هل تحلّ العملات المشفّرة محلّ العملات العالمية؟
في العام 2009، كانت الانطلاقة الأولى للبيتكوين، هذه العملة التي اخترعها مهندس البرمجيات الياباني ساتوشي ناكاموتو في العام 2008، باستخدام خوارزمية "بلوك شين". وكانت قيمتها تُقدّر بصفر دولار. ثم ارتفعت في تشرين الأول/ أكتوبر 2010 إلى عشرة سنتات، ما يعني بحسبة بسيطة أن كل عشرة دولارات تساوي مئة بيتكوين.
بدأ هذا الوافد الجديد – البيتكوين – مساره التصاعدي، إلى أن استحوذ على ثقة المؤسسات المالية – خصوصًا في وول ستريت – الأمر الذي جعلها تعتمد هذه العملة لخدمة عملائها، حيث إن أهمية هذه العملة تكمن في أنّها لامركزية ولا تخضع لسيطرة الحكومات.
من هنا، بدأت شركات كبرى في العالم تعتمد البيتكوين في تعاملاتها – بيعًا وشراءً – ومن هذه الشركات: شركة الاستشارات السويسرية "بيت هوم"، شركة "تيسلا" للسيارات الكهربائية... حتى "البيتزا هت" في فنزويلا أخذت تستخدم العملة المشفرة في بيع منتجها...
من هذا المنطلق، يعتبر كثيرون في العالم أن "العملات المشفّرة" ستكون هي المسيطرة على بقية العملات مستقبلًا في نظام نقديّ جديد، بعيدًا من ضوابط الدول والأنظمة المصرفية.
كانت هذه التوطئة للإضاءة على كتاب "اقتصاد العملات المشفّرة ومستقبل النقود" الصادر حديثًا عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، ضمن سلسلة إصدارات للباحثَين عثمان عثمانية ووداد بن قيراط اللذين مهّدا للكتاب بملخّص تنفيذي، انطلقا فيه بداية من تاريخ سك النقود. واختتماه بافتراض أنّ ما من عملة ستحلّ محل النقود الورق والمعدن المتداولة بحسب الجيل الحالي، من دون أن ننسى أنّه قد يكون للأجيال المقبلة رأي آخر في ذلك.
اعتمد المؤلفان في كتابهما لغة سهلة بسيطة بعيدة من التعقيد والانزياح، حيث يسهل على القارئ فهم الأفكار التي يتوخيانها بسهولة ويسر. فاللغة فيه وسيلة وليست غاية هدفها إيصال الفكرة، إذ استخدما فيها المعاني التعيينية التي تخاطب العقل، لذا فهو كتاب تعليميّ في الدرجة الأولى لأهل الاختصاص، وتثقيفي لمن أراد.

يقع الكتاب في 320 صفحة، ويضمّ بين دفّتيه أحد عشر فصلًا، يفتتحها الكاتبان بلمحة عامة عن تاريخ النقود، ثم يطرحان سؤالًا ليس استفهاميًّا بقدر ما هو تقريري، تمهيدًا للحديث عن أصل النقود وأنواعها على مرّ العصور. ثم يتناولان الثورة الصناعية الرابعة كتمهيد للوصول إلى بروز التكنولوجيا وأساسياتها ومراحلها وأقسام صناعة التكنولوجيا المالية ومحركات ثورتها، لينتهيا إلى طرح السؤال "هل تمثل التكنولوجيا المالية تطورًا أم ثورة" ليعبرا من خلاله إلى الحديث عن العملات الرقمية وأيديولوجيتها وظهور العملات المشفّرة ومفهومها.
إن وظيفة كل بحث تسليط الضوء على الموضوع قيد الدراسة والإحاطة به من جميع جوانبه، ومن هذا المنطلق، لم يكتفِ الباحثان – عثمانية وبن قيراط – بطرح الفكرة ومعالجتها وشرحها، والتطرق إلى أنواعها من البتكوين إلى باقي المنصات والعملات المشفّرة، بل وثّقا لها بمجموعة من الجداول والأشكال واللافتات البيانية التي تضفي الواقعية على الكتاب وتغنيه بالوثائق والأدلة والأرقام.
إن هذا الكتاب يحمل في طياته إلى القارئ العربي المصطلحات والمعاني المرتبطة بالتكنولوجيا المالية والعملات المشفّرة على أنواعها. لذا، يمكننا اعتباره مرجعًا أكاديميًّا للأكاديميين والباحثين وطلبة العلم وحتى القارئ العادي الذي يسعى للتزوّد بالثقافة العامّة، ولكنه في الوقت نفسه لا يُغنيهم عن الاطلاع على الكتب التي تصدر عن هذا الموضوع، خصوصًا أننا نعيش في عصر الإنترنت والتواصل الاجتماعي والتكنولوجيا والمعاملات الإلكترونية، الأمر الذي يفرض أن نطرح على أنفسنا السؤال الآتي: هل ستكون السيطرة للعملات المشفّرة مستقبلًا، كما حلّت العملات الورق مكان النقود المعدن في الماضي؟
نبض