أم كلثوم تروي "قصتها المحجوبة" في "حانة الست"
هل نجح محمد بركة في تحويل الواقع خيالاً لنتمكن من وصف كتابه "حانة الست" (دار المثقف، القاهرة) بأنه رواية؟
لا شكّ أنه نجح، ولو جزئيًا، خصوصًا في بدايات العمل، عندما طلبت أم كلثوم من الكاتب أن يدوّن سيرتها، بما أن كل ما كُتب- أو ما صوّر عنها- أغفل "قصة محجوبة" ترغب في أن تمليها عليه بنفسها.
وانطلاقًا من تلك البداية الخيالية، يمضي بركة في سبر أغوار الطفلة أم كلثوم، على ضوء ما نعرفه حول واقع أسرتها الفقيرة ومسقط رأسها الريفي، مستعينًا بالخيال لكي يملأ فراغات خلّفتها وقائع مجرّدة من تفاصيلها الحميمة.
ومن هنا جاء العنوان الفرعي للعمل: "أم كلثوم تروي قصتها المحجوبة". فالشخصية الرئيسة في "حانة الست"، أم كلثوم، لا تتورع عن ضرب الصورة المثالية لسيدة الغناء العربي، التي منحها الملك فاروق لقب "صاحبة العصمة"، مع أنه قبل ذلك كان يقتصر على أفراد العائلة المالكة، ولم تتوقف صور تكريمها رسميًا وشعبيًا، طوال حياتها وبعد موتها، وحتى اللحظة وإلى مدى غير منظور.
الأخت "سيدة" مثلًا ترى بطلة "حانة الست" ويوافقها "كاتبها"، أنها تعرضت إلى إنكار متعمَّد من جانب الكتّاب السابقين لسيرة كوكب الشرق، وربما من أم كلثوم نفسها.
لكنها في "حانة الست" مهمَّشة أيضًا، إذ اقتصر حضورها على حث شقيقتها، من وقت إلى آخر، على الزواج والإنجاب. مع أنه كان يمكن الاستعانة بالخيال بغية إعطاء هذه الشخصية مساحة أكبر، لتعويض ما تعرَّضت له من قبل من إنكار غير مبرَّر، خصوصًا وأن لها في الواقع حفيدة اسمها سناء نبيل، ورثت شيئًا من حلاوة صوت سيدة الغناء العربي، وبات الإعلام يتحدث عنها باعتبارها "حفيدة أم كلثوم"، ما يرسخ تهميش الجدة الحقيقية، التي طغت عليها سطوة حضور شقيقتها، حية وميتة.
تأويل شخصي؟
هل علينا أن نصدق أن أم كلثوم كانت على هذا القدر من الانتهازية والوصولية والأنانية و"الخلاعة"؟ يمكن أن يحدث ذلك إذا فصلنا أم كلثوم التي نعرفها عن أم كلثوم الشخصية الروائية في "حانة الست".
يمكن فعل ذلك، مع أن تفاصيل السيرة التي تتضمنها رواية "حانة الست" لا تشكل قصة محجوبة، كما يخبرنا العنوان الفرعي للعمل، إذ سبق أن تضمنتها كتب وأعمال درامية عدة.
المختلف هنا إلى حد ما، هو التأويل. تأويل تلك التفاصيل، من جانب الكاتب عبر استدعاء أم كلثوم لترويها بنفسها، متحدية القداسة التي أضفتها عليها غالبية تلك الكتب والأعمال الدرامية.
في بداية الرواية، تبدو أم كلثوم طفلة تقاوم عوامل كفيلة بوأد موهبتها التي اكتشفها والدها حين سمعها تردد ما ينشده هو من تواشيح وأذكار، كانت مصدر رزقه إلى جانب فلاحة الأرض. كان رزقًا شحيحًا يقي الأسرة بالكاد ذلَّ السؤال.
مشاكل الأنوثة
هي أيضاً كانت تعاني مشكلة مع أنوثتها، بعدما شبَّت عن الطوق وبدأت تدرك تنافر تكوينها الجسدي مع ما ينبغي أن تكون عليه الأنثى ليشتهيها الرجال... "لي عنق غليظ، أكثر غلظة مما تظنون. سُمرة بشرتي تفاجئ كثيرين من جمهوري حين يطالعون صوري القديمة بعد معالجتها بالألوان. صوتي يقع في المنطقة الوسطى بين الذكورة والأنوثة. كفي رجولية ضخمة، وأصابعي لم توهب طراوة بناتكم الحسان". ويمكن أن نرى في ما سبق مشاعر كتمتها أم كلثوم الحقيقية، ولم تجد أم كلثوم المتخيَّلة حرجًا في التصريح بها.
مع أن ما حدث في الواقع هو أن كثيرين تنافسوا على حب أم كلثوم المرأة، وفي مقدمتهم الشاعر أحمد رامي والملحن محمد القصبجي، فيما كان الموسيقي والمغني أبو العلا، محمد حبيبها الأول، حتى قبل أن تستقر في القاهرة.
في الرواية تبكي أم كلثوم المتخيَّلة حبيبها، عند قبره، ولكنها في اللحظة ذاتها تتشبث بيد أحمد رامي وهو يواسيها، لتخبره ضمنًا أن "الحي أبقى من الميت". كانت تعرف أنه يهيم بها، وقررت أن تستثمر ذلك حتى النهاية لمصلحة فنها، فكتب فيها رامي تحت تأثير اللوعة والاشتياق، عشرات وربما مئات القصائد.
تقول أم كلثوم المتخيَّلة: "زيجاتي سرٌ مكنون، ما تعرفونه عنها عجيبٌ وما خفيَّ أعجب. هذا بدينٌ أصلع، وذاك صبي جزار، وما بينهما تاريخٌ من الغواية والخطايا والحنين" (صـ 6).
وكان يفترض أن تخبر هذه السيدة سرّها المكنون، بما أنها قررت أن تروي أمام "الكاتب" قصتها المحجوبة. لكنها لم تفعل- سواء في هذا الأمر أو غيره- فتوقفت بالتالي معرفة القارئ المهتم بسيرة أم كلثوم بما تلقاه من أعمال سابقة، ومنها مثلا أنها لم تتزوج سوى من الطبيب حسن الحفناوي.
أما من تصفه أم كلثوم المتخيلة بـ "صبي الجزار" فهو الملحن محمود الشريف الذي يقول التاريخ أنه خطبها ولم يتزوجا، أما "البدين الأصلع"، فهو الصحافي مصطفى أمين، الذي ظل زواجه المزعوم من أم كلثوم يفتقر إلى دليل دامغ.
فهل كان على أم كلثوم المتخيلة أن تقدم مثل هذا الدليل في إطار سردها لقصتها المحجوبة في "حانة الست"؟ الإجابة يفترض أنها عند محمد بركة.
غلاف الرواية
ترى أم كلثوم المتخيلة كذلك أنها لم تكن بالنسبة إلى والدها سوى دجاجة تبيض ذهبا، إلا أن ما حدث في الواقع يدحض ذلك، بدليل أنه تردد كثيرا قبل أن يوافق على الانتقال معها إلى القاهرة حيث صنعت مجدًا مان المال في ذيله وفي شكل طبيعي جدًا، ومن دون تنازلات، ربما باستثناء أغنية واحدة جارت فيها الآنسة أم كلثوم ما كانت تقدمه مطربات زمانها من أغنيات "خليعة"، قبل أن تتراجع عن ذلك النهج، وتمهد الطريق لتصبح أول وآخر امرأة تتولى منصب نقيب الموسيقيين، ولتظل حتى اللحظة المطربة الأكثر انتشارًا وتأثيرًا، حتى بين أجيال لم تعاصرها.
وهكذا يمكن القول إن محمد بركة نفسه قد يختلف مع كثير مما ذهب إليه الكاتب الافتراضي لروايته "حانة الست"، خصوصًا في تأويل كثير من الوقائع التي اعتمد في سردها على قدر ملحوظ من التخييل، بما يضمن "صدم" القارئ ونزع الهالة عن واحدة من أهم الشخصيات التي عرفها العالم في تاريخه الحديث.
رابعة العدوية
وهذا النهج سبق أن اتبعته المخرجة الإيرانية المقيمة في الولايات المتحدة الأميركية شيرين نشأت بفيلمها "البحث عن أم كلثوم" (إنتاج العام 2017) استنادًا الى ما اعتبرته "رؤية شخصية"، وفيه مشهد تسأل فيه أم كلثوم المخرجة: "لماذا شوهتِ صورتي؟"، فتجيبها: "تعبتُ من شهرتك وعظمتك".
ووفق نهج مغاير جاءت رواية "أُم" التي كتبها سليم نسيب بالفرنسية ونشرت عام 1994، وترجمها الشاعر اللبناني الراحل بسام حجار تحت عنوان "أم كلثوم... كان صرحًا من خيال" وصدرت تلك الترجمة عن دار "العين في القاهرة عام 2009، علمًا أن تلك الرواية تركز على غرام الشاعر أحمد رامي بسيدة الغناء العربي.
تسرد "حانة الست" حياة أم كلثوم، من مولدها وحتى رحيلها، وكما تبدأ بهواجس البطلة تجاه جمالها كأنثى، فإنها تنتهي بالأمر نفسها... "شكرًا لمن تذكر أن يغلق عينيَّ الجاحظتين برفق. التجاعيد تملأ وجهي لكن إشراقًا خفيًا أطلَّ من بينها. لأول مرة أغني في وجود الآخرين دون أن أكترث لرد فعلهم: "حانة الأقدار عربدت فيها لياليها / ودار النور والهوى صاحِ / هذه الأزهار كيف نسقيها / وساقيها بها مخمور / كيف يا صاحِ"، ثم تنهي قصتها بسؤال: "حقًا وصدقًا، كيف؟". شدت أم كلثوم بتلك الأغنية ضمن أحداث فيلم "رابعة العدوية" الذي يحكي قصة امرأة بدأت حياتها بالمجون وختمتها بالذوبان في العشق الإلهي. فماذا يعني ذلك؟ الجواب عند محمد بركة، الذي حرص على التنبيه بعد انتهاء روايته إلى أن الوقائع التي وردت فيها حول السيدة أم كلثوم "صاغها خيال المؤلف استنادًا إلى وقائع مغيَّبة وحقائق منسية"، وهو الأمر الذي - كما أسلفنا - يظل موضع شك، في حال حاكمنا هذا العمل خارج سياق كونه محض عملٍ روائي.
نبض