12-03-2023 | 13:17

علوية صُبح تُرمّم ذاكرتنا المعطوبة... بالموسيقى

لا شكّ أنّ علوية صبح، ومنذ روايتها الأولى "مريم الحكايا"، حجزت لنفسها مكانًا مهمًا في تاريخ الرواية العربية، باعتبارها من الأصوات المجدّدة في حركة الإبداع العربيّ عمومًا، والنسائي خصوصًا. ونظرًا إلى مكانتها الثقافية، صارت كلّ رواية جديدة لها بمثابة حدث أدبيّ يجذب القرّاء والنقّاد على حدّ سواء.
علوية صُبح تُرمّم ذاكرتنا المعطوبة... بالموسيقى
Smaller Bigger

منذ روايتها الأولى "مريم الحكايا"، حجزت علوية صبح لنفسها مكانًا مهمًا في تاريخ الرواية العربية، فكانت واحدة من الأصوات المجدّدة في حركة الإبداع العربيّ عمومًا، والنسائي خصوصًا. 

 ونظرًا إلى مكانتها الأدبية، صارت كلّ رواية جديدة لها بمثابة حدث ثقافي يجذب القرّاء والنقّاد على حدّ سواء.

وفي هذا السياق، لاقت روايتها الأحدث "إفرح يا قلبي" (دار الآداب)، تفاعلًا لافتًا، واختيرت ضمن القائمة القصيرة لجائزة الشيخ زايد، كما خصّصت الحركة الثقافية في أنطلياس حفلة تكريم لعلوية صبح، احتفاءً بإسهاماتها في مجال الرواية.

ويأتي هذا العمل كحلقة جديدة في سلسلة ابداعات صُبح، منذ "مريم الحكايا" مرورًا ب"دنيا" و"اسمه الغرام" و"أن تعشق الحياة".

 

 
من يقرأ روايات علوية المليئة بالتفاصيل الصغيرة من صميم واقعنا المعيش، يشعر أنّ خلف هذه الشخصيات امرأة شديدة الحساسية والالتصاق بمحيطها، وبمدينتها، وأحبائها. ولهذا تبدو رواياتها أشبه بلوحة "بازل" ضخمة تبنيها قطعةً قطعةً، وبكثيرٍ من الصبر والدقّة.
 

هي لا تستسهلُ نشرًا ولا تأبه بأرقام، بل إنها تتعاطى مع الكتابة كفعلٍ وجوديّ بحت. تكتب مستجيبةً لدعوة سقراط "اعرف نفسك"، فلا تحكي قصصها من موقع "العارف" بل الباحث عن المعرفة، معرفة ذاتها، مجتمعها، تاريخها، هويتها وهويات الآخرين... ولنقل أيضًا إنها تكتب بحثًا عن الذروة. الذروة في كلّ شيء. ذروة الحب، ذروة البوح، ذروة الإبداع.

وفي بحثها عن هذه الذروة/ المعرفة، فإنها تختار في كلّ مرةٍ أداةً تُعينها على الاستدلال: الحكي/ السرد كما في "مريم الحكايا" أو الجسد كما في "اسمه الغرام"، أو ربما الفنّ مثل الرسم/ الرقص في "أن تعشق الحياة" والموسيقى في روايتها الأحدث "افرح يا قلبي".

 

تكتب علوية بحرارةٍ نستشعرها في كلماتها وعباراتها واستعاراتها، فكأنها من سليلة "بروميثيوس"، سارق النار في الميثولوجيا الإغريقية، الذي دفع غاليًا ثمن "ناره" كي تبعث نورًا ودفئًا في دواخل النفوس.

ومثله أيضًا، دفعت علوية ثمن هذه "النار" كثيرًا من وجعها الجسدي والعصبيّ. ورغم ذلك، لم تتوقف يومًا عن الكتابة.

 

أما في روايتها "افرح يا قلبي"، وهو عنوان يُحيلنا طبعًا إلى أغنية أم كلثوم الشهيرة، فاختارت صبح أن تحتفي بالهوية العربية، فنًّـا ولغةً وشعرًا وموسيقى.

 
 
 
 
الصوت ودلالاته
 

يحتلّ "الصوت" في هذه الرواية دورًا محوريًا. إنّه الأساس الذي بنت عليه صبح روايتها، بحيث يُرافق القارئ بدءًا من العنوان وحتى الصفحة الأخيرة من الرواية.

إنه صورة مهيمنة في مجازات الكاتبة واستعاراتها، وفي مونولوغات الشخصيات، فنسمعه في التجويد القرآني، في حفيف الشجر ووابل المطر، في زمجرة الأب، في أزيز الرصاص، في دندنات العود...

ومن يقرأ الرواية يلمس مجهودًا واضحًا وضعته المؤلفة في البحث عن أنواع الأصوات، وعن الأنماط الموسيقية والغنائية والفوارق بين الآلات وغيرها...

"الموسيقى" في هذه الرواية ليست خلفيةً أو ديكورًا يُزيّن الأحداث، بل تحضر هنا كأسلوب حياة. كأنّ الموسيقى هي القرين اللامادي للإنسان، وهي المعادل الرمزيّ للروح.

وفي اشتغالها على تيمة الموسيقى، تلتقي علوية مع فلسفة هيغل الذي يرى أنّ الموسيقى لا تعبّر عن النفس فقط بل تخاطبها، باعتبارها أكثر الفنون قدرةً على تحرير النفس من ثقل المادة.

 

"افرح يا قلبي" عنوانٌ مبهجٌ وسط سردية مُؤلمة. لكنّ "الفرح" المُشار إليه في العنوان ليس بالضرورة خادعًا أو مزيفًا، لكنّه أشبه بفسحة الأمل في قلب اليأس والعتمة.

ترسم الرواية مصائر معقدة لأبطال حملوا همّ انتمائهم الجغرافيّ/ العقائدي/ القوميّ كما حمل سيزيف صخرته على كتفه.

لكنّها في الوقت عينه لا ترى في هذا الانتماء لعنةً مُطلقة، وإنما هناك جماليات كثيرة ينبغي الاضاءة عليها. 

 

بموازاة الحروب والصراعات والذكورية والتعصب، تُبرز الرواية ما تحمله مجتمعاتنا العربية من تنوّع في الفكر واللهجات والفنون، كما أنها تستعيد مكانة اللغة العربية باعتبارها لغة القرآن والتصوّف والفنّ والعلم.

 
 
الهوية... بين التلاقي والتقاتل

وكما في أعمالها السابقة، قدمت صبح في "افرح يا قلبي" روايةً متعددة الطروحات، بحيث نقرأ فيها عن الحرب والحب والعائلة والأخوّة والهوية وإشكالية العلاقة بين الشرق والغرب.

وإذا توقفنا عند النقطة الأخيرة، نجد أنّ صبح تناولت مسألة "الشرق والغرب" بمنظورٍ جديد ومختلف عما قرأناه في كتب وروايات كثيرة، من أبرزها "موسم الهجرة الى الشمال" للطيب صالح.

فالتلاقي هنا يتمّ بعيدًا من المنظور الذكوري، فهو لا يتحقق عبر التجربة الجنسية كالتي عاشها مصطفى سعيد، بطل الطيب صالح، الذي أراد الانتقام من تعالي الغرب وتفوقه عبر إخضاع بناته (الغربيات) في السرير.

بل إنه يتحقق عبر التواصل الإنسانيّ، وتحديدًا الثقافي، باعتباره العصا التي يمكن الاتكاء عليها للعبور نحو نقطةٍ  جامعة بين الشرق والغرب. 

فالبطل الذي يهاجر إلى أميركا كردّ فعل على اقتتال إخوته، ويُعادي ثقافته كارهًا الآلات الشرقية التي عشقها لأنها جزء من بيئةٍ لم يعد يريدها، يلتقي بامرأةٍ أميركية عاشقة للفنون العربية والثقافة الصوفية فيتزوجها رغم كلّ الفوارق بينهما.

وفي لحظةٍ ما، عند وفاة والده، رمز الشخصية الذكورية القاسية، يعود غسان إلى بلدته بعد سنواتٍ طويلة من الغياب ليلتقي بعائلته المفككة جرّاء الحرب، فيُعجب بابنة عمه التي تركها طفلةً ويتزوجها من دون علم زوجته الأولى (الأميركية). ومن ثم يُنجب منها ابنةً رغم قراره القديم بعدم الإنجاب خوفًا على طفله من عالمٍ متوحش يقتل فيه الأخ أخاه.

وفي هذه العودة إلى الجذور، تضعنا صبح، وعن غير قصد ربما، أمام سؤال: هل الهوية قدر أم اختيار؟

 

غسّان الذي عاش مواقف متباينة من ثقافته العربية، يُقبل عليها ثم يُدبر عنها، يحمل في النهاية حلمًا لعملٍ موسيقيّ تتداخل فيه الخلفيتان الشرقية والغربية لصياغة "اللحن الكامل".

لكنّ التماهي بين هاتين الهويتين يبدو "معقدًا"، وهذا ما تصوره الكاتبة في مشهدٍ رمزيٍّ بديعٍ تختتم فيه الرواية.

ففي الطائرة، في ذلك المكان الهائم بين الأرض والسماء، يكتمل لحنٌ أسطوريّ في رأس غسان، فتتلاقى آلات شرقية وغربية كأنها تعزف لحن الانسانية المشتركة. وهو حين يُسمي المقطوعة في رأسه "عزيزي الإنسان" فكأنه يوجه رسالة بأن الموسيقى هي صرخته في وجه الحروب ومآسيها. 

ولكن، قبل أن تصل الرحلة، تعترضها مشكلة تُهدّد بسقوط الطائرة قبل أن يُنفّذ غسان ذلك اللحن/ الهارموني الجامع بين الشرق والغرب.

 
 

 

حفرٌ إنسانيّ وتاريخيّ

لكنّ أهمية الرواية لا تقف عند حدود "الموضوع" (الهوية/ الحرب/ الآخر)، بل تتعداه لتقدّم حفرًا تاريخيًا يتجلى برسم المرحلة العربية منذ الحقبة الناصرية إلى اليوم.

ولهذا فإنَّ بطلها غسان وعائلته لا يمثلون المجتمع اللبناني وحده، بل مجتمعات عربية أخرى بكلّ ما مرّ فيه من تحولات وصراعات وأزمات، بأبعادها السياسية والأيديولوجية والثقافية.

وفي موازاة ذلك، فإنّ الرواية تحفر أيضًا في المشاعر المتراكمة داخل الروح الإنسانية، كأنّما الحوادث تجري في دواخل أبطالها وليس فقط في مجتمعاتهم.

وليس جديدًا على علوية الجمع بين العوالم الخارجية والعوالم الباطنية في أعمالها، هي التي كتبت عن المرأة والرجل والمجتمع البيروتيّ والريفيّ وعن قوّة العلوم والفنون وعن أساطير النساء والجدّات.

 

وهذه الإحاطة الروائية بكل جوانب الحياة هو ما جعل أدبها حقيقيًا وأصيلًا واستثنائيًّا في قدرته على المُصالحة بين القوى المتناقضة: قوّة الأسطورة، وقوة علم النفس، وقوّة علم الاجتماع.

 

فمنذ "مريم الحكايا" (2001) وحتى "افرح يا قلبي" (2023)، لم تفقد علوية قدرتها على التحليق عالياً في فضاءات سردية متنوعة ومختلفة، فاستحقت أن تكون هي "شهرزاد الحكايا"، وأن تمنح المرأة العربية صوتها. المرأة المثقفة والأميّة والمعنفة والمتسلطة والمتحررة والمحافظة...

واذا كانت علوية صبح قد اختارت لرواياتها السابقة بطلاتٍ (نساء) ومنحتهن سلطة "الحكي" عبر التفرّد بالسرد، نجد أنها اختارت لروايتها الجديدة بطلًا/ رجلًا، واستبدلت ضمير المتكلم بالغائب، استجابةً لضرورات النصّ.

لكنها لم تكتم أصوات الشخصيات الأخرى، بل رسمت لكلّ منها مونولوغات طويلة تمنح النص مزيدًا من الواقعية والحميمية، وتكشف عن الكثير من دواخل النفس البشرية بصراعاتها وتخبطاتها ورغباتها. 

"افرح يا قلبي" لا بد أن يكون لها موقعها في الرواية العربية الحديثة باعتبارها تؤرّخ للذاكرة اللبنانية والعربية عبر مقاربة جديدة، أي من خلال الموسيقى والألحان. أمّا نهايتها المفتوحة ومصير غسان المعلّق فهو أفضل تعبير عن واقعنا المهدد، وأحلامنا المعلقة غالبًا بين الأرض والسماء.

 

  

الأكثر قراءة

لبنان 4/8/2026 9:02:00 PM
غارة عين سعادة تكشف هدفا غير معلن… ومسؤول في حزب الله نجا من الضربة.
لبنان 4/10/2026 12:00:00 AM
أفادت معلومات أن المفاوضات ستجرى في واشنطن ويتولى رعايتها السفير الأميركي في لبنان ميشال عيسى، ويتمثل لبنان بسفيرته في واشنطن ندى حمادة معوض، فيما يمثل إسرائيل سفيرها في واشنطن
لبنان 4/9/2026 9:07:00 PM
من هي ندى معوّض ممثلة لبنان في المحادثات المباشرة؟
لبنان 4/10/2026 5:24:00 AM
مسؤول أميركي: ترامب أبلغ نتنياهو بأن على إسرائيل تخفيف حدة الهجمات على لبنان