مختارات توثّق أعمال الرسّام العالمي أحمد مرسي
يحظى الفنان الشكيلي والناقد والشاعر المصري المقيم في أميركا، أحمد مرسي (1930) بشهرة عالمية خصوصًا في فن الطباعة الذي بدأه في نيويورك عام 1976 وأنتج فيه ما يزيد عن 550 عملًا.
وعن غاليري "جيسوم" في القاهرة، صدر له حديثًا كتاب باللغتين العربية والانكليزية يضمّ مختارات من أعماله المتميزة، بعنوان "أحمد مرسي: سنوات الطباعة الفنية" من تصميم فاليري عريف، وتحرير علية حمزة وسارة العدل وساندرا إدوارد وحبيبة عفت وأحمد وائل. ويتضمَّن أيضًا مقالات لدورو أولو، وسارة الفقي وأمينة دياب، فضلًا عن سيرة ذاتية للمحتفى به تواكب بلوغه عامه الثاني والتسعين، وقائمة مفصَّلة بأعماله.
ولد أحمد مرسي، الذي لم ينل ما يستحق من تكريم في بلده الأم، في الإسكندرية، ودرس في استوديو الفنان الإيطالي سيلفيو بيتشي. درس الأدب الانكليزي في كلية الآداب (جامعة الإسكندرية). وعقب تخرجه عام 1945، توجَّه في العام التالي إلى بغداد. بدأ مشواره في خضم تداعيات الحرب العالمية الثانية، في مجالي الرسم والشعر، ثم لاحقًا في فن الطباعة والفوتوغرافيا، بالإضافة إلى النقدين الفني والأدبي. انتقل إلى نيويورك عام 1974. وهكذا بدأ تراجع الإسكندرية، فباتت في الخلفية كأنها المكان الذي يصعب الوصول إليه، وإن كانت تطفو دائمًا على السطح لتكون همزة الربط للغز السرد البصري، بحسب ما ورد في إحدى مقالات الكتاب.

تأثير المسرح
تنعكس خبرات مرسي في عالم المسرح أو تصميم الديكورات على أعماله، وتعتمد تكويناته، كما جاء في متن الكتاب، على الكولاج في شكل غير مقيَّد، بحيث تظهر الشخصيات غير متناسقة على المسرح، مع عدم توازن يجمع ببراعة حقائق متباينة لإظهار "جنَّة غير متناغمة". واللافت أنّ مرسي يصف نفسه كشاعر في المقام الأول، ويرى أنّه "شاعر يرسم".
وكان ديوانه الأول قد صدر في العام 1949 بعنوان "أغاني المحاريب"، بينما جاء ديوانه الأخير في العام 2012 بعنوان "موسم الهجرة إلى زمن آخر". وقد أنتج عشر مطبوعات خصّصها لكتاب المصري الراحل إدوار الخرّاط "حجارة بوبيليو" (1991)، وتضمَّنت طباعة حجرية وخشبية ومائية وتنميش و"لينوكوت".
أنتج عام 1990 عشر مطبوعات مستوحاة من أعمال الشاعر السكندري يوناني الأصل قسطنطين كفافي، تضمَّنت حفرًا ونقشًا مائيًا تحت عنوان "متتاتبعة كفافي". وفي هذا السياق، تقول أمينة دياب: "يتجاوز فن مرسي الحواجز الوطنية ليتفرّغ للتصارع مع الحياة نفسها. ومثل السرياليين، يثق أحمد مرسي في قوة الأحلام على الإبداع كرابط أساسي يمهّد لدخول حقيقة بديلة تتخطى حدود العالم المادي. تقع عادة شخصيات مرسي وحيدة في مساحات فارغة كبيرة وتظهر مستنزفة في أفكار عميقة. يولّد هذا الانعكاس شعورًا حادًا بالعزلة وبالآخر كما يقرب العمل أكثر تجاه السريالية؛ ليس فقط في إيمانه في قوة الأحلام بل بما يحمله من تحفظات أخلاقية في صميمها.
صورة الفنان أحمد مرسي بريشته
الانبهار بالسريالية
بدأ انبهار مرسي بالسريالية عندما قام بترجمة نصوص بول إيلوار ولويس أراغون إلى العربية مع الشاعر العراقي عبد الوهاب البياتي (1959). وعموماً يُنظر إلى أحمد مرسي بحسب مقدمة كتبتها عليّة حمزة وسارة العدل، كفنان غزير الإنتاج، وخصوصًا في فن الطباعة، وهو واحد من الوسائط العديدة التي استخدمها في مشوار ثري.
وترتبط علاقة أحمد مرسي بكل وسيط بلحظات معيَّنة في تاريخه الشخصي والجغرافي. ولد الشعر في السنوات الأولى في الإسكندرية وتحاور معه الرسم وتفاوض على علاقة مختلفة مع الفنان. ثم في بغداد تأسس صوته كناقد فني.
بدأ فن الطباعة في نيويورك عام 1976 في رحلة زمنية أسفرت عن أسئلة حول الشكل والتكرار وتفرد "النسخ". عادة يخلق مرسي أعمالًا من نسخة واحدة مستخدمًا عملية مخترعة أصلًا لإنتاج نسخ عدة: شخصان يكونان إطارًا لهيكل عظمي لحصان، تظهر نسخة باللون الأحمر الداكن، وباللون البنفسجي والبني والرمادي الحجري في نسخ أخرى. تظهر الشخصيات في شكل تناظري؛ أبيض وأسود، لتكون شفافة، وأخرى معتمة في الوقت نفسه. مع تغييرات تدريجية في الألوان ودرجاتها وقيمتها. تمثل السلسلة العمل الملحوظ المتطلب لإنتاج نسخة واحدة والضروري قبل الانتقال الى النسخة التالية.

تناغم مستتر
يهدف هذا الكتاب الى توثيق مجموعة أعمال لأحمد مرسي متناغمة بشكل مستتر، ويسعى أيضًا الى توضيح سياقاتها وعلاقاتها بأعماله واسعة النطاق وممارسته لفن الطباعة في وقت من التاريخ الثقافي الذي تصدَّره هذا الوسيط في إنتاج الفن والفكر. كما يأمل الكتاب أيضًا أن يساهم في خطاب جديد يوسع السرديات المطروحة عن السريالية العالمية.
يضم العمل نصوصا كتبت خصيصًا لقراءة أعمال مرسي في الطباعة، وهي تتراوح بين طباعة حريرية وحجرية وتنميش وحفر على اللينو. وتبعًا لمقدمة المنسق الفني والمصمم دورو أولو، تحدد سارة رفقي مكان أعمال مرسي في إطار مسار فن الطباعة في نيويورك، وتتقرب من أفكار الهجرة والسياق والإنتاج من هوية متناوبة. ومن خلال مقال أمينة دياب، ننظر لأعمال مرسي بعدسة إقليمية وشخصية، تكشف عن مراجع وتأثيرات أيديولوجية أثرت في لغة الفنان البصرية.
هذا كتاب افتتاحي لإصدارات "جيسوم"، وهي مبادرة نشر باللغتين العربية والانكليزية، تسمح بالاشتباك مع أشكال فنية مختلفة، وتخصصات وممارسات يميل بعضها الى الخروج من شكل قاعة الغاليري المعتادة.
يقول دورو أولو، وهو مصمم أزياء بريطاني نيجيري المولد يعيش بين لندن ونيويورك نسَّق عددًا من المعارض الفنية، أنّه يمكن التفكّر في أعمال أحمد مرسي من منظور تشينوا أشيبي المتعلق بأن الفن ينتمي إلى الشعوب، ومنظور جيمس بالدوين أن للفن ثمنًا يدفعه الفنان. ويضيف: "ندرك براعة أعمال أحمد مرسي عند النظر إلى المجموعة الكاملة وجوانبها المختلفة الحاضرة، لكونها تتضمن الرسم والطباعة والكولاج والشعر، مما يعكس تأثيرها المشرق والعاطفي عند لقائها، أيًّا كان الوسيط المستخدم".
التحدي والغموض
تتميز رسوم أحمد مرسي بكونها مألوفة ومطمئنة، لكنها أيضًا مليئة بالتحدي والغموض. هذا ما يقوله أولو الذي يعتقد أنّ أعمال مرسي "تكشف عن نظريات كلاسيكية للتاريخ والحضارات وأفكار روحانية متصلة بموروثه العربي الشمال أفريقي، مع إعادة لتفسيرها. ترتكز تكوينات مرسي على الطبيعة ومدى علاقتها بالسياسة والمحاكمات والمعاناة البشرية رغم روحها الكوزموبولتانية الساخرة".
ويرى أولو أن الأعمال التي يعرضها الكتاب نفّذها فنان ذو نظرة حساسة تجاه العالم الذي يعيش فيه، مشيرًا إلى أنها تصور شخصيات سريالية فريدة وحالمة مع سفرهم خلال الزمان والمكان. كما تظهر في أعماله "أشكال وتسلسلات تخاطب المتفرج في صمت تام مثقل بنغمات صارمة تعبّر عن المعرفة والتواضع. وتعد الهمهمات الشعرية- الدعامات لأعمال أحمد مرسي بما فيها من جمال وسعادة، حزن وفقد، غموض وشك... وهي كلها أحاسيس مصوَّرة بموهبة وصدق في ضوء تكوينات سريالية ساحرة".
ويبقى عنصر الأمل ثابتًا ربما لأن الفنان نفسه عاش حيوات مختلفة في أماكن كثيرة. ومن المبهر أيضًا استمرار امتلاك أحمد مرسي الحماسة الشبابية والفضول للحياة والتحديات غير المتوقعة التي يأتينا بها، علمًا أنه تخطى التسعين. ومع ذلك، هو يرسم بشكل يومي ويعبّر عن أفكاره ويكشف عن روحه مع كل فرشاة يستخدمها، ولكنه لا يسترسل لدرجة الغرور حتى لا تتمحور أعماله حول شخصه. فهو نادرًا ما يُصوّر نفسه في لوحاته، ولكن عندما يكون جزءًا من العمل يظهر كفنان متفتح مستعد للمبادرة ولمراقبة العالم وسكانه بدون إصدار أحكام.
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
نص المرسوم رقم (98) لعام 2026 على تعيين عبد الرحمن بدر الدين الأعمى أميناً عاماً لرئاسة الجمهورية... جاء تعيينه خلفاً لماهر الشرع، وذلك في إطار توجهات لتعزيز مبدأ فصل العلاقات العائلية عن المسؤولية العامة.
نبض