثمرة تكرر في القرآن الكريم ثلاث مرات وثلاثين مرة في الإنجيل. ومن المعلومات المتداولة كذلك أن هناك 250 نوعاً من الرمان صالحاً للطعام و13000 نوع للأبحاث الزراعية. إلا أن برونر يؤكد في كتابه أنه لا يمكن لأحد أن يحيط اليوم علماً بأنواع الرمان كافة، وكم عددها بشكل إجمالي، وأي منها حتى يمكن أن يشبه الآخر، مشيراً في هذا السياق إلى أن في تركمنستان وحدها ما يزيد على ألف نوع من الرمان.

وبحسب ما ورد في كتاب برونر: يرجع أصل شجر الرمان إلى المنطقة الشاسعة بين تركيا وإيران، والتي تمر بها أرمينيا، حيث كانت تزرع في كثير من الأحيان مع أشجار التين. أما في المناطق الأكثر جفافاً، فكانت ثمار الرمان تنمو إلى جوار النخيل. وقد عرفت بلاد فارس وبلاد الشام زراعة الرمان قبل ثلاثة آلاف سنة.

 ومن المحتمل أن تكون ثمار الرمان قد وصلت إلى شمال أفريقيا واليونان وآسيا الصغرى، في حقائب التجار والبحارة الفينيقيين قبل ألفي عام. وهناك مؤشرات على أن الرمان وصل إلى الصين من سمرقند عام 50 قبل الميلاد، ومنها إلى اليابان وعموم جنوب شرق آسيا.

وتختلف ثمار شجرة الرمان البرية عن تلك المزروعة بأساليب منهجية، فالأولى أصغر حجماً. ويرجح أن شرب عصير الرمان كان يخضع في العوالم السحرية السالفة لتحفظات أو أنه كان يعد من المحرَّمات، وذلك بسبب لونه الشبيه بلون الدم.

وهناك نوع من الرمان ينمو في جزيرة سقطرى اليمنية ويسمى "ريهيني"، مذاقه مُرّ جدًا وله أوراق وردية اللون. ويرجح عالِم النبات الألماني نوربرت كيليان، أنه أقدم من الرمان الذي نعرفه، وغالبًا فإن النوعين ينتميان إلى عائلتين متقاربتين، وينحدران من أصل لم يعد له وجود. وتوجد في كاليفورنيا زراعة كثيفة لنوع من الرمان يسمى "وندرفل"، يتم تصديره إلى عدد من دول العالم، منها كندا والمكسيك وأستراليا وروسيا. ولكن الهند تنتج وحدها نصف محصول الرمان على مستوى العالم.       

 

الرمان في الأدب

ووفقاً للجهد البحثي للمؤلف فإن فطائر الـ "قنبر" الذي اعتبرته جولييت بطلة مسرحية شكسبير عندليباً كان يقف على فروع شجرة رمان. في حين أن أوسكار وايلد أعطى مجموعة حكايات له عنوان "بيت الرمان"، كما ألَّفت إديث وارتون رواية بوليسية تلمح إلى حبَّات الرمان المشؤوممة للإلهة "بروسيربينا"، وهي المقابل الروماني للإلهة "بيرسيفون".

الألوان المعبرة عن الاشتياق عند يوهان فولفغانغ غون غوته، كانت لون ثمار الليمون الأصفر ولون البرتقال الذهبي، وكانت هذه الألوان تجعل إيطاليا بالنسبة اليه بمثابة جنة على الأرض؛ لكن لم يتحقق هذا مع لون ثمار الرمان الأحمر، إلا أن غوته أورد ذكر ثمرة الرمان على كل حال في مسرحية "بروسيربينا".

كانت ثمار الرمان تعد رمزاً للعودة، في سلسلة قصائد "ذكريات من اليونان" للشاعر إيمانويل غايبل: "تأتي ثمار الرمان والكرْم / مسالمة في كل عام / وكم أن الحياة جميلة اليوم / مثلما كانت سابقاً".

وفي كتاب "التاريخ الطبيعي" الصادر في 1828 لوليام كاربنتر، ما يفيد أن عصير الرمان كان يستخدم في العصور القديمة في كل موضع يُستخدَم فيه عصير الليمون، أي سواء في إعداد اللحوم أو المشروبات. وتوصلت عالِمة الأدب النمساوية كارين كرانيش إلى اكتشاف أنه في العصور الوسطى كان يُضاف مذاقٌ لطبق "روماننانيه"، وهو عبارة عن يخني مُعَد مِن اللحم البقري أو لحم الضأن الممتزج بالخضراوات، بوضع عصير رمان حلو وآخر حمضي، وهو الطبق الذي ورد ذكره في "كتاب المطبخ" المنشور في بغداد عام 1226، كما ورد ذكره في "كتاب المطبخ" الإيطالي عام 1300 تحت اسم "دي رومانيَّا".     

وكتب ريلكه في الأول من أكتوبر 1907 إلى زوجته كلارا من باريس عن ثمرتي رمان اشتراهما: "كم أنهما رائعتان بوزنهما الضخم، في أعلاهما زخرفة منثنية في جانبها المزهر المميَّز، وتبدوان كأنهم أميرتان بقشورهما الذهبية، وتتخللهما حُمرة ترافق اللون الذهبي". وفي موضع آخر ترجم ريلكه عن بول فاليري قوله: "ثمار رمان نصف مفتوحة ضيقة / كادت تفقد حياتها / أنتم بالنسبة لي مثل جباه / تفجَّرت بسبب أفكارها بقوة".

 

بين الشرق والغرب

كما أورد مؤلف أدب الرحلات السويسري نيكولا بونير ذكر ثمرة الرمان في تقريره الأسطوري "تجربة العالم"، ملاحظاً وجودها في شهر نوفمبر بالقرب من مدينة تبريز، غرب إيران. وتتحدث رواية الأفغاني المقيم في أميركا خالد حسيني؛ "عداء الطائرة الورقية"، عن صديقين، ينتميان إلى مذهبين دينيين مختلفين، يقضيان جزءاً كبيراً من وقتهما تحت ظلال شجرة رمان، ويحفران اسميهما فوق جذعها، وبعد أن يتعرض أحدهما لاغتصاب شنيع، تتحطَّم تلك الصداقة وتتوقف الشجرة عن حمل أي ثمار.

ووضع فريدريش موتمان كتاباً ضخماً عن شجرة الرمان في تاريخ الفن، وبحسب برونر فإنهم في جزيرة كوس اليونانية كانوا يحتفلون ببداية العام الجديد بتعليق أكاليل من الرمان على جدار الأيقونات واللوحات الدينية. ويضيف أن في جزيرة كارباتوس، تعلق السيدات على أعمدة المنازل أكاليل الرمان طوال العام، ويتم فتح ثمرة رمان عند عتبة المنزل، وهي عادة المرأة المتزوجة حديثاً عند دخولها منزل الزوجية للمرة الأولى.

وفي كتاب "مشاهدات من الشرق" ليوهان إرنست فابر، بحسب مؤلف كتاب "الرمان"، وردت إشارة إلى سكان حلب الذين كانوا يعرفون نوعاً من الرمان يجمع بين المذاقين الحلو والحمضي، وكانوا يحرصون على أن يضيفوا إلى الحساء حمضاً مستخلصاً من هذا النوع.

في عصور سالفة أُستخدِم عصير الرمان باعتباره حِبراً للكتابة، وفي تلوين السجاجيد المغزولة في بلاد الشرق. وأخيراً يورد برونر في كتابه أنه جرى تطوير جهاز يمكن الاستعانة به لفصل الحَبَّ عن الثمرة بصورة آلية، ملاحظاً أن مذاق العصير المستخلص مباشرة أقل مرارة من ذلك المستخلص من قلب الفاكهة، في حين أن بعض المصانع تستخدم جزءاً من القشر والغلاف الداخلي أو تطحنه لاستخلاص أكبر قدر ممكن من مكونات الثمرة.

 

"وحدها شجرة الرمان"

ومما لم يرد في الكتاب أن الكاتب العراقي سنان أنطون في روايته "وحدها شجرة الرمان" يفتتح بسردية حكائية بسيطة تفاجئك أحياناً بانعطافاتها إلى صور حلمية فنتازية، متقطّعة بحسب خطوات السيناريو السينمائي، على مشهديات الموت الذي يلتهم قلب بغداد المحتلة، والذي يظل ماثلاً أمام ناظري "جواد" الذي يمتهن غسل الأموات وتكفينهم، بعد ان تعلّم أصول المهنة ومبادئها وأسرارها على يدي أبيه، وهناك نقاد، لاحظوا تناصاً بين تلك الرواية ونصوص أوسكار وايلد في كتابه السريد "بيت الرمان".

ويمكننا أن نضيف في سياق أمثلة تجليات ثمرة الرمان في الأدب العربي الحديث، رواية "سرير الرمان" للمصري أسامة حبشي، ومن جوها: "تلوم عليَّ عشق الرمان وتناست أنها إله الرمان، ترمي بحجر في حجري وتمضي، وتعود لتسألني هل أنبت الحجر؟ أقول: الحجر ينتظر فقط ماء المحياة لكي يثمر. تضحك وتقول بعتاب: وهل كل رمانك نضُبَ منه الماء؟ أعذرها ولا أهمس، تنحني وتقبل بطن كفي اليسرى وتلك عادتها عندما تعلن مسامحتها لى عما فعلته أمس مع غيرها وتعقب دائماً بكلمتها المفضلة حيَّرتني يا رمان".

وفي الغناء هناك أغنية محمد منير الشهيرة والتي يعارض مؤلفها أغنية فولكلوية، يقول مطلعها "ادحرج وأجري يا رمان، وتعالى على حجري يا رمان". تقول كلمات أغنية منير: "رمان خلاص انفرط حبك ولا همني / انت اتماديت في الغلط ومقولتش لمني/ ذنبك بقى على جنبك روح لا تجيني لا تضمني / اوعى بلاش تجري يا رمان/ و لا تيجي على حجري يا رمان".

وقديماً، تبارى شعراء عرب في وصف الرمان، ومنهم أبو هلال العسكري القائل: "حكى الرمان أولَ ما تَبَدَّى/ حِقَاقَ زَبَرْجَدٍ يُحْشَوْنَ دُرَّا / فجاء الصيف يحشوه عقيقًاً /     ويكسوه مُرور القَيْظِ تِبْرا". وأبدع آخر في وصف رمانة مشقوقة يتساقط حبُها فقال: " كَتَمَتْ هَوًى قد لَجَّ في أشْجَانِهَا / وَحَشَتْ حَشَاها من لظى نيرانها / فتشقَّقَتْ عن حَبِّــها وَجْداً / وقد أبدت خفا كُتْمانِهَا".

 

 


العلامات الدالة