20-02-2023 | 06:15

"قارئ الجثث" سيدني سميث... أول من اكتشف جرائم ريَّا وسكينة

كثرت الأعمال البحثية والدرامية التي "أرَّخت" لأشهر حادثة جنائية عرفتها مصر في النصف الأول من القرن العشرين، والتي عرفت باسم "قضية ريا وسكينة"، وهي قضية قتلٍ متسلسل، ضحاياه من النساء. وعلى كثرة تلك الأعمال، إلا أنها تجاهلت ذكر صاحب الفضل الأول في فك لغز تلك القضية، وهو طبيب التشريح البريطاني سيدني سميث. وذكر سميث تفاصيل صلته بتلك القضية في مذكراته التي صدرت عام 1956 تحت عنوان "على الأرجح قتل"، وهي "واحدة من الشهادات المنسية عن عالم الجريمة في مصر"، بحسب الباحث مصطفى عبيد الذي ترجمها إلى اللغة العربية (الدار المصرية اللبنانية) تحت عنوان "قارئ الجثث".
"قارئ الجثث" سيدني سميث... أول من اكتشف جرائم ريَّا وسكينة
Smaller Bigger

كثرت الأعمال البحثية والدرامية التي "أرَّخت" لأشهر حادثة جنائية عرفتها مصر في النصف الأول من القرن العشرين، والتي عرفت باسم "قضية ريّا وسكينة"، وهي قضية قتلٍ متسلسل، ضحاياه من النساء.

وعلى كثرة تلك الأعمال، إلا أنها تجاهلت ذكر صاحب الفضل الأول في فك لغز تلك القضية، وهو طبيب التشريح البريطاني سيدني سميث. وذكر سميث تفاصيل صلته بتلك القضية في مذكراته التي صدرت عام 1956 تحت عنوان "على الأرجح قتل"، وهي "واحدة من الشهادات المنسية عن عالم الجريمة في مصر"، بحسب الباحث مصطفى عبيد الذي ترجمها إلى اللغة العربية (الدار المصرية اللبنانية) تحت عنوان "قارئ الجثث".

وبحسب عبيد أيضاً، فإن تلك المذكرات تنطوي على كنز ثمين، أولاً لما تتضمنه من فصول كاشفة حول بعض الجرائم التاريخية في مصر، وثانياً لما تحتويه من حكايات مثيرة من أماكن أخرى خارج مصر حول جرائم القتل والانتحار ودور الطب الشرعي في كشفها.

ولاحظ عبيد في تقديمه لترجمته أنه مثل كثير من شهادات الخبراء الإنكليز في مصر إبان الاحتلال، فقد نالت مذكرات سيدني سميث "نظرة الارتياب والرفض المسبق من باحثينا في ظل فورة تحرر مصر من الاحتلال وما تلا ذلك من مقاطعة وطنية لكل ما هو إنكليزي، بما في ذلك البحث العلمي".


قضى سيدني سميث 11 عاماً في مصر خلال الفترة من بداية 1917 إلى نهاية 1927 واحتك بالمجتمع خلال مرحلة مهمة من مراحل تطوره عقب ثورة 1919، في التعليم والثقافة ومختلف مناحي الحياة، كما تابع قضايا جنائية وسياسية عجيبة انحاز فيها إلى ضميره العلمي، قبل انتمائه الوطني. وهذا جعله، بحسب مصطفى عبيد، يكشف في بعض الأحيان كيف كانت سلطات الاحتلال البريطاني توظف لصوصاً سابقين للعمل كخفر غير نظاميين، ثم تستخدمهم في قتل المتظاهرين وإثارة الشغب لتحقيق أهداف سياسية، بل إننا نجده يشهد في إحدى المرات لصالح سجين تعرض للتعذيب.

المترجم مصطفى عبيد

 

وصف دقيق

ولاحظ عبيد أن سيدني سميث يقدم في مذكراته وصفاً دقيقاً وموجعاً للقرى المصرية في بدايات القرن العشرين، وكيف كانت مرتعاً للبؤس والحرمان وموطناً للأمراض النادرة، ومركزاً للجهل والإهمال، ما جعلها حقلاً خصباً لمختلف أنواع الجرائم وطرق القتل بدءاً بالتسميم بالزرنيخ وحتى الخنق وتقطيع الضحية. 


ولا يجد سميث بأساً في أن يبدي آراء معتدلة وموزونة بميزان العلم عند تحدثه عن عقائد المصريين وعاداتهم، من دون استعلاء أو تعمد إساءة، مثلما فعل كثيرون غيره من الأجانب.


ولد سميث في نيوزيلندا في 4 آب (أغسطس) سنة 1884، والتحق بالعمل طبيباً في الجيش البريطاني مع انطلاق شرارة الحرب العالمية الأولى، وعين مستشاراً للطب الشرعي للحكومة المصرية عام 1917. وفضلاً عن تأسيسه وحدة الطب الشرعي ضمن قطاعات وزارة العدل المصرية، عمل سميث محاضراً في كلية طب قصر العيني وتتلمذ على يديه عشرات الأطباء المصريين. وأصدر بمشاركة عبد الحميد عامر كتاب "الطب الشرعي في مصر" سنة 1924، ثم عاد إلى إنكلترا ليتولى عدداً من المناصب في  مجال الطب الشرعي وليحقق في قضايا كبرى، وتم تعيينه عميداً لكلية الطب في إدنبرغ وحاز تكريمات عديدة بعد نجاحه في حل ألغاز قضايا جنائية عديدة، وفي سنة 1955 استقبلته كلية طب قصر العيني في مصر وقامت بتكريمه، ثم تقاعد قبل أن يتوفى في 9 أيار (مايو) 1969 في اسكتلندا عن 86 عاماً.

 

 

قتل النساء

تعتبر "قصية ريا وسكينة" أشهر القضايا التي عمل سميث على فحص جثث ضحاياها من النساء خلال فترة عمله في مصر، والتي بدأت أيضاً بكشف غموض مقتل امرأة، بعدما أرسلت الشرطة إلى معمله ثلاث عظام لتحديد ما إذا كانت ترجع إلى إنسان أم إلى حيوان.


ويقول سميث عن تلك الواقعة التي ترجع إلى العام 1917: "بعد أيام من الفحص والدراسة كتبتُ تقريراً قلتُ فيه إن هذه عظام سيدة شابة، قصيرة القامة، نحيلة القد، يتراوح عمرها بين 23 و25 عاماً عند وفاتها والتي مرّ عليها ثلاثة شهور، وذكرت أن هذه السيدة حملت مرة أو أكثر، وأن ساقها اليسرى أقصر قليلاً من ساقها اليمنى، لذا فإنها مصابة بعرج ناتج من مرض شلل الأطفال".


ذكر سميث في تقريره هذا أيضاً أن تلك السيدة قتلت ببندقية محشوة بطلقات مصنّعة محلياً من وضع أفقي على مبعدة ثلاث ياردات، وكان القاتل واقفاً أو جالساً قبالتها ومائلاً قليلاً إلى اليسار، ولم تمت الضحية على الفور، ولكنها ماتت بعد إصابتها بنحو سبعة إلى عشرة أيام!


وهكذا وجدت الشرطة أن عليها القيام بالتحريات اللازمة لتحديد هوية القتيلة وهوية قاتلها، في نطاق يشمل عدة قرى، قريبة من موقع العثور على العظام.

توصلت الشرطة إلى أن الضحية كانت تعيش مع والدها بعد طلاقها. وتبيَّن أن الأب هو القاتل، وأن الرصاصة التي تسببت في موت ابنته خرجت خطأ من بندقيته غير المرخصة، وأنه اضطر إلى إلقاء الجثة في بئر مهجورة، ثم عاد وأخرج الأشلاء إلا العظام الثلاث، وألقاها في النيل، وظنَّ أن صفحة طويت من دون أن يكون هناك أي احتمال لكشف حقيقة ما حدث ومن ثم وقوعه تحت طائلة القانون.

صفان من الجثث
أمّا الخيط الذي أوصل إلى جرائم ريا وسكينة فتمثَّل بحسب رواية سميث التي أوردها في الفصل الخامس من مذكراته تحت عنوان "مهنة القتل"، في تلقيه خلال صيف 1920 عظمة اكتشفت مصادفة، فقد كانت هناك مجموعة من العمال يحفرون مصرف مياه على جانب أحد الطرق في مدينة الإسكندرية، وانهار الشق فجأة. وبين الركام، لمح أحد العمال العظْمة فالتقطها وسلمها للشرطة. وبعد أن قرر سميث أنها تخص إنساناً، قررت الشرطة التنقيب في المكان، وسريعاً ما اكتشفوا أجزاءً أخرى من هيكل عظمي، كان واضحاً أنها قادمة من أسفل منزل مجاور لشق الصرف.
ويقول سميث: "لما عرفت بالأمر ذهبت إلى الإسكندرية، وأجريتُ معاينة للمنزل. كان البناء بسيطاً ولم تكن أرضيته مبلَّطة؛ لذا فقد أمرتُ بحفرها، وبدأت اكتشف آثار زمن ولَّى لتتوالى حكايات مرعبة".
ويضيف: "كان أول جسد عثرنا عليه قريباً من سطح الأرض يخص أنثى شابة في هيئة حفظ جيدة تدل على أن الدفن لم يمر عليه وقت طويل، وأن سبب الوفاة كان الخنق. ثم وجدنا جسداً آخر على مقربة من الأول، وتوالى ظهور الأجساد، وكأننا عثرنا على مقبرة جماعية. وبعد الجولة الأولى من التنقيب وجدنا سبعة أجساد في صف، وبعد إخراجها كان تحتها صف آخر ليرتفع العدد إلى 14 جثة ممددة مثل السردين تحت أرضية غرفة واحدة". ومن الأمور المهمة التي يذكرها سميث في هذا الصدد هو أن الشرطة لم تكن تعلم بأي من هذه الجرائم حتى حدث التسرب في المصرف العمومي. وبفحص الجثث تبيَّن أنها تخص نساءً تتراوح أعمارهن بين الثامنة عشرة ومنتصف العمر، ثم جرى الكشف بعد ذلك عن أنهن كن يحترفن الدعارة... "وذلك يفسر الصمت على اختفاء تلك النسوة، إذ لا يهتم كثيرون باختفاء عاهرة".


وبالطبع تم الكشف أيضاً عن أن وراء تلك الجرائم شقيقتين كانتا تستدرجان الضحايا ليتولى زوجاهما قتلهن خنقاً، وسرقة ما ترتدينه من حلي ذهبية. ولاحظ سميث في هذا الصدد أنه "كان من المألوف للنساء، خباصة في هذه الفئة، أن يحولن كل ما لديهن من مال إلى حلي ذهبية يرتدينها، تحت تصور أن ذلك أكثر أماناً من تركه في المنزل أو إيداعه في البنك، ولكن في حقيقة الأمر فإن ذلك كان مثيراً لطمع الآخرين وباعثاً على الخطر".


كانت ريا وسكينة، وفق مذكرات سميث، يلتقطن ضحاياهن بعناية شديدة. لقد كن يخترن الداعرات الناجحات في عملهن بعد أن يوهمهن بلقاء أثرياء قادرين على الدفع جيداً؛ لذا فقد كن يلبسن أفضل ما لديهن، وما يمتلكن من حلي خوفاً عليها من السرقة. وبعد وصول الضحايا إلى المنزل يمضي الأمر بسهولة شديدة، حيث تُقدَّم القهوة انتظاراً لوصول الزبون. وفي أثناء ذلك يقوكم زوجا ريّا وسكينة بسد أنف الضحية من الخلف لتفقد وعيها سريعاً، ثم يتم تجريدها من ملابسها وحليها ليوضع جسدها إلى جوار زميلاتها تحت الأرض.            
                        

الأكثر قراءة

اقتصاد وأعمال 4/3/2026 6:20:00 AM
"النهار" تلقي الضوء على تفاصيل المشروعات السورية الخمسة لربط الخليج بالبحر المتوسط وأوروبا، وأهميتها والتكلفة الاستثمارية لها، والتحديات التي تواجه هذه المشروعات، والعائد الاقتصادي لهذه المشروعات سواء على الاقتصاد السوري أو على اقتصادات الخليج
ايران 4/3/2026 3:13:00 PM
وكانت إيران قد أعلنت، في وقت سابق من اليوم الجمعة، أنها أسقطت طائرة من نوع إف-35 أميركية الصنع فوق أجوائها، وأشارت إلى أن مصير الطيار "ما زال مجهولاً".
اسرائيليات 4/2/2026 6:02:00 PM
ظاهرة لافتة في تل أبيب تمثّلت في تحليق كثيف لأسراب الغربان، بالتزامن مع استمرار الحرب والهجمات الصاروخية
اسرائيليات 4/3/2026 9:21:00 AM
الجيش الإسرائيلي: مخطط لإطلاق صاروخ مضاد للدروع نحو أراضي دولة إسرائيل