فصلان من الرواية الإيطالية "الطنَّان"... بترجمة معاوية عبدالمجيد
لا أستطيع الاستمرار.
سأستمرّ.
صموئيل بيكيت
لنا أن نقول (1999)
لنا أن نقول إنّ حيَّ تريسته في روما هو مركزٌ لهذه الحكاية ذات المراكز العديدة الأخرى. فلطالما تراوح هذا الحيُّ بين السموّ والانحطاط، بين الرقيّ والرداءة، بين التميُّز والاعتياديّة. وهذا قد يفي بالغرض، حتّى اللحظة: من غير المجدي الإمعان في توصيفه، فقد ينجم عن ذلك توصيفٌ مملٌّ، لاسيّما أنّه في مطلع الحكاية، بل ربّما يأتي بنتائج عكسيّة. وفي المحصّلة، فإنّ أفضل توصيفٍ للمكان، أيًّا كان، هو سرد ما يحدث فيه، وهنا سيحدث شيءٌ في غاية الأهميّة.
فلنضع الأمور على الشكل التالي: أحد الأشياء التي تحدث في هذه الحكاية ذات الحكايات العديدة الأخرى، يحدث في حيّ تريسته، في روما، في صباحٍ من أواسط أكتوبر عام 1999، وبالتحديد عند تقاطع شارع كيانا بشارع رينو، في الطابق الأوّل من إحدى تلك البنايات التي، بالضبط، لن نسترسل في توصيفها هنا، حدثت فيها آلاف الأشياء الأخرى في الماضي. سوى أنّ الشيءَ الذي سيحدث بعد قليل حاسمٌ، بل لنا أن نقول من المحتمل أنّه فاتكٌ في حياة بطل هذه الحكاية. الدكتور ماركو كارّيرا، أو كما تقول اللافتة المثبَّتة على باب عيادته: الأخصّائيّ في طبّ العيون والبصريّات – ذلك الباب الذي سيفصله لمدّةٍ قصيرة عن أشدّ اللحظات حرجًا في حياته ذات اللحظات الحرجة العديدة الأخرى.
وبالفعل، في داخل العيادة، الكائنة في الطابق الأوّل من إحدى تلك البنايات إلخ، يدوِّن الطبيب وصفةً لسيّدةٍ عجوز مصابة بالتهاب الجفن: قطرة مضاد حيويّ، بعد علاجٍ مبتكرٍ، لا بل لنا أن نقول إنّه ثوريّ، بالاعتماد على الأسيتيلسيستيئين المتقطِّر في العين الذي كان قد حلَّ عند مرضى آخرين المعضلةَ الأخطرَ في هذا المرض، ألا وهي أن يصبح مزمنًا. أمّا في الخارج، يتربّص به القدرُ ليقهره عن طريق رجلٍ ضامر البنية وقصير القامة، اسمه دانييلي كارّادوري، أصلع وملتحٍ، لكنّه قد وُهِبَ نظرةً، لنا أن نقول إنّها مغناطيسيّة، ستتركّز بعد قليل على عيني طبيب العيون لتقطِّر فيهما الريبةَ أوّلًا، ومِن ثَمَّ الحيرة فالألم، ولن ينفعه علمه (طبيب العيون) في الشفاء من كلّ ذاك. إنّه قرارٌ اتّخذه الرجلُ القصير، فاقتاده حتّى صالة الانتظار حيث هو جالسٌ الآن ينظر إلى حذائه ولا يغتنم العرض السخيّ الذي تقدِّمه المجلّات الجديدة الطازجة – لا الفاسدة والبالية منذ أشهر – المبعثرة على الطاولات الصغيرة. من غير المجدي أن نأمل أن يتروّى في الأمر.
ها نحن أولاء. باب العيادة ينفتح. العجوز المصابة بالتهاب الجفن تتخطّى العتبة، وتلتفت لمصافحة الطبيب وتتّجه نحو مكتب السكرتيرة لتدفع الأجرة (120.000 ليرة)، في حين يطلّ كارّيرا برأسه لإدخال المريض التالي. ينهض الرجل القصير، يتقدّم، يصافحه كارّيرا ويدعوه للدخول. مدوِّرُ الأقراص العتيق من طراز ثورينز الذي تجاوزه الزمن – لكنّ زمنه يعني منذ ربع قرن، فهو واحدٌ من بين الأفضل – محشورٌ على الرفّ مع المضخِّم الموثوق مارانتز والمكبِّرين الخشبيّين آر6، يدوِّر قرصَ غراهام ناش بصوتٍ منخفضٍ جدًّا، والمعنون «Songs for Beginners» (1971)، على أنّ غلافه الملغز، المسند على الرفّ إيّاه، حيث يظهر غراهام ناش إيّاه وبيده آلة تصوير في سياقٍ يصعب فكّ طلاسمه، يبدو أكثر الأشياء لفتًا للانتباه في الغرفة كلّها. ينغلق الباب مجدّدًا. ها نحن أولاء. سقطت الغشاوة التي كانت تفصل الدكتور كارّيرا عن أقسى صدمةٍ عاطفيّة في حياته الزاخرة بصدمات عاطفيّة قاسية أخرى.
فلنصلِّ من أجله، ومن أجل كلِّ السفن في البحر.
نعم أو لا (1999)
-صباح الخير. أدعى دانييلي كارّادوري.
-ماركو كارّيرا، صباح الخير.
-هل يذكِّرك اسمي بشيء؟
-هل ينبغي؟
-نعم، ينبغي.
-هلّا أعدتَ، من فضلك؟
-دانييلي كارّادوري.
-أهذا اسم المحلِّل النفسيّ لزوجتي؟
-تمامًا.
-أوه. اعذرني، لم أظنّ أنّي التقيتُك يومًا. تفضّل. ما الذي يمكنني فعله من أجل حضرتك؟
-أن تصغي إليّ، يا دكتور كارّيرا. وأن تمتنع إن أمكن، بعد أن أخبرك بما عندي، عن الإبلاغ عنّي لدى المجلس الأعلى للأطبّاء، أو – وهو الأسوأ – لدى الجمعيّة الإيطاليّة للتحليل النفسيّ، الأمر الذي بوسعك فعله بسهولة، بصفتك زميلًا.
-أبلّغ عنك؟ ولماذا؟
-لأنّي سأُقدِم الآن على ارتكاب فعلةٍ ممنوعة، وفي مهنتي يعاقب عليها القانونُ بحزمٍ شديد. لم أكن أحلم بارتكابها إطلاقًا، ولا تخيّلتُني يومًا أوشك على التفكير بها حتّى، لكنّي محقٌّ في اعتقادي بأنّك تواجه خطرًا عظيمًا، وأنّني الشخص الوحيد في العالم على درايةٍ به. لذا قرّرتُ أن أحيطك علمًا، على الرغم من أنّي بذلك أهدم واحدةً من القواعد الأساسيّة في مهنتي.
-اللعنة. قل.
-ولكنْ قبل ذلك أودّ أن أطلب منك معروفًا.
-هل تزعجك الموسيقى؟
-أيُّ موسيقى؟
-لا، لا شيء. ما الذي تودّ طلبه منّي؟
-أودّ أن أطرح عليك بعض الأسئلة، لمجرّد الحصول على تأكيدٍ حيال الأشياء التي قيلت لي عنك وعن عائلتك، ولاستبعاد ما وردني من صورةٍ مشوّهة. الأمر الذي أراه غير واردٍ ربّما، ولكنْ من غير الممكن استبعاده كلّيًّا. تفهمني؟
-نعم.
-أتيتُ بدفتر الملاحظات هذا. أجبني نعم أو لا، فقط، من فضلك.
-موافق.
-هل أبدأ؟
-تفضّل.
-حضرتك، الطبيب ماركو كارّيرا، البالغ من العمر أربعين عامًا، نشأتَ في فلورنسا، متخرّج من كلّيّة الطبّ والجراحة في جامعة لاسابيينسا بروما ومتخصّص بطبّ العيون؟
-نعم.
-ابن ليتيتزيا كالابرو وبروبو كارّيرا، معماريّان كلاهما، ومتقاعدان كلاهما، ومقيمان في فلورنسا؟
-نعم. لكنّ والدي مهندس.
-آه، حسنًا. حضرتك شقيق جاكومو، أصغر منك بقليل، ومقيم في أميركا؛ وشقيق إرينه – المعذرة – المتوفّاة غرقًا في أوائل عقد الثمانينات؟
-نعم.
-متزوّج من مارينا موليتور، ذات الجنسيّة السلوفينيّة، مضيفة أرضيّة في شركة لوفتهانزا؟
-نعم.
-والد آديلي، عشرة أعوام، تلميذة في الخامس الابتدائيّ في مدرسة عموميّة بجانب الكولوسيوم؟
-مدرسة فيتّورينو دا فيلتري، نعم.
-وحين كانت بين الثالثة والسادسة من عمرها، كانت على يقينٍ من وجود خيطٍ موصولٍ بظهرها، الأمر الذي دفعكما، أنتما والديها، للتوجّه إلى أخصّائيٍّ في علم نفس الطفل؟
-الساحر مانفروتو...
-ماذا؟
-لا شيء، هكذا يسمّيه الأطفال. لكنّ مشكلة الخيط لم يحلّها هو، مع أنّ مارينا ما انفكّت تصدّق ذلك.
-مفهوم. صحيحٌ إذًا أنّكما توجّهتما إلى أخصّائيّ في علم نفس الطفل.
-نعم، لكنّي لا أرى أيّ صلة لهذا بـ....
-حضرتك تدرك لماذا أطرح عليك هذه الأسئلة، صحيح؟ ليس لديّ سوى مصدرٍ واحد، وها أنا أتحقّق من مصداقيّته. إنّه هوسٌ لا أستطيع تجاوزه، نظرًا إلى ما جئتُ أخبرك إيّاه.
-موافق. ولكن ما الذي جئتَ تخبرني إيّاه؟
-سأطرح بضعة أسئلة أخرى، إن كان ذلك لا يؤسفك. ستكون أسئلةً أكثر حميميّةً، وأرجوك أن تجيب عليها بأعلى درجات الصدق. هل ترى أنّك قادر؟
-نعم.
-حضرتك تلعب القمار، صحيح؟
-حسنًا، أقلعتُ منذ زمن.
-ولكنْ في الماضي يمكننا أن نؤكّد أنّك كنتَ لاعب قمار؟
-نعم. في الماضي نعم.
-وصحيحٌ أنّك حتّى الرابعة عشرة من عمرك كنتَ أقصر قامةً من أقرانك، لدرجة أنّ والدتك أطلقت عليك لقب «الطنَّان»؟
-نعم.
-وأنّ والدك صحبك إلى ميلانو، وأنت في الرابعة عشرة، لإخضاعك لعلاجٍ تجريبيّ يعتمد على الهرمونات، كانت نتيجته أنّك اكتسبتَ طولًا طبيعيًّا، فَنَمَتْ قامتُك بما يقارب الستّة عشر سنتمترًا في أقلّ من عام؟
-خلال ثمانية أشهر، نعم.
-وصحيحٌ أنّ والدتك كانت تعارض ذلك، بمعنى أنّها رغبت في أن تظلّ قصيرًا، وأنّ اصطحابك إلى ميلانو ما هو إلّا الخطوة الوحيدة التي أقدم عليها والدك في ممارسته لمهامه الأبويّة، طالما أنّه في عائلته – واعذرني إن استخدمتُ اللهجة التي وردني بها هذا المعطى – لا يساوي قضيبًا؟
-آه! غير صحيح، ولكن بالنظر إلى مَن أخبرك بهذه الأشياء، نعم، مارينا لطالما كانت مقتنعةً بذلك.
-غير صحيح أنّ والدتك كانت تعارض العلاج التجريبيّ أم أنّ والدك لا يساوي قضيبًا؟
-غير صحيح أنّ والدي لا يساوي قضيبًا. سوى أنّ الانطباع الذي تملَّكَ الكثيرين كان ذاك على الدوام، لاسيّما مارينا. شخصيّتهما مختلفتان، هي ووالدي، لدرجة أنّه في معظم الأحيان...
-لا داعي لشرح أيّ شيء يا دكتور كارّيرا. قل لي نعم أو لا فقط، موافق؟
-موافق.
-صحيحٌ أنّك أغرمتَ دائمًا بامرأةٍ ما زلتَ تقيم علاقةً معها منذ سنوات طويلة، تدعى لويزا لاتيس، المقيمة حاليًّا في...
-ماذا؟ مَن قال هذا؟
-احزِرْ.
-أيُّ هراء! غير معقول، لا يمكن لمارينا أن تخبرك بأنّي...
-أجب نعم أو لا، من فضلك. وحاولْ أن تكون صادقًا، حتّى أتمكّن من تقييم مصداقيّة مصدري. هل ما زلتَ مغرمًا بلويزا لاتيس هذه أو هل ولَّدتَ هذا الانطباع لدى زوجتك، نعم أم لا؟
-كلا طبعًا!
-ما يعني أنّك لا تراودها خلسةً، أثناء المؤتمرات التي يصدف لك أن تشارك بها في فرنسا، أو بلجيكا، أو هولندا، أو في أماكن ليست بعيدةً جدًّا من باريس بكلّ الأحوال، حيث تقيم لويزا؟ ولا خلال الصيف، في بولغيري، حيث تلتقيان لقضاء شهر آب (أغسطس) في منزلين عائليّين متجاورين؟
-هذا مضحك! إنّنا نلتقي في كلّ صيف على الشاطئ مع أبنائنا، وربّما نتحادث طويلًا، لكنّنا لم نحلم يومًا بـ"إقامة علاقة"، مثلما قلتَ حضرتك، ولا حتّى أن نلتقي خلسة عندما أكون ذاهبًا إلى مؤتمر.
-اعلمْ أنّني لم آتِ إلى هنا لكي أحاسبك. ما جئت إلّا لكي أحاول التحقّق من صحّة ما وردني من كلام. إذًا، غير صحيح أنّك وهذه المرأة تلتقيان خلسة؟
-غير صحيح، نعم.
-وحضرتك تستبعد أنّ زوجتك قد تكون على يقين من هذا حتّى لو كان صحيحًا؟
-أستبعد ذلك بالتأكيد! لقد أصبحتا صديقتين أيضًا. يجولان على ظهر الحصان معًا، بمفردهما تمامًا: تتركان الأولاد عندنا نحن الزوجين وتمضيان كلّ الصباح للتنزّه في الريف.
-هذا لا يبرهن أيّ شيء. من الممكن أن يصادق المرء شخصًا ويلتقيه كلّ يوم تمامًا لأنّه يغار منه حتّى الهلاك.
-نعم لكنّ هذه ليست حالتي، صدّقني. مارينا لا تغار من أحد إلى درجة الهلاك، وأنا مخلِصٌ لها وهي تعرف ذلك حقّ المعرفة. والآن، هلّا قلت لي من فضلك لماذا أنا في خطر؟
-يعني أنّكما لا تتراسلان منذ سنوات، حضرتك ولويزا لاتيس هذه؟
-لا!
-رسائل حبّ؟
-لا طبعًا!
-هل أنت صادقٌ يا دكتور كارّيرا؟
-نعم طبعًا!
-سأطرح السؤال مرّة ثانية: هل أنت صادق؟
-أنا صادقٌ بالتأكيد! ولكن هلّا قلت لي...
-يتوجّب عليّ الاعتذار إذًا، فإنّني وخلافًا لقناعاتي التي كانت راسخة، أؤكّد لك أنّ زوجتك لم تكن صادقة معي، وإلّا لما أتيتُ إلى هنا، وهذا يعني أنّك لم تعد في خطر مثلما كنتُ أخشى، وبناءً عليه لن أزعجك أكثر. أرجو ألّا تقيم لزيارتي هذه أيَّ اعتبار، وأوصيك ألّا تبوح بشأنها لأحد.
-ماذا؟ لماذا تنهض؟ إلى أين تذهب؟
-أكرّر اعتذاري، فلقد اقترفتُ خطأ فادحًا في التقييم. إلى اللقاء، أعرف الطريـق...
-كلا، كلا. لا يمكنك أن تأتي إلى هنا، لتخبرني بأنّي في خطرٍ عظيم بسبب شيءٍ مّا أخبرتك به زوجتي، وتجري معي استجوابًا مفصَّلًا، ثمّ تمضي في حال سبيلك دون أن تقول لي شيئًا! عليك أن تقوله لي الآن، وإلّا أبلغتُ ضدّك عند مجلس الأطّباء مباشرةً!
-اهدأ، أرجوك. الحقيقة هي أنّني ما كان ينبغي لي المجيء إلى هنا وكفى. لقد عوّلتُ دائمًا على تصديق ما ترويه عليَّ زوجتك عن نفسها وعنك، وكوّنتُ فكرةً دقيقة عن الاضطراب الذي تعانيه تمامًا لأنّي صدّقتُها دومًا. وبناء على تلك الفكرة، وإزاء وضعٍ بدا لي في غاية الخطورة، ظننتُ أنّه من واجبي فعل شيء خارج حدود الأخلاق المهنيّة المفروضة عليّ، لكنّ حضرتك الآن تُبيِّنُ لي أنّ زوجتك لم تكن صادقةً معي حيال أمرٍ جوهريّ، وإذا لم تكن صادقة حياله فمن المحتمل أنّها لم تكن كذلك حيال أمور أخرى، بما فيها تلك التي جعلتني أعتقد أنّك في خطر. أكرّر على مسمعك، كان ذلك خطأي، الذي لا يسعني إلّا الاعتذار عليه مرّةً ثالثة، ولكنْ منذ أن انقطعت زوجتك عن المجيء إليّ وجدتُني أسائل نفسي حول...
-ماذا، ماذا؟ زوجتي انقطعت عن المجيء إليك؟
-نعم.
-ومنذ متى؟
-منذ أكثر من شهر.
-حضرتك تمزح.
-ألم تكن على دراية؟
-بالتأكيد لم أكن على دراية.
-لم تعد تأتي منذ جلسة الـ... السادس عشر من شهر تشرين الأول (أكتوبر).
-لكنّها تقول لي إنّها مستمرّة في ذلك. الثلثاء والخميس، في الثالثة والربع، كالعادة، أنا أتّجه لاستعادة آديلي من المدرسة لأنّ مارينا ينبغي أن تأتي إليك. حتّى في ظهيرة هذا اليوم عليَّ أن أفعل الأمر نفسه.
-أن تكذب عليك فهذا لا يفاجئني يا دكتور كارّيرا. المشكلة أنّها كذبت عليّ أيضًا.
-حسنًا، كذبتْ عليك حيال أمرٍ واحد. ثمّ المعذرة يا سيّدي، أليست الأكاذيب بالنسبة إليكم أكثر كشفًا من الحقيقة المحجوبة؟
-بالنسبة إلى مَن؟
-أنتم المحلّلين. ألا تفيدون من كلّ شيء، حقائق وأكاذيب، إلخ إلخ؟
-ومَن قال هذا؟
-لا أدري، أنتم... المحلّلون النفسيّون. التحليل النفسيّ. أليس كذلك؟ فمنذ أن كنتُ صغيرًا وأنا محاطٌ بأناسٍ تتّجه إلى التحليل، ولطالما سمعتُهم يقولون إنّ السياق والتحويل والأحلام والأكاذيب، باختصار، إنّ لكلّ شيء أهمّيّته تمامًا لأنّ الحقيقة التي يخفيها المريض تبقى عالقة. أم لا؟ ما المشكلة الآن إن كانت مارينا قد اختلقت شيئًا مّا؟
-لا، إذا كان ما يتعلّق بلويزا لاتيس من صنع مخيّلتها يتغيّر كلّ شيء، يصبح الخطرُ داهمًا بزوجتك حينذاك.
-ولكن لماذا؟ أيُّ خطر؟
-اسمعني، يؤسفني جدًّا: لم يعد مجديًا أن أتحدّث إليك. ولا تقل لزوجتك أنّي مررتُ إلى هنا، أحلِّفك.
-وكيف تحسَب أنّي سأتركك تنصرف بكلّ بساطة، بعد أن قلتَ لي ما قلت؟ إنّني الآن أطالب حضرتك بأن...
-لا جدوى أيّها الطبيب كارّيرا. أبلِغْ ضدّي لدى المجلس إن شئت، فأنا أستحقّ ذلك بالمحصّلة، بسبب الغلطة التي اقترفتُها. لكنّك لن تجبرني على أن أخبرك بما...
-اسمعني، ليست من صنع مخيّلتها.
-ماذا قلت؟
-ما قالته لك مارينا عن لويزا لاتيس ليس من صنع مخيّلتها. صحيح، نحن نلتقي، ونتراسل. سوى أنّها ليست علاقة، أعني هي ليست خيانة زوجيّة: إنّه شيءٌ يخصّنا ولا يسعني تعريفه ولا أفهم كيف استطاعت مارينا التوصّل إليه.
-أما زلتَ مغرمًا بها؟
-حذار فليس هذا ما يهمّ، المهمّ هو أن...
-اعذرني على الإلحاح: أما زلتَ مغرمًا بها؟
-نعم.
-هل تلاقيتما في لوفيانو، في يونيو الماضي؟
-نعم، ولكن....
-هل كتبتَ إليها في إحدى رسائلك منذ بضعة أعوام أنّك تحبّ الطريقة التي تغطس بها في الماء من الضفّة؟
-نعم، ولكن كيف استطاعت أن...
-هل نذرتما نذر العفّة، أيْ ألّا تمارسان الجنس حتّى لو اشتهيتماه؟
-نعم، ولكن بحقّ السماء، كيف توصّلت مارينا إلى معرفة كلّ هذه الأشياء؟ ولماذا لا تخبرني حضرتك بما عليك أن تخبرني به من دون تعقيدات؟ هناك زواجٌ وعائلة، هناك ابنة.
-يؤسفني أن أقولها لك يا دكتور كارّيرا: زواجك بحُكم المنتهي منذ مدّة. وبخصوص الأبناء، سيولد ابنٌ آخر عمّا قريب، لكنّه لن يكون ابنك.
نبض