شخصيات حاتم حافظ تائهة "كقطة تعبر الطريق"
"لا شيء يضاهي لحظة ملامسة الطائرة الأرض غير لحظة انفصالها عنها". بهذه العبارة تنطلق بطلة رواية "كقطة تعبر الطريق" لحاتم حافظ، الصادرة عن الدار المصرية اللبنانية. تكشف بداية النص الطبيعة الخاصة لمعظم الشخصيات؛ ممثلةً في الانتقال بين الأماكن؛ فراراً ووصولاً، كأنّ لا أحد منهم يريد الوصول إلى مكان محدد، كما لو أنه هروب متجدد بين الأماكن. ممّ يهربون وإلى أين يفرّون؟
بدايةً، أودّ الإشارة الى خارطة صغيرة يمكن أن يرسمها قارئ هذا النص لأنها تكشف المناطق التي تتحرّك فيها شخصيات الرواية وسنجدها كالتالي: بيرن، بازل، في سويسرا. سوريا، درعا، دمشق، باريس، بيلاروسيا، تونس، لندن وأميركا. إضافة إلى خارطة أخرى أخرى تخص شخصية واحدة فقط، نعود إليها لاحقا.
خارطة الهويات تتسّع أيضًا لتشمل الهويات الدينية من مسلمين ومسيحيين ويهود وعرب وروس وفرنسيين.
مؤلّف الرواية مصري، ولكن هناك شخصية هامشية وحيدة من مصر. وفي حين أنّ بطلة العمل سورية، نجد أنّ البطولة ليست للمكان السوري ولا لأي مكان آخر. فالأماكن كلها هي محطات غير ثابتة لأي شخصية. كلّ محطة هي مجرد جغرافيا تسببت في ظروف سياسية معينة ضغطت على من فيها للهروب.
هويات متعددة
هذه الخارطة التي تتوزع على هويات مختلفة ليست مطروقة كثيراً في الأدب العربي المعاصر، وهذا أحد أوجه جدّة هذا النص الذي يجعل منه مغامرة سردية جريئة جداً، ومهمة.
ومع ازدياد ظهور نزعات الانغلاق الذاتي التي نشهدها في بلاد عربية كثيرة وبينها مصر، عبر شواهد عديدة، نحتاج الى نوع من تأمل العالم أو الأصحّ الآخر بشكل مختلف، خصوصا وأن هذه الرواية تعمل على الحفر في تأكيد كيفية أن كل مجتمع له خصوصيته، وأن اختلاف الهويات أو الجنسيات لا يشكل أي ميزة لأي مجتمع على آخر. وأن المأزق الوجودي مأزق عالمي، لكنّ العولمة أسهمت في كشفه كما لم يسبق من قبل.
يتسم النص بنبرة من الحياد، فليس السرد ذكوريًا ولا أنثويًا نسويًا، ولا عنصريًا طبعا، بل هو يستوعب ولا يدين. دوره كاشف لمدى التعدّد والتنوّع البشري، من جهة، وكيف أن هذا التنوع قد تجمع بينه هموم متشابهة وأزمات وجودية واحدة أحيانًا.
وأظنّ أنّ حافظ بذل جهداً كبيراً في بحث الخصوصيات والنوازع النفسية لشخصيات العمل حتى جاءت بمثل هذه الدرجة من الإقناع، رغم تباين ثقافاتها وهوياتها. خصوصا أن بين الشخصيات طفلة هي "لِيلي" التي تلعب دورا كبيرا في السرد، لأنّ أسئلتها لا تقلّ أهميةً عن أهمية الأسئلة التي تدور في ذهن الكبار. وهي أيضًا تقدّم نموذجًا كاشفًا لأنّ الأطفال بالفعل لديهم القدرة على طرح أسئلة منطقية وفلسفية وعلينا أن نطوّر هذه الملكات لديهم بدلاً من قمعها بالتعليم التلقيني.
شخصيات هاربة
وبينما تبدو شخصيات الرواية هاربة من مكان وعابرة إلى آخر، فليس بينها، رغم ذلك، من يبدو أنه تخلى عن مكان بإرادة حرة. معظمها عمليات هروب من ضفة ما ولكن من دون أن يكون هناك اختيار حقيقي للضفة الأخرى. عالية هربت من الدمار والحرب، وميشيل من شبح فشل حياته في باريس ومن الضجر الذي استولى عليه في العاصمة التي أصبح كل شيء فيها قاسيا أو مزيفا مثل السياسة التي يمثل قيادتها من يصفه ميشيل، في حوار مع صديقه التاريخي ألبير، بأنه أقرب للموظف (يقصد الرئيس الأسبق هولاند) مقارنة بزعيم مثل ديغول أو سياسي دفع ثمناً لما كان يؤمن به مثل ميتران...
أما أولغا وزوجها ألكسندر فقد هربا من روسيا البيضاء خوفا من الموت بسبب الإشعاع النووي المتسرب من المفاعل الشهير. وإيهاب المصري هرب من الفقر، وزيلما السويدية رحلت بحثاً عن فرصة في هوليود، ونعيمة تركت تونس أملاً في مستقبل لم تجده في أميركا فتهرب منها إلى سويسرا.
تقدم الرواية تفسيرا لهذا الهروب باعتباره محاولات لتحقيق الحضور الكامل أو التام كما تصفه نعيمة في حوار لها مع ميشيل بدلا من الحضور الذي يشبه الغياب.
ومع ذلك فلا يبدو أن أيا منهم وجد نفسه مستريحا لملاذه الجديد، وبعضهم مثل نعيمة اتخذ قرار العودة إلى الوطن حتى تتبين أنها فعلاً لم تعد تحتمله فتعاود الهروب أو العبور إلى جهة أخرى لا تعرف عنها شيئا.
زمن العولمة
من أبرز ما تحققه هذه الرواية ما يصل للقارئ عبر شخصيتين رئيستين هما ميشيل الفرنسي الذي يحب عالية ويحاول أن يفهم سبب غضبها وهروبها منه، وشخصية أولغا الروسية، إذ يقدمان نموذجا للكيفية التي ينبغي للفرد أن يرى فيها الآخر في زمن العولمة. أن يراه كما هو، وأن يقبله على ما هو عليه، لا يسقط عليه تصوراته الخاصة، لأن عدم فهم العالم ينطلق من التعامي عن هذه الحقيقة.
"لم أفهم أولغا جيدا. أولغا متدينة لكنها مثلية. لا تأكل لحم الخنزير ولا النبيذ المخمر لكنها تشربه أحيانا بحجة طبية. تقيم علاقة مع امرأة لكنها تحب الأطفال. وفوق كل ذلك لا تتصالح مع الإنجيليين.... كنت أفكر أن معرفتي بالعالم بدأت الآن فقط"...
هكذا تقول عالية وتعبّر عن أن فهم العالم ينطلق من معرفة الآخر بصدق مهما بدا مختلفا. ويبدو لي إن خبرات حاتم حافظ في قراءة المسرح وكتابته، وكذلك خبرته في كتابة السيناريو تجعله يمنح الحوارات اهتماماً وعنايةً كبيرين. وهذا ما نراه أيضًا في حوارات الطفلة ليلي، التي جاءت غالبًا متقنة ومقنعة ومدهشة، وموظّفة طبعًا بأسلوب دقيق، وفي خدمة موضوع الرواية، باعتبار أنّ أسئلة ليلي فلسفية، وفي الوقت نفسه مباشرة وصادقة وحقيقية.
تسأل ميشيل عن معنى الصداقة ومعنى الحب وسوء الفهم من الآخرين ومعنى الهوية، تسأله عن جنسيتها التي لا تعرفها، وعن أبيها الذي لم تره. هذه الحوارات تقدم بين آن وآخر معان كبيرة في فهم الشخصيات لأزمة وجودها، وحيرتها، وسنجد نعيمة، المهاجرة التونسية إلى أوروبا، مثلا تقول في حوار لها مع ميشيل: "حين أرى قطة تعبر الشارع أشعر بالأسى. أسى ممزوج بسخرية لئيمة. ما الذي تجده قطة في الجانب الآخر من الطريق ولن تجده في جانبها؟ أشعر أننا مجبولون على التنقل. ليس بإمكاننا البقاء في مكاننا". وهذا هو جوهر المعنى الذي يعبر عنه عنوان الرواية.
الخير والشرّ
لا بدّ هنا أن نشير الى شخصية تبدو بالغة الشرّ، كما لو أنها تريد أن تحقق وجودها من خلال الشر والتسلط، وهي سهيلة الشاعرة التي أسلفت "أنها ستدّخر خارطة أخرى تخصها هي": العراق الكويت الأردن، فلسطين، السعودية، المغرب، لندن.
تقول لعالية: "أبي عراقي وأمي كويتية، انفصلا وأنا طفلة، وعشت مع جدتي في الأردن كانت فلسطينية تعيش مع زوجها الأردني، بعد فترة أرسل أبي لإحضاري للمغرب. تزوج مغربية ورحل للعيش معها في تطوان حين كبرت أرسلني للدراسة في لندن تعرفت بزوجي الأول كان سعودياً وأنجبت منه ابنتي التي صارت سعودية وممنوع عليّ السفر لرؤيتها. تعرفت في لندن على فرنسي من أب مغربي وأقنعني بالبقاء معه في باريس".
والحقيقة أن هذه الشخصية على مساوئها دفعتني الى التفكير في الطفلة ليلي، باعتبار أنّ ظروف نشأتها قريبة نوعاً ما من ظروف نشأة سهيلة.
هي مولودة في سوريا ولا تعرف أباها، وتنقلت بين سوريا وبيروت ثم بازل وباريس وهي لم تتجاوز الأربع سنوات، وهي تطرح دائماً سؤالين عن الهوية، لا تجد لهما إجابة: "أين أبي؟"، والثاني "إلى أي مكان أنتمي؟".
وهو سؤال صعب كما أغلب أسئلة الأطفال ولهذا يتأخر ميشيل في الإجابة على السؤال حتى تضغط عليها أكثر من مرة فيشرح لها.
أما سؤالي أنا هنا هو هل سيكون مستقبل ليلي مشابه لماضي سهيلة أم أنها ستتمكن من خلق هوية تستكين لها وتضمن لها استقراراً نفسيًا بعيدًا عن غضب أمها وتشتّتها وهروبها المتوالي؟ لكنه سؤال روائي ليس له إجابة وحيدة، ولا يريد إجابة أساسًا بقدر ما يبتغي إثارة التفكير كما شأن كافة الأسئلة التي تطرحها هذه الرواية.
حاتم حافظ روائي وأكاديمي مصري، يكتب أيضا المسرح والسيناريو والنقد الثقافي. أصدر عدداً من الأعمال الروائية والقصصية والفكرية منها «بسكويت وعسل أسود»، «لأن الأشياء تحدث»، «موسيقى لليلة قصيرة»، «إسلام أم إسلاميات... قراءة في الخطاب الديني المعاصر». كما كتب عددا من الأعمال الدرامية الناجحة، منها «استيفا» و«الشارع اللي ورانا». قُدمت عروضه المسرحية في أكثر من بلد أوروبي منها ألمانيا وفرنسا.
نبض