الموريتاني عبد الله ولد محمَّدي يكتب سيرته الإعلاميّة... بذاكرته
لا مبالغة في أن أطلق عليها لقب "صاحبة الجلالة"، فهي بلغت شأوًا عظيمًا في المكانة والقدرة على التأطير وصنع الرأي العام وتحسُّس نبض الواقع، فضلًا عن المهمة الإعلامية للبحث عن الخبر في مصادره الأصلية ونقله وإحاطة العموم به، بما يقتضي من دقة ونزاهة ومسؤولية ويفيد في الإخبار والتنوير.
وُجدت الصحافة لتكون لسانَ أحزابٍ وهيئاتٍ وكُتّابٍ ومرآةَ مجتمع وصدى عصر، بل هي العصرُ الحديث برمّته في صورة الإعلام السمعي البصري والمكتوب، كأن الحياة لم توجد قبلها الّلهم في ما يدوّنه المؤرخون متأخرين لا حاضرين في اللحظة والموقف.
ظهر الصحافيون الذين اتخذوا منها مهنة ليصنعوا وضعًا غير مسبوق لا يفهمه بعمق إلا من يمارسونه لا القارئ العابر، رغم أن الصحيفة عمومًا للاستهلاك العابر، لكن هي قبل ذلك مضمار لممارسة وعيهم وتبليغ رسالة هادفة، فهكذا هي الصّحافة في أصلها حين وحيثما وُجدت: خبر وقضية، لطبقة وفئة اجتماعية وسياسية ومصلحة اقتصادية، وهذا من المسلّمات، وإن كانت الحاجة للتذكير به مطلوبة نظرًا للتنوع والتعدد الذي مسّ هذا الميدان والثورة التكنولوجية التي أطلقت كثيرًا من العفاريت بألسنة فصيحة وصاخبة وهجينة، وكله بخطاب الإعلام وزعم خدمة الجمهور وتلبية حاجات مفترضة، في عالم نصف افتراضي.
للصحافة العربية تاريخ حافل متعدّد الحلقات من نواحي ظروف نشأتها ورجالاتها ومجالات اهتمامها، والمعارك التي خاضتها في جبهات المجتمع والسياسة والاستقلال والنضال من أجل تحرير المرآة، ولإرساء أسس نهضة ثقافية عربية شاملة بسلاح الكلمة لنشر وعي جديد.
كانت الصحافة في بلاد الشام ولبنان رائدة في هذا الميدان، وانتقلت شعلتها إلى مصر ومنها إلى سائر البلدان العربية، في عقدها المنظوم موريتانيا التي وإن تأخر فيها ظهور المنابر الصحافية، إلا أنها قدمت أقلامًا نابغة بالعربية والفرنسية، شغلت في البداية بأوضاع البلاد الداخلية، ثم ما لبثت أن انتقلت إلى آفاق أجنبية، بالمراسلة أولًا، ثم العمل مباشرة في مؤسسات مرموقة.
يحضر عبد الله ولد محمَّدي في طليعة هذه الأقلام، يمتلك اليوم رصيد أربعة عقود ونيف من التحرير والمتابعة المنتظمة للحوادث الوطنية والعربية والدولية، بالبحث عن الخبر لا نقله، واستقصاء مصادره ورصد أجوائه حيث يولد وتندلع حوادثه، ولذلك، وبعدما ضاقت بموهبته وفضوله صحيفة "الشعب" الموريتانية الأولى (تأسست سنة 1975 باسم الوكالة الموريتانية للصحافة على يد محمد الحافظ) التي عمل بها منذ مطلع الثمانينات، وجد المكان الرحب في صحيفة "الشرق الأوسط" وهي يومئذ في الصدارة، وطوّر عمله بإعداد تحقيقات لقناة "الجزيرة" ثم انطلق بعد ذلك وحده ومع شركاء يجوب الآفاق العربية والأفريقية والأجنبية، وهو حاليًا يدير وكالة إخبارية كبرى من بلاده باسم "صحارى ميديا"، رابطًا أقوى الصِّلات مع رؤساء دول بعدما حاورهم، ومع مدراء ورؤساء تحرير كبريات الصحف من كل الجنسيات، التقاهم في مؤتمرات وجبهات وأزمات وبين قارات، وكوّن معهم علاقات منها ما نضج صداقات. هذه الزمرة من العائلة الصحافية اختار منها عبد الله ولد محمدي أربعة عشر شخصًا شخصية صحافية تمرست بهذه المهنة وتميزت أسلوبًا ومنهجًا ومواقف من عديد وجوه، يُكِنّ لها الوِدّ ويضعها في مقام الاعتراف، بعدما تقاطع معها في محطات صعبة ودروب متشابكة تُمتحن فيها الكفاءة ويُختبر فيها المرء، هل هو صحافي عتيد أم عابر بين السطور.
ذاكرة الصحافي
في تقديمه لكتاب "شهود من زمن" يقول الصحافي اللبناني القدير إيّاد أبو شقرا، وهو خرّيج مدرسة النهار أولًا، إن القارئ يجد عنده "عصارة تجربة متميزة وحكايات عن 16 صحافيًا عرفهم عن كثب... صداقات امتدت منذ فترة تسعينات القرن العشرين واستمرت حتى الألفية الثالثة"، وبهذا الامتداد يصف عمله بـ"الكتاب ـ الوثيقة" و"سجل توثيقي وشخصي ثمين لمسيرة مهنية تستحق الإعجاب". والأمر كذلك، فمن سيطالع الكتاب سيجد فيه نزعة حنينية إلى زمن ذهبي للصحافة، عربية وأجنبية، يعتبرها مثالًا وصحافييها قدوة.
سينتبه إلى خصلة الوفاء لما قدمه رواد ومعلمون، وهذه خصلة أخلاقية محمودة؛ وسوف يحصل في الجوهر على كمٍّ وافر من المعلومات يتصل بوقائع محددة تصبح موجودة مرة ثانية وواقعية ملء السمع والبصر، لأن هناك من غامر بحياته لينقلها إلى العالم، فهذه مهنة الأهوال والخطر.
ولا بد من التنويه بأن القارئ سيجد بين يديه كتابًا طريفًا في نوعه، فريدًا في تناوله، سلسًا في أسلوبه، مفيدًا بأخباره ما أكثرها، وبغزارة معلوماته، فليس مثل ذاكرة الصحافي إذا شرَع يروي، لنستحضر، مثلًا، مذكرات محمد حسنين هيكل، مشوِّقًا بطريقة سرده، لراو شفوي من أرض شنقيط تسيل الحكاية على لسانه وقلمه، فترى بعينه وتسمع بأذنه وتهبط إلى قاع النفس البشرية المرصودة على سلالم حفره ونبشه واستكناهه، وبذلك يصبح كتاب ولد محمدي سيرة أدبية بعد صورته وليمة أوسمة علقها على صدور مستحقين في مهنة حرجة وخلاقة.
إنهم "شهود زمن" عنوان كتاب ولد محمدي (المركز الثقافي للكتاب، الدار البيضاء، 2022) صحافيون من زمرة صداقاته وعلاقاته أو تقاطع معهم في الدروب المتشابكة لمهنة الأهوال والمفاجآت، بين أجانب وعرب، وأغلبهم كرّس حياته للسلطة الرابعة ليجعلها الأولى، يتقدمهم بجدارة الإنكليزي روبرت فيسك، عنده أنه "رجل لا يتكرر" بحكم مهنيته العالية وعمله في منابر دولية، التايمز، الغارديان والأندبندنت، صحافيًا مراسلًا من عواصم العالم وحيث جبهات المعارك (اجتياح العراق للكويت، الحرب في يوغسلافيا، رصد نظام القاعدة، لقاء بن لادن) حاملًا تحت إبطه ديوان حكام ووقائع النصف الثاني من القرن العشرين إلى رحيله عام 2022.
اللبنانيان سامي كليب مراسلًا في باريس أولًا لصحيفة السفير، ثم بإذاعة فرنسا الدولية ومعدّ برامج رحلية لقناة الجزيرة، وعبد الرحمان بدر خان أحد أقطاب الصحافة اللبنانية، يتتبع غوايته بالجريدة منذ يفاعته وفي بيت العائلة التي أرادت له تكوينًا علميًا، فأرسل إلى باريس لدراسة الطب سرعان ما عافه، فقد كان المحرر الأول في جريدة "الكلية الشرقية"، وها هو يعود إلى لبنان ليدرس التاريخ والإعلام في الجامعة اللبنانية، وهو طالب فيها انتدب متدرّبًا في "النهار" وهي مدرسة الصحافة الحقيقية، ثم انتقل بعد الحرب إلى تجربته الراسخة في "النهار العربي والدولي" ثم في جريدة "الحياة" إلى تاريخ احتجابها أيلول/ سبتمبر 2019).
لقاءات وأسرار
يتوقف عبد الله ولد محمدي بعناية عند شخص وشخصية الإعلامي السعودي عثمان العمير، رئيس تحرير رائد وموجه لجريدة "الشرق الأوسط" وصديقًا عاشره طويلًا، مركزًا على دوره في تحويل هذه الجريدة إلى قطب إعلامي عربي جمعت كبار الأقلام على صفحاتها، فما أنجزه من حوارات مع ملوك ورؤساء عرب وأجانب (فهد بن عبد العزيز، الحسن الثاني، جاك شيراك، غورباتشوف...) وذاع صيته حتى وصف بجليس الرؤساء والملوك، يستخرج منهم الأسرار ويبوحون له بدون حجاب، مبرزًا مهاراته وتطويره للخط التحريري بالانتباه للصغيرة إلى جانب الكبيرة وإيلاء الاهتمام للهوامش مع المركزيات، انتهاءً بتجربته الرائدة في تأسيس الصحافة الإلكترونية العربية من موقع "إيلاف" جاءت بعده عشرات المواقع.
يتحدث ولد محمدي عن علاقاته في عالم الصحافة بذاكرة خصبة، جمعت المعلومات عبر سنوات وخاضت غمار أسفار تنقلت فيها بين قارات وحوادث جسام منذ بدأ العمل منذ الثمانينات في جريدة "الشعب" اليومية الموريتانية الوحيدة، ليحلق بعدها بأجنحة الشرق الأوسط في الآفاق، فيتعرف على العجم والعرب، والآسيويين، يخص بالذكر منهم الياباني ساداموري دايجي من صحيفة آساهي، ثاني أكثر الصحف انتشارًا في اليابان بعد جريدة يوميوري (9 ملايين نسخة بين الطبعتين الصباحية والمسائية) بـ300 مكتب في الداخل وثلاثين في الخارج، تعرّف عليه ولد محمدي في موريتانيا لمّا حلّ بها، يقتفي أثر أتباع بن لادن وأصداءه. وهاكم سيدي الأمين رائد الصحافة العربية في السنغال، الأفريقي العربي الذي درس في الأزهر وقُم معًا، وأسس في دكار صحفًا عربية ووكالة أنباء وإذاعات وقناة تلفزية، وتصدى لحكام ولهيمنة الإعلام والثقافة الفرنكفونية، ووحده يلخص تجربة أفريقية في الميدان. وبالطبع، لم ينس ابن بلده حبيب محفوظ في صحيفة (موريتاني نوفيل) بالفرنسية، ثم في "القلم" الأقوى والأنضج والأعمق تأثيرًا في الوسط، ومن قلمه بالذات "إذ عرف بعمود شهير يقلق الحكام والسياسيين في نواكشوط "موريتانيد" "كانت الزاوية الأكثر مقروئية بين الموريتانيين من ذوي الثقافة الفرنسية، نخبة البلاد السياسية والعسكرية والاقتصادية". ولا يغفل ولد محمدي كذلك عن تذكّر أصدقائه المغاربة، منهم الراحل محمد الأشهب صاحب مسيرة غنية ومتنوعة في الصحافة المغربية، ومحمد بوخزار سقط صريعها أولًا في جريدة العلم، احتضنه رائدان من كبار الصحافيين المغاربة هما محمد العربي المساري، ومصطفى اليزناسني. وأخيرًا، حاتم البطيوي السهم المشدود منذ بداياته إلى قوس "الشرق الأوسط"، وفيها يبلو البلاء الحسن بين الرباط ولندن. هذا ولن يفوت القارئ النبيه أن هوامش هذا لكتاب تمثل وحدها ذخيرة من المعلومات التاريخية عن العرب والعالم، عبارة عن بيوغرافيا لكل الأعلام الواردة أسماؤهم في المتن، وهذا زيادة في التوثيق والتعريف.
هي تجربة عمر، غنية ومهنية وإنسانية، سجلها ولد محمّدي وكأنه يكتب سيرته الذاتية عبر الآخرين. نعم، فللرجل تجربة ناجحة في كتابة الرواية، ولا بد يذكر بين الروائيين الموريتانيين وهم قلة ولهم تجارب جيدة غير معروفة من أسف كما ينبغي، أضف أنه لا يعلى على لغتهم ودقة وصفهم للبيئة وتقديمهم صيغة سردية تزاوج بين التربة الصحراوية وبين زمنين والشكل العصري للرواية. لذلك وغيره أقول إنها سيرة تُقتدى، وعلى أهل هذه المهنة الشاقة أن يتعلموا منها خلق الوفاء والاعتراف بدل التنابز بالألقاب والتباغض لأن الصحافة وهي إعلام يبنى على أخلاق ومبادئ.
نبض