10-10-2021 | 15:56

رسائل إلى لا أحد (4 من 7)

أن أبتعد عن رؤية أرصفة نقل البضائع المهدمة إلى منطقة مينا البصل تذكرت شيئا مما يضحك. آخر مرة أتيت هنا كانت أيام فيلم الصياد واليمام. لم أذهب معهم في التصوير، لكني ذهبت قبلها مع المخرج اسماعيل مراد الذي أراد أن يشاهد
رسائل إلى لا أحد (4 من 7)
Smaller Bigger

قبل أن أبتعد عن رؤية أرصفة نقل البضائع المهدمة إلى منطقة مينا البصل، تذكرت شيئاً مما يضحك. آخر مرة أتيت هنا كانت أيام فيلم الصياد واليمام. لم أذهب معهم في التصوير، لكني ذهبت قبلها مع المخرج إسماعيل مراد الذي أراد أن يشاهد المكان، ففيه حوادث الرواية.

ونحن فوق أحد الأرصفة، وجدت الأسقف الصاج منهارة خربها الزمن، ووجدت الأرض تنبت الحشائش بين بلاطها ومغطاة في أكثرها بالعسل الأسود، عرفت أن العسل الأسود لا يزال يأتي بالقطارات من الصعيد في عربات أشبه بالتانكات، لأنه لا يُحمل في السيارات.

بدأ إسماعيل مراد يصور المكان، فتقدم إلينا شخص كان يتابعنا من بعيد، وقال إن التصوير ممنوع ولا بد من تصريح. طبعاً سيحصل إسماعيل مراد بعد ذلك على التصريح حين يبدأ تصوير الفيلم، لكنا الآن جئنا للفرجة مما يفيد المخرج. ابتسمت وعرّفت الرجل بإسماعيل مراد وبنفسي، وحدثته عن تاريخي مع المكان فتركنا سعيداً. مرت أكثر من خمس عشرة سنة على هذه الواقعة حتى أخبرني الباحث زياد مرسي أخيراً أنه جاء ليري المكان قبل هدمه، وهو يفعل ذلك مع كل قديم في الإسكندرية ويصوّره، فوجد رجلاً يحدثه كيف جاء إبراهيم عبد المجيد يوماً هنا وكيف صنعوا فيلم صياد اليمام.

أسعدني ما قاله لي زياد مرسي على "تويتر"، ولكن الآن لا سعادة.

لقد طوّروا النقل بأن أضاعوا الأرصفة كلها والحمد لله.

قلت فلأضحك. تذكرت أنه على الناحية الأخرى مساكن قليلة لعمال السكة الحديد. يوماً ما في نهاية الخمسينات قمت أنا وصاحب لي كان اسمه إبراهيم، وكنا نسميه ضاحكين إبراهيم بلك لأنه أسود باقتناء كلب بلدي.

كنت أنا وهو نطعمه، وصار الكلب يطيعنا، فكل منا يأخذه يوماً ونلعب معه في الشارع على المحمودية.

تذكرت أن رجلاً كان يعمل بالسكة الحديد ويسكن هنا، وزار أبا إبراهيم بلك في بيته في المساكن التي نعيش فيها على ترعة المحمودية. رأى الكلب فأعجبه وطلب من إبراهيم بلك أن يبيعه له. جاءني إبراهيم وأخذني إليه ووافقنا على أن يدفع بريزة، عشرة قروش. أخذ الرجل الكلب لكنه رفض المشي معه فمشينا معه حتى بيته، وهربنا من الكلب الذي تركناه.

أعطانا الرجل البريزة وسألنا: ماذا ستفعلان بها؟ قلنا سنذهب إلى السينما، فطلب أن نأخذ ابنه معنا من ضمن البريزة. أخذنا ابنه ودخلنا سينما فؤاد، وكان بها فيلم عن فرانكشتين وفيلم عن الفنان الفرنسي رودان.

 تركت المخرج إسماعيل وذهبت أزور المكان، وهناك سألت أحد الأشخاص من الساكنين عن الرجل الذي كان يسكن هنا وكان عنده كلب، وضع السكان السّم له حين كبر لأنه صار مصدر تهديد لهم. كنا عرفنا وقتها بهذا. نظر إليّ يسألني متى حدث ذلك. قلت له تقريباً عام 1960. نظر إلي باعتباري مجنوناً وتركني ومشى.

حدث الشيء نفسه مع غيره، وحدثت النهاية نفسها، ثم انتبهت إلى جنوني حقاً فمشيت ضاحكاً. لكن أنعم الله عليّ بقصة قصيرة بعنوان "البحث عن كلب".

***

 

مشى خالد بالسيارة ولم أندهش أنه لم يعد في الطريق بعد ميدان مينا البصل ترام في شارع السبع بنات. تذكرت أن الترام قديماً كان يأتي من المنشية إلى شارع السبع بنات، أو من محرم بك إلى شارع الخديوي، ويمشي في طريق المكس حتى النهاية.

تحوّل الترام إلى شارع الأمان المتجه إلى المتراس وترك الطريق القديم. حين ألقى كوستا بكتبي تحت عجلات الترام كان الترام يمشي في طريق المكس...

لقد اختفت القضبان في شارع السبع بنات لكنها ستظهر بعد قليل، وليس معنى ظهورها وجود الترام فيه. حتى أدخل شارع السبع بنات كان لا بد أن أمر على ميدان مينا البصل الصغير. على اليمين شارع الخديوي الذي أعطوه اسم شريف، بعدما كان هذا الاسم على شارع صلاح سالم بالمنشية، قبل أن يضعوا طبعاً اسم صلاح سالم. وشريف هو محمد شريف باشا رئيس الوزراء في عهد إسماعيل توفيق.

السكندريون حتى الآن يقولون شارع الخديوي، والمقصود به الخديوي إسماعيل، وهو اسم الشارع الأول الذي قريباً من ميدان مينا البصل توجد دار اسماعيل للأطفال.

أذكر أن أمي أخذتني إليها يوماً حين أصبت بالدوسنتاريا، وأذكر أن تطعيمي كله كان هناك كما سمعتهم يقولون. زحام سيارات كبيرة وصغيرة تأتي من ناحية بحري لتدخل في الطريق إلى القباري، أو تأتي معنا وتستمر، أو تدخل فى شارع الخديوي في الطريق إلى كرموز أو محطة مصر.

هذا كله توقعت أن أراه، لكن كان لا بد أن نعبر أولاً كوبري التاريخ، وهو الكوبري الذي بُني في عصر إسماعيل باشا وتحته كانت ترعة المحمودية في آخر طريقها قبل أن تتصل بالميناء. هنا تداعت عليّ المشاهد القديمة لعمال محالج القطن الذين كانوا وقت الراحة يخرجون إلي جوار الكوبري، يأكلون من الباعة الذين كان أكثر بيعهم للخبز والمش.

لقد وصفت ذلك في رواية الصياد واليمام. لكني تذكرت مدرستي الابتدائية الأولى على الناحية الأخرى في حي كفر عشري. مدرسة عبد الله النديم التي كانت بيتاً قديماً لعبد الله النديم التي أمضيت فيها عاماً واحداً هو الأولى الابتدائية، ثم نقلتني أمي إلى مدرسة خاصة اسمها مدرسة الغندور بالقباري ظللت فيها عامين، ثم في السنة الرابعة نقلتني إلى مدرسة حكومية هي القباري الابتدائية التي مررت بها. لقد فكرت مرة وأنا أقود سيارتي أن أدخل إلى منطقة القباري لأبحث عن مدرسة الغندور، لكني حين فعلت ذلك لم أصل إلى شيء. زحام المباني مرعب والطرق ضيقة ولم أشأ أكمل حتى لا أكتشف أنها ضاعت. قلت فلأكتفِ بأني كنت هنا يوماً في مدرسة تسمى الغندور.

ما أذكره منها مُدرِّسة كان اسمها "سندس"، لا أعرف لماذا كانت تحبني جداً، فكانت في الفسحة أو في حصة الألعاب تجعلني أجلس جوارها مع المدرسات في الفناء الصغير وتحضنني بذراعها. وما أذكره منها أنهم قاموا مرة بتنفيذ عرض مسرحي منا نحن الأطفال واختارني المخرج، وكان مدرساً لا أذكر اسمه، أن أقوم بدور فلاح. حتى الآن حين أتذكر ذلك أرى نفسي في القفطان أو الجلابية وعلى رأسي طاقية بيضاء، وأمي بين الجالسات من أولياء الأمور تتفرج عليّ.

ما أذكره أيضاً أنه في اليوم الذي كان يضاعف فيه أبي مصروفي فيكون قرش صاغ بدلاً من تعريفة، أخرج في الفسحة مثل غيري وأشتري بنصف قرش، أو بتعريفة كما نقول في الإسكندرية، بسطرمة، ثم أذهب إلى فرن قريب يضعها في رغيف من العجين كبير في حجم رغيف هذا الزمن الذي هو بجنيه، ثم يطبق عليها الرغيف فيصبح كأنه نصف رغيف، ويدخله الفرن ويخرج منه مستوياً تسبقه رائحة البسطرمة فى الفضاء. كنت أعود به إلى المدرسة أو آكله في الشارع. في الحالتين كان معنا ولد أشد فقراً كنا نسميه "أبو لقمة" لأنه كان يخطف منا الطعام، فكنت أعطيه قطعة قبل الخطف ليتحول إلى غيري يخطف منه.

لا أذكر شيئاً من مدرسة عبد الله النديم إلا أنهم كانوا يخيفوننا بأن بها حجرة للفئران يمكن أن يعقابوننا بالحبس بها، لكني لم أرها ولم أرَ أحداً يدخلها. لا أذكر منها مدرّساً أو مدرّسة. فقط أذكر أن أختي الأكبر كانت تأخذني مشياً في الصباح إلى المدرسة وتعود، وأحياناً تأتي لتأخذني بعد الخروج، لكني غالباً كنت أعود بنفسي، ثم بعد ذلك صرت أفعل ذلك وحدي ذهاباً وإياباً.

كنت أمشي من مساكن السكة الحديد على المحمودية وحدي لا أحد يعترضني ولا أحد يهاجمني لأي سبب، وكنت كثيراً ما أجد خفيراً نوبياً جالساً على باب "وابور النور"، وهو المكان الذي ينتج الكهربا للسكة الحديد. لا يلفت نظري إليه سواده، لكن الخطوط الغائرة في خديه. عدد كبير من الخطوط الغائرة. كنت أنظر إليه وأضحك وأستمر في طريقي. كان أكثر ما يدهشني السفن الحاملة لقصب السكر القادمة من الصعيد، والتي تُنزل القصب من المركب على شاطئ الترعة، فتنقلها السيارات إلي المدينة كما يفعلون مع ما يأتي بالقطارات. الأمر نفسه في المواد الزراعية الأخرى. كنت أحب مراكب القصب لأن العمال يشيرون إلىّ فأقترب ويعطونني قطعة طويلة أمشي أمص فيها.

كنت أحياناً أحتفظ بها لنلعب "قصب" أمام المساكن على الترعة، وهي اللعبة العجيبة التي كنا فيها نضع عود القصب على الأرض ونصوب إليه بالقرش صاغ أو التعريفة أو حتى المليم فتدخل العملة بينه. كانت لعبة احترافية كبيرة غير اللعبة الأخرى التي كان يقبل عليها الكبار، فيجمعون بين أكثر من عود قصب يكسرونها على سيقانهم فوق الركبة، فتنفصل إلى مجموعتين، ويخسر من تبقى قطعة أو أكثر لم تنفصل إلى قطعتين.

سيأخذني  لعب القصب إلى لعب النحلة ولعب البِيَل وغيرها.

النحلة التي نلف حولها الخيط ثم نقذفها إلى الأرض، فتبتعد عن الخيط ثم تدور على رأسها الذي به مسمار، ثم نلقطها بين السبابة والوسطى لتدور فوق اليد، وأحياناً لا نفعل ذلك فقط، بل ننشن بها على النحلة الأخرى التي في الأرض فتصدمها، وتظل تدور وهذه حرفنة عالية. ستأخذني الذكريات لأبتعد عن كفر عشري ولا أريد. لكنّ العالم الجميل هذا مكانه القصص ولقد فعلت. سأدخل شارع السبع بنات ولتكن ذكرياتي أحدث قليلاً. ستينية أو سبعينية فلا داعي للعودة الآن إلى الخمسينات. دخلنا شارع السبع بنات. لم أعد أرى على يساري محالّ القطن التي كانت تبيع للناس من أجل التنجيد والأفراح. ليس مهماً. المهم أن أرى شيئاً أفضل. لم أرَ شيئاً.

بعد قليل تزداد المحال. كانت محالّ الكهرباء هي الأكثر فصارت المحالّ من كل نوع. قبل نهايته عند المنشية، سأجد لا بد بعض محالّ التصوير في مكانها. تصوير للناس وللأفراح، ومنها من أخذت زوجتي الأولى رحمها الله من عند الكوافير وتصوّرنا عنده. ليس مهماً أن الشارع لم يعد به ترام. لم يتسع. الشارع صار مزدحماً تحت الأرصفة بالباعة المتنقلين لكل شيء. الموبايلات طبعاً وقطع غيارها هي أكثرها. زحام بشع على الجانبين وأصوات أغان رديئة جداً تنطلق من كل محل لم يكتفِ بمكانه، بل احتل الرصيف وما بعده من الشارع على الناحيتين.

عشوائية وفوضى جبارة لا تليق أبداً بشارع له تاريخ مثل شارع السبع بنات. إذا لم نكتفِ بحكاية السبع بنات فلنكتفِ بريا وسكينة عند قسم اللبان الذي لم يعد مكانه، وإذا لم نكتفِ بريا وسكينة فلنكتفِ بالبارات التي من بينها البار الذي قُتل فيه المالطي السكير سائق الحنطور سيد العجّان، فقامت المعارك بين المصريين والأجانب فدخل الإنكليز مصر.

لا أريد أن أنظر حولي إلى المباني الجميلة التي هُدمت وقامت مكانها العمارات العالية القبيحة. هذا يحدث في كل مصر. هنا قبل نهاية الشارع على الناحية اليسرى، وقبل شارع الميدان، زقاق صغير كان فيه محل لوالد أحد زملائي بمدرسة الصنايع، وكان اسمه سعيد المصري.

كنا كثيراً في الصيف ما نذهب لنسهر عنده أنا وحسن القاضي وسعد الدين الذين كنا أقرب الأصدقاء إلى بعضنا البعض في قسم الكهرباء وربما في المدرسة. دائماً نذاكر آخر العام معاً، إما في منزل سعد الدين بالحضرة في المساكن الشعبية، وإما في بيت حسن القاضي بكامب شيزار. لقد أكمل الثلاثة تعليمهم في المعاهد العليا الصناعية، ولم أكمل أنا تعليمي رغم مجموعي الكبير، لأن الأسرة كانت في حاجة إلى عملي، ولأني قررت أن أذاكر الثانوية العامة وأدخل كلية الآداب وفعلتها. عرفت من الأخبار التي نقلها لي بعض الأصدقاء بالصدفة منذ سنوات بعيدة، أن كلاً من سعيد المصري وسعد الدين صارا عميدين للمعهد العالي للهندسة بالقاهرة وبالقليوبية، وأعتقد أن سعد الدين هو الذي كان بالقليوبية، لكن حسن القاضي بعد تخرجه عمل في الترسانة حيث أنا موجود، لكن كان بعيداً عني أو في العام الأخير لوجودي وربما عامين. أحن إليهم أكثر ما أحن إلى شيء آخر في الدنيا. الحنين يجعلني أراهم ولا أفكر في البحث عنهم. لا أعرف عنهم شيئاً لكن لا ينتهي الحنين. أذكر حين جئت أول مرة إلى معرض كتاب القاهرة الدولي عام 1969، وكان أول معرض يقام، أني اتصلت بسعيد المصري وعرف بحضوري فأعطاني عنوانه في شارع الثورة بمصر الجديدة. ذهبت وأقمت عنده اليومين اللذين بقيتهما من أجل المعرض. لم يكن في شارع الثورة غير عمارتين أو ثلاث. لقد ذهبت إلى شارع الثورة مرة منذ عشر سنوات فلم أعرف أين هو الشارع نفسه من العمارات والزحام. لماذا أعيش في الماضي دائما؟ لن أتحدث في ذلك، تكفي الإسكندرية. لكن هل سأخرج من شارع السبع بنات فأري شيئاً مختلفاً؟ لأشرد قليلاً مع الذكريات الحلوة بشارع الميدان قبل أن أترك شارع السبع بنات الصعب الذي كان من أجمل الشوارع يقفز مع اسمه التاريخ.

 

العلامات الدالة

الأكثر قراءة

اقتصاد وأعمال 6/5/2026 5:11:00 PM
اتخذ المجلس المركزي لمصرف لبنان قراراً بتمديد العمل بالتعميمين لمدة سنة إضافية، تبدأ في تموز المقبل وتنتهي في تموز 2027
اسرائيليات 6/4/2026 8:40:00 PM
في قلعة الشقيف... أيوب كيوف يتسلّم قيادة لواء "غولاني" الإسرائيلي.
لبنان 6/4/2026 9:18:00 PM
استنفار في عائشة بكار بعد تبادل إطلاق نار
فن ومشاهير 5/30/2026 8:38:00 AM
وجاء ذلك بعد تقدّم مادوكس بطلب قانوني لإزالة اسم "بيت" من اسمه، ليصبح رسمياً "مادوكس شيفان جولي" في حال الموافقة على الطلب.