رسائل إلى لا أحد (3 من 7)
عبرتُ مدرسة طاهر بك الإعدادية. طبعًا أعرف أن الذكريات ستنهال أكثر. قلت يا ربي لا أجد خرابًا. لفتة صغيرة على يميني في الطريق المؤدي إلى حي المتراس. تذكرت أنّ به ميدانًا الآن باسم محمود عبد العزيز. ليس لديّ الوقت لأزوره وأتذكّر الفنان الكبير. تذكرت كيف كان المتراس في أغلبه جزءًا من بحيرة مريوط.
لقد اتسّع مع ردم البحيرة. حمل المكان اسمه منذ أيام الحملة الفرنسية حيث وضعوا عليه المدافع كأنها متاريس تدافع عن المدينة. ويقال إن ذلك حدث أثناء الحرب العالمية الثانية أيضًا.
كان المكس هو مدخل المدينة الغربي من الصحراء ومن يعبره من التجّار يدفع المكوس على ما يحمله من بضائع. ازداد زحام شارع المكس بالناس والسيارات. هذا الشارع الذي كنت أحيانًا أشتري من محطة الرمل بما معي كتاباً وأعود مشيًا إلى البيت هذه المسافة الجبارة، فلا أجد فيه أحدا بعد الحادية عشر مساءً.
لا يمرّ عليّ إلا ترام خالية. أمّا لو تأخرت بعد الثانية عشر فلا يكون فيه ترام ولا أوتوبيسات. أنا وحدي والليل والخيال. الحديث عن الزحام ليس له معنى فكل مدن مصر في زحام الآن.
أسماء الذين عرفتهم في طفولتي وصباي كثيرة تذكرت بعضها مع مروري على مدرسة طاهر بك. لكنّي أتذكّر كوستا الآن في الورديان. كوستا اليوناني بائع مواد البويات. في أول يوم من شهر رمضان وكنت في السنة الأولى الاعدادية كنت عائدًا مشيًا لأضيع القوت كما يقول الكبار ومعي أصحابي.
كان كوستا واقفًا في الشارع يشرب من زجاجة خمر ويتطوّح. طبعًا لم يفتنا المشهد فأشرنا إليه هاتفين لبعضنا "ولا. كوستا سكران".
لم نقل فاطر فهذا أمر عادي للأجانب. ورحنا نشتم فيه. جرى وارءنا فأمسك بي وأخذ كراساتي وكتبي القليلة من شنطتي وألقي بها تحت الترام الذي يمرّ. لقد خلصني من يده استاذ للغة الانكليزية كان اسمه الاستاذ المسيري، وله ابنان معنا في الفصل هما أحمد وابراهيم. خلصني من يده ونهره بل ضربه أكثر من بوكس في صدره ووجهه وكوستا لم يقاوم. يعرفه فالأستاذ المسيري من سكان المنطقة. رحت أجمع كتبي من فوق الارض لكنّ الترام كانت قد مرت على كتاب اللغة الانكليزية كأنها تقصده بعد تدخل مدرس اللغة الإنكليزية لانقاذي!
مزّقتُ بعض صفحاته وأخذت الكتاب والكراريس ومشيت حزينًا. كانت هذه أول مرّة أصوم رمضان. كنت نويت أصوم اليوم كاملاً. قبل ذلك كنت أصوم لكن وسط النهار يقول لي أبي المتدين الطيب "افطر يا ابراهيم انت ضعيف كفاية عليك كدا"، كنت فعلًا نحيلًا جدًا وكنتُ دائمًا مصابًا بأمراض في المعدة، وكانت كلمة أبي التي لا أنساها "انا باصوم وصيامي بالنيابة عنكم يابني". لم يزجرني أو يرفع علي صوته الا مرتين. مرة وأنا في نحو السادسة، كنت أحب أن ألعب مع قطة في البيت. لففتُ حبلا رفيعاً حول عنقها ورحت أتركها تتحرك وأجذبها. في لحظة، ولا أعرف كيف فعلت ذلك، جذبت الحبل بقوة لاسمع صوتها تصرخ وأضحك فاختنقت وماتت. أعطاني أبي درسًا لا أنساه، أنّ في القطط أرواحًا للناس وأنها أطفال الله، وأخذ القطة التي كانت صغيرة وأخذني معه وخرجنا إلى شاطئ المحمودية فحفر لها حفرة ودفنها وأنا في غاية الدهشة.
منذ ذلك اليوم أحب القطط لكن ابتعد عنها. لم أربّيها حتى لا أتذكر ما فعلته. المرة الثانية التي زجرني فيها وكنت أكبر قليلًا، حين رآني أقطع صفحات من كتاب وألقي بها على الأرض. صفحة أو صفحتين. انحني يلتقطها وأنّبني على ذلك، فالكتابة هي حروف الله التي علمنا إياها، ولسوء حظي كانت الصفحات من كتاب الدين فكان تأنيبه أكثر لأن فيها آيات الله. لا تمزق الكتب ولا تلقي بها على الأرض أبدا. من يومها لا أفعل ذلك. لا أمزق صفحة من كتاب. المهم وصلت إلى البيت بعد ما جرى مع كوستا فرأتني أمي مرهقًا حزينًا فسألتني في خوف وفجيعة "مالك. حصل إيه؟". قلت لها "أفطر الأول"! بسرعة قدمت لي الطعام وأكلت ثم حكيت لها الحكاية فاستشاطت غضباً، لكني هدأت من غضبها وقلت لها انه لم يضربني، فقط رمى كتبي وكراساتي تحت الترام، لكنّ أستاذ الانكليزي ضربه خلاص، حتى لا تخبر أبي ويذهب للشجار معه.
لم أعد أذكر أين دكان كوستا. الدكاكين كثيرة جدًا على يميني، وعلى يساري ورش الخشب وبرج الساعة الذي كان يوماً مقرًّا لسفاره السويد في الإسكندرية، ثم باعته لشركة الترام الدنماركية القديمة في اسكندرية، ثم اشتراه تاجر الأخشاب الشهير أسعد باسيلي، وقيل إنه كان يجلس عليه يراقب العمال أثناء تنزيل الاخشاب من السفن في الميناء. أين ذهبت الساعة التي كانت أعلى البرج تدق كل ساعة كأنها ساعة غرينيتش والذي أخذت محطة الترام اسمها منها. يقولون إنها اختفت من زمان ولا يعرف أحد السبب لكني كلما مررت عليها أراها كما رأيتها صغيراً!
تذكرت كيف سمعت أن من تجار الخشب الكبار كان أبو عمر الشريف الذي كنا حين نراه في السينما نعتبره ليس غريبًا عنا بل من حيّنا.
المهم كنت اقترب من مقهى خفاجى ومن الترسانة بعد ذلك. مقهى خفاجى تحدثت عنه كثيرا في كتبي وسجلت فيه لحظات من لقاء طويل لقناة الغد كما فعلت مع مقهى اللنش التي ستأتي بعد قليل.
وهنا شيء من التاريخ للمقهى الذي أنشئ عام 1952 لصاحبه عبد الستار حفاجي.
كان له دور تعليمي وتثقيفي، فقد تحول إلى فصول لمحو الأمية وأيضاً مكتبة وغاليري لعرض الفنون التشكيلية وعلى جدرانه صور لتاريخ المقهى وأهم زواره. دعمه المحافظ حمدي عاشور والفنان فاروق حسني وعرض فيه عصمت داوستاشي بعض معارضه الفنية وكذلك عرض فيه مصطفى عبد الوهاب بعض لوحاته وكان ملتقي الادباء والفنانين وغيرهم.
قابلت فيه ذِكريِ خفاجي- أخو علي- الذي حاول أن يحافظ على تراث المقهي، وكذلك زوجة علي طبعا التي كنا نزورها أنا وزوجتي في بيتهم في العجمي ولازلنا نتبادل الاحاديث.
أخذ المقهى مساحة في روايتي "الاسكندرية في غيمة". لعب المقهى دوراً كمركز ثقافي لنا في الستينات، كان عملي في مواجهة المقهى وكان أمام المقهى حديقة فيها تمثال لجمال عبد الناصر وكان فيه جهاز تلفزيون، لذا كان مقرّنا المفضل لمتابعة خطب جمال عبد الناصر. يمثّل لي جزءاً من وجداني وارتبط لدي بذكرياتي مع أصدقاء الطفولة والشباب.
حكى عنه الفنان مصطفى عبد الوهاب، وكيف كانوا كطلبة من كلية الفنون الجميلة يقيمون معارضهم فيه وكانت تلقى اقبالًا كبير أو كيف أن هذا المقهى جزء من الهوية الثقافية للإسكندرية.
الآن لم يعد ملتقي ثقافي لكن الذكريات صور على جدرانه. تغيرت الأيام. بدأت الترسانة البحرية تظهر على يساري. كانت إحدى مصادر روايتي "في الصيف السابع والستين" و"بيت الياسمين". حيّ المفروزة كله أخذ نصيبه في رواية "السايكلوب" وغيرها.
ما لم أقله أنني حين اشتغلت في الترسانة كان رقمي بين العاملين 532 وحين غادرتها بعد عشر سنوات كان عدد عمالها اثني عشر ألفا أو أربعة عشر لا أذكر. الآن أربعة آلالف. كنا ننتج في العام الواحد مدمرتين وسفينة تجارية كبيرة. قرأت أنها أنتجت أخيرًا بعد توقف لسنوات، مدمرة بحرية. عمّالها الآن أربعة ألاف محول الكثير منهم الي قضايا لأنهم تظاهروا أو أضربوا عن العمل لزيادة رواتبهم. رحم الله أيام أن قادت الترسانة البحرية مظاهرات يناير عام 1977 في الاسكندرية.
مشيت السيارة وانا أتطلع إلى سور الترسانة وأقول المهم انها موجودة. مررتُ بمنطقة المفروزة ومقهى اللنش وغيرها مما أعرفه حتى وصلت إلى سينما الهلال. أعرف أنها هدمت من زمان بسبب الطريق العلوي الذي صار يربط الميناء بالأوتوستراد.
ذكرياتها تملأ كتاباً. كتبت عنها في كتابي "أنا والسينما". كان جوارها محل سمك نأخذ منه رغيف تعابين بقرش صاغ. رغيف بلدي محشو بالثعابين المطهوة في طاجن. الثعابين التي صارت أغلى أنواع الأسماك الآن. انها تعيش في مياه البحيرات وفي البحر أيضا. ردموا البحيرات وامتلأ البحر بالتلوث فأصبحت شيئًا نادرًا. كانت تباع وهي حية جوار الأسماك موضوعة في إناء كبير تتحرك فيه براحتها.
لا يزال خالد يمشي بالسيارة. وصلنا إلي آخر شارع المكس وسننحرف يسارًا إلي مينا البصل. هنا مدرسة القباري الابتدائية. مدرستي. لن أقارن بسببها بين التعليم زمان والآن. ما أكثر ما كتبت في هذا. يكفي انها كما كتبت في كتابي "أنا والسينما " كانت تأخذنا في رحلة بثلاثة قروش إلى سينما فريال التي كانت تذكرتها بتسعة قروش، وتعطينا وجبة ساندوتشين من الجبن التركي – الرومي – أوالحلاوة ، وتنقلنا في أوتوبيس بدورين. سأتذكر ما لم أكتبه. الزقاق التي تقع فيه المدرسة ينتهي بباب حديدي عريض مغلق دائما يؤدي إلى منطقة أرصفة قطارات البضائع. هناك باب آخر بعد الزقاق مفتوح لكن الشرطي يمنع مرور الأطفال منه، وأحيانا الكبار إذ يسألهم أين يذهبون. لماذا؟ لأن الأرصفة الموجودة منذ أيام اسماعيل باشا هي آخر محطة لقطارات البضائع.
تأتي القطارات من الصعيد أو الدلتا تقف كل منها على رصيف خاص بها في كل محطة تنزل حمولتها وتأخذ حمولة أخرى إلى البلد التالي وتستمر. تصل الإسكندرية بآخر ما فيها. كيف كنا نذهب إليها. كنا بعد الخروج من المدرسة نستغل صغر أجسامنا ونزحف تحت الباب المغلق فنعبر ونمشي ضاحكين. نفعل ذلك بعد أن نجرب المرور من الباب المفتوح فإذا رفض الشرطي عدنا إلى الباب المغلق، لكنّ الشرطي عرفنا وسمح لنا بعد ذلك. كنا نخبره أننا من سكان مساكن السكة الحديد في الطريق. كنا نصطاد العصافير بالنبال في طريق عودتنا.
ولكن أيضا في طريق الذهاب إلى المدرسة كنا نجد القطارات واقفة على الأرصفة، بعضها يتم إفراغه وبعضها ينتظر، وفيها القطن والقمح والأذرة والأهم بالنسبة الينا الدوم والبلح والفول السوداني والقصب. نأخذ منه إلى زملائنا في المدرسة، ولا أحد يمنعنا. حين صرت في المرحلة الاعدادية في مدرسة "طاهر بك" كنت أركب الترام حتى القباري أو أمشي ثم أعبر البوابة مشيًا الي البيت.
حين أكون وحدي لا أنشغل بالصيد، بل أبدًا أردد درس اللغة الانكليزية بالذات كأني أحفظه. انه المكان الذي درات فيه أحداث روايتي "الصياد واليمام" وتم تصوير الفيلم المأخوذ عنها فيه.
كم مقال كتبته لإعادة النقل بالسكة الحديد الذي صنعت أصلا من أجله قبل الركاب، وكان مصدر الدخل الرئيسي. كم مسؤول قابلته في هذا البلد وحدثته في ذلك. لقد بدأوا منذ آواخر السبعينات في تقليص النقل بالسكة الحديد حتى انتهي لمصلحة الجرارات والعربات وصرنا الدولة الأولى في حوادث الطرق.
كنت قبل أيام قد عرفت على تويتر من الباحث زياد مرسي، وهو باحث كبير في الآثار البحرية والتراث المعماري في الإسكندرية، أنه قد تم هدم أسقف الأرصفة وخلعت الأرصفة نفسها من فوق الأرض لأنهم كما قيل سيتوسعون في الميناء. الرصيف يمتدّ طويلاً حتى أنه يستوعب عربات أكثر من قطار.
عربات القطار الواحد لا تقل عن عشر عربات، وأحيانا تصل إلى عشرين عربة. عرض الرصيف لا يقل عن خمسة عشر مترا إذ تتحرك عليه عربات النقل التي تنقل مافي القطارات.
سيقول قائل إذاً كانت هناك عربات نقل؟ والإجابة نعم، لكن كلها صغيرة تتحرك داخل المدينة أو المحافظة نفسها، وليست بحاجة لحمل حمولة ثقيلة فتكون كبيرة ولها جرارات. هكذا كانت سيارت النقل داخل كل المدن ونادراً ما كنت تجد سيارة كبيرة. الرصيف من قطع غرانبيت خاصة جدًا إيطالية الأصل، يعني أثر من الآثار، ويرتفع متراً عن الأرض. نظرت بسرعة فوجدت ما قاله زياد مرسي صحيحًا. لم أسأل نفسي أين ذهبت قطع الغرانيت الجميل.
لقد كانت أكثر شوارع الاسكندرية زمان وخاصة منطقة مينا البصل وبحري من البازلت الأسود لكنهم نزعوه وسفلتوها بأسفلت لا يصمد للعربات فوقه فصاروا يسفلتونها كل حين.
لم أسأل نفسي أين ذهب بازلت الشوارع والأزقة الجميل الذي كلما سافرت إلى أوروبا أجده في مدنها على الأرض مطمئناً منذ مئات السنين. لقد قاموا بتطوير النقل بأن أضاعوا الأرصفه كلها والحمد لله. قلت فلأضحك.
رحت أتذكر شقاوتنا وكيف كنا نركب القطار الذي يتحرّك ونقفز منه أمام بيوتنا في مساكن السكة الحديد. نركب السبنسة لنفعل ذلك. لكننا، أيضاً من باب اللعب الغريب كنا نركب فوق العربة المسطحة التي كانت مخصصة لنقل الدبابات والمدافع أو السيارات.
مسطحة بلا سقف ولا جوانب ونقفز منها إلى العربة المسطحة التالية، في عكس اتجاه القطار فتكون القفزة سهلة، فالقطار المتحرك يقرّب العربة الثانية، لكن التحدي كان أن نقفز في نفس اتجاه القطار الذي يبتعد بالعربات فتتسع المسافة رغم ثباتها.
المسافة بين العربتين عادة صغيرة حوالي نصف متر أو أكثر قليلا، لكنّ القفز في اتجاه القطار يجعلها كبيرة وفقاً لسرعته، وربما نسقط بين العربتين فتكون النهاية، لكنا لم نسقط قط. ألا أكتب لكم الآن؟ ابتسم وأن أرى نفسي غير قادر على الحركة وأقول الحمد الله.
أنا الذي كنت أقفر من القطارات المسرعة ومن الأوتوبيسات والترام بظهري عكس اتجاه الاوتوبيس، أيام الصبا حين كنت مع أصحابي لا ندفع تذاكر ونتشعبط! لكني لم أستطع أن أمنع الحزن وأنا أرى الارصفة قد ضاعت. ثم هززت رأسي وقلت لقد أضاعوا حتى النقل النهري للبضائع، والحمد لله على وجود فيلم مثل "صراع في النيل" وهند رستم ورشدي أباظة وعمر الشريف وفيلم مثل "دماء على النيل" وفريد شوقي وهند رستم أيضًا.
من يدري ربما يريدون أن يؤكدوا أهمية ما يسمونه بالقوة الناعمة من الفن والأدب ويكتفون به فيضيعون مصادره! لقد أضاعوا تقريبًا أكثر من نصف ما كتبت عنه في الإسكندرية إن لم يكن كله، فمثل هذا المكان أيضا ردموا ترعة المحمودية وبنوا كوبري فوقها، ولن استطرد فأمامي لا يزال الكثير من الخراب. لكن من يدري ربما أجد ما يضحك.
نبض