03-11-2021 | 21:15

شربل داغر مقتفيًا أثر النّص الشعريّ "خارج القصيدة" ​

اختلف النقّاد دائمًا وأبدًا في حدود القراءة، فثمة من انشغل بالشاعر قبل الولوج إلى المتن الشعري، ومَن اعتبر القصيدة نصًا مغلقًا لا يُفسر إلا من داخله فحسب، ومن صال وجال حول سياق النص وصاحبه. هنا يواصل شربل داغر مشروعه في قراءة النص الشعري عبر أحدث كتبه "خارج القصيدة: بين تلفظ المتكلم والتعالق مع الغير" (دار خطوط وظلال).
شربل داغر مقتفيًا أثر النّص الشعريّ "خارج القصيدة"

​
Smaller Bigger

 

اختلف النقّاد دائمًا وأبدًا في حدود القراءة، فثمة من انشغل بالشاعر قبل الولوج إلى المتن الشعري، ومَن اعتبر القصيدة نصًا مغلقًا لا يُفسر إلا من داخله فحسب، ومن صال وجال حول سياق النص وصاحبه.

هنا يواصل شربل داغر مشروعه في قراءة النص الشعري عبر أحدث كتبه "خارج القصيدة: بين تلفظ المتكلم والتعالق مع الغير" (دار خطوط وظلال).

يضع داغر فرضيته الأساسية باستقراء النص نفسه، لكنه يرفض الانغلاق عليه، بل يمدّ مشروعه إلى خارجه، لأن النص مشتبك دائمًا مع خارج؛ على مستوى التلقي والإنتاج، وعاكس لسياق يتم التعبير عنه صراحة أو إضمارًا.

لذلك خُصّص مدخل الدراسة لتحليل ماهية النص بين الانغلاق والانفتاح. فعلى سبيل المثل، استكمل دريدا النظر البنيوي والسيميائي للنص، وكأن له "حياة" خاصة به لا علاقة لها بخارجه، ولا قصدية مؤلفه. وهو ما يسميه داغر "النقد المحايث" في مقابل النقد الإعلائي الذي يتعالق مع ما يقع "خارج النص"، وفقًا لمقولة بنفينيست بشأن "انفتاح النص على العالم".

ويشير إلى أن الكلام عن هذا الامتداد ليس جديدًا بل له سوابق، تتمثل في تحليل مسودات النص وطباعته، وعمليات التلقي، معتبرًا أن التشدد في "لغوية النص" وديناميته الداخلية، لا يستقيم من دون "خارج" إدراكي. لكن هل هو خارج واحد؟ تاريخي أم اجتماعي؟

يوضح أن هذا الخارج يشمل صلة الكتاب بكاتبه، وصلة الكتاب بنفسه "حياته الداخلية"، وثالثًا صلة الكتاب بالأفراد والمجموعات.

 

الخارج السّياسي والاجتماعي

يتناول القسم الأول من الدراسة العلاقات المكانية، بدءًا من "الطلل" مرورًا بـ"المجلس"، باعتباره فضاءً اجتماعيًا وسياسيًا، وصولًا إلى فضاءات فردية واجتماعية حديثة.

كما أن القصيدة نفسها هي حيز بنائي متخيل له مواصفات هندسية وطباعية، وفي الوقت نفسه تستدعي أمكنة شتى، من زاوية نظر معينة.

في الشعر الجاهلي، بُنيت القصيدة على "المكانية" بجعل "الوقوف على الأطلال" عتبتها البنائية. ولا يقتصر الأمر على "الطلل" المتلاشي، بل نجد شاعرًا مثل امرئ القيس يتحدث عن "الجلسة في الواحة" في يوم الغدير، ويصف الحارث بن حلزّة "رياض القطا". مع ملاحظة تبدل المكان من حياة البداوة، إلى واحته المتمدنة وبلورة معنى "المجلس" بوصفه "ركيزة اجتماع ديني وثقافي ولهوي".

بطبيعة الحال، لا يقتصر فضاء "المجلس" على الشعر، بل يتجلى لدى الفقهاء وعلماء اللغة، وفي "ألف ليلة وليلة" و"رسالة الغفران".

كما يرتبط المكان بالحنين كغرض شعري، مثلما يشتبك مع فضاءات الميلاد والإقامة، وبلورة مفهوم "الوطن" وتحولّه اجتماعيًا وسياسيًا، من القبيلة إلى الدولة، ومن الاحتلال إلى الاستقلال.

يتطرق الباحث إلى تجربة الشاعر المصري حافظ إبراهيم (1872ـ 1932) مستكشفًا العلاقة بين قصائده ومناسباتها العامة، والمستلهمة ـ غالبًا ـ مما كان يطالعه في الصحف، كأنّ القصيدة تعليق على "الخارج" السياسي والاجتماعي.

أيضًا اتجه الشاعر العراقي معروف الرصافي (1875 ـ 1945) بقصيدته ـ كما حافظ ـ صوب خارج تداولي، متعين في التشكيلات الاجتماعية والسياسية المستجدة. لكنه لم يقتصر على مطالعة الصحف، بل ذهب في اتجاه خارج تداولي آخر مستقى من الترجمات العربية لمدونة علمية وفلسفية وتاريخية.

كأن "الخارج" لديه بات أكثر اتساعًا ليشمل أحوال الكون، وأحوال نفسه أيضًا، مقتربًا من أسئلة الوجود. وهو ما نجده أيضًا في شعر إيليا أبي ماضي.

فبدءًا من النصف الثاني من القرن التاسع عشر، بدأت القصيدة العربية رحلة الخروج من البلاط، فتلاشت شيئًا فشيئًا صور السلاطين والباشوات والوزراء وقصائد المدح. أخذًا في الاعتبار أن الكلام عن "الإحيائية" في الشعر، لا ينفصل عن مسار استمداد الآخر الأجنبي عبر الترجمة.

 

 

الكيان والأسطورة

في الفصل الثاني: "الكيان بين الأسطورة والقصيدة"، يناقش داغر تجربة الشاعر اللبناني شارل القرم (1895 ـ 1963) وغربته اللغوية نتيجة الكتابة بالفرنسية لـ"الجبل الملهم"، وتداخل النص مع المتغيرات السياسية آنذاك، ومفهوم الوطن، واستعادة أساطيره الفينيقية.

أما الفصل الثالث "إخلاء المكان للمتكلم" فيُعنى بتشكل "ذات متكلم" داخل النص، والتوقف عند تجربة أدونيس، خصوصًا كتابه "مفرد بصيغة الجمع". فكيف يتموضع المتكلم؟ وما علاقة السيرة بالخارج المكاني؟


إن تعالق النص الشعري لا يقتصر على الخارج الجغرافي والاجتماعي والسياسي، بل ثمة خارج "فني" عبر تفاعلات إبداعية مع فنون سردية وبصرية مختلفة.

وضرب داغر مثلين؛ الأول من الشعر العربي القديم وفن "المدبجة" في الأندلس والمشرق وخصص له الفصل الرابع، والآخر فرنسي خاص بالتفاعل مع اللوحة الزيتية.

من أشهر نماذج "المدبجة" تجربة الكاتب الأندلسي عبد المنعم بن عمر بن حسان الجلياني وكتابه "ديوان التدبيج: فتنة الإبداع وذروة الامتاع".

يقدم الديوان مجموعة من "المدبجات" والشذرات المهداة في معظمها إلى الأسرة الأيوبية، والمدبجة نوع متولد من شعر المدح، يتشابه في بعض ملامحه مع فن "المقامة"، خصوصًا في التقعر والاستعراض اللغوي، والتراكيب التي يلزم بها الشاعر نفسه، عبر تشابك أبياتها وتداخلها، وتنوع قوافيها، وزخارفها اللغوية.

لنصل إلى الفصل الخامس "احتياج القصيدة إلى الصورة التشكيلية" بالتطبيق على كتاب "غسبار الليل" للشاعر الفرنسي ألويزيوس برتران، وهو نص محتشد بالحواشي، ينقسم إلى ستة كتب، ويعطي للقصائد هيئة بصرية وتشكيلية ممتدة، كما يفتح أفقًا للأسئلة حول علاقة الشعري بالنثري، وهل يمكن أن نعتبر برتران رائد قصيدة النثر؟

والملاحظ أن هذا الفصل بشواهده الفرنسية، بدا مغايرًا لمنهجية الكتاب المؤسسة على الشعر العربي في عصوره المختلفة.

 

الصّورة السينمائيّة

إن القصيدة لم تخرج فحسب عن مداراتها الجغرافية المعتادة، بل خرجت أيضًا عن مساراتها اللغوية التقليدية، إلى فضاءات التشكيل والسينما. من ثم جاء الفصل السادس بعنوان "احتياج القصيدة إلى الصورة السينمائية"، تناول فيه داغر تجربة الشاعر السوري محمد الماغوط "حزن في ضوء القمر" (1959)، والشاعر العراقي بدر شاكر السياب "أنشودة المطر" (1960) للدلالة على توجه القصيدة العربية: التفعيلية والنثرية، نحو "السرد البصري الممتد"، والتقطيع الزمني، والتوليف (المونتاج)، والبناء الحركي، وتكوين لقطات عريضة وقريبة. وكأنه قد أصبح للقصيدة عين ترى، وتروي.

ولعل أهم ما يميز الكتاب في قسميه وفصوله الستة، هو عدم تمترس شربل داغر وراء منهج بعينه، وانفتاحه على مقاربات نقدية وفكرية متباينة.

كما التزم بتحليل وتتبع "خارج" النص، بدءًا من بنيته اللغوية وأبنيته، وتقاطعه مع الاجتماعي والسياسي، وتفقد صيغ "المكان" المختلفة، وصولًا إلى "الخارج" الفني واستدعاء فنون لغوية وبصرية مثل التشكيل والسينما.

كأن البحث اتجه صوب التاريخ، من جهة، وصوب الجمالية، من جهة أخرى، ما يعني أن تحليل القصيدة لا يمكن أن يتحقق بعزلها عن سياقها التاريخي، بوصفها نصًا معزولًا عن كاتبها، وعصرها. وأيضًا لا يمكن الانشغال بالمؤلف والسياق وتجاهل بنيتها الجمالية. فكلا الجناحين لا غنى عنهما في إدراك شعرية القصيدة.

 
العلامات الدالة

الأكثر قراءة

كتاب النهار 10/16/2026 4:00:00 AM

تعود إيران إلى هذا العبث الاستباحي "الناعم" للبنان من خلال مسارعتها إلى الإطلالة على المشهد اللبناني بعد سلسلة هزات تولاها وتسبب بها "حزب الله" كأنها تثبت ضمناً الرسالة المزدوجة التي تكشف قدرتها من جهة على التأثير السلبي المدمر ومن جهة ثانية على توظيف ديبلوماسية المداهنة مع سلطات البلدان...

اقتصاد وأعمال 10/16/2026 5:35:00 AM
كيف تغيّرت أسعار المواد الغذائية في لبنان خلال الأشهر الأخيرة؟
دوليات 10/13/2026 3:08:00 PM
أعاد تقرير بريطاني تداول تنبؤات منسوبة إلى بابا فانغا عن حرب عالمية وتغيّر القيادة الروسية في 2026
لبنان 10/15/2026 5:28:00 AM
لا تستبعد الأوساط الديبلوماسية أن تشهد شوارع بيروت ومناطق أخرى تظاهرات في ساحاتها احتجاجاً على سوء الأوضاع المعيشية وارتفاع أسعار المحروقات.