03-06-2022 | 19:14

القمر ودلالاته الأنثويّة... بين الأسطورة والتّاريخ

يحظى القمر بمكانة كبيرة في مخيلة البشرية وكثرت حوله الحكايات والأساطير عبر التاريخ الإنساني وهذا ما يرصده الكتاب الألماني "القمر... في التاريخ والأساطير وأثره على النساء" لبيرند برونر" ترجمة الدكتورة "هبة شريف" (دار العربي- القاهر) بشكل شيق عبر فصوله الكاشفة عن مكانة القمر بين الشعوب المختلفة وكيف تحولت دلالاته وتصورات الناس حوله عبر القرون، في الفنون المختلفة من فلسفة وشعر ورواية وأدب رحلات ورسم وأفلام وكذلك في فضاء العلم.
القمر ودلالاته الأنثويّة... بين الأسطورة والتّاريخ
Smaller Bigger

يحظى القمر بمكانة كبيرة في مخيلة البشرية، وكثرت حوله الحكايات والأساطير عبر التاريخ الإنساني، وهذا ما يرصده الكتاب الألماني "القمر... في التاريخ والأساطير وأثره على النساء" لبيرند برونر، ترجمة هبة شريف (دار العربي - القاهر) رصداً شيّقاً عبر فصوله الكاشفة عن مكانة القمر بين الشعوب المختلفة، وكيف تحوّلت دلالاته وتصوّرات الناس حوله عبر القرون، في الفنون المختلفة من فلسفة وشعر ورواية وأدب رحلات ورسم وأفلام، وكذلك في فضاء العلم.

 
 
 
حضارات شرقيّة

ويركز الكتاب في الحديث عن القمر على الثقافة الغربية اليونانية والإغريقية، ويشير سريعاً إلى التصورات حوله في الحضارات الشرقية القديمة، مثل حضارات بلاد الرافدين أو مصر القديمة أو عند العرب قبل الإسلام أو في العصور الوسطى، ومن ذلك رصده السريع جداً لما قام به العلماء العرب في مجال الفلك ورصد القمر في بضعة أسطر، في مقابل تفصيله المطّرد لما قاله الفلاسفة والعلماء الغربيين عن القمر، فيصف الإنجاز العربي في علوم الفلك في ما لا يزيد عن مئة كلمة قائلاً "وفي العصور الوسطى قام علماء الفلك العرب بتطوير الحسابات التي قام بها علماء الفلك الإغريق في ما يخص مدار القمر، كما اخترع العرب الاسطرلاب، وهو أداة تستخدم لرصد حركة النجوم رصداً أفضل..."، كما يذكر في بعض الأحايين بعض المعلومات الناقصة أو المغلوطة عن علاقة العرب والحضارات الشرقية القديمة عن القمر. ويمكن التماس العذر للمؤلف في هذا الصدد لكونه ابناً للثقافة الغربية، وأنه اهتم برصد مكانة القمر داخل محيطه الثقافي دون التعمق في الحضارات والثقافات الأخرى. وهو الأمر الذي يحيل إلى حاجة المكتبة العربية إلى كتب من هذا القبيل، تغطي هذه الزاوية من التراث الثقافي العربي وحضاراته القديمة في علاقتها مع القمر، خاصة أنها ارتبطت به أكثر من أي أمة أخرى، هو الأمر الذي أشار إليه جواد علي في كتابه "المفضل في تاريخ العرب قبل الإسلام"، ويظهر صداه في كتاب "الأنواء في مواسم العرب" لابن قتيبة وغيره من كتب التراث التي تعدّ مادة خاماً بحاجة إلى تصنيفها بالصورة التي تجعل من القمر محوراً لها. وليس هناك أدل من حضور القمر في تاريخ العرب والشرق أكثر من أي أمة أخرى، خاصة أن تقويمها قائم على القمر في ما يُعرف بالتقويم الهجري، وبه ترتبط المناسبات الدينية من صوم وحج وأعياد. كما أن القمر حاضر في الكثير من الأدبيات السردية والشعرية العربية عبر تاريخه الممتد والتي يصعب حصرها.

 
 

أما في الثقافة الشعبية العربية، فكان القمر مرادفاً للجمال، خاصة في أيام اكتماله بدراً في القول المشهور "قمر 14"، كناية عن الجمال، ومقولة "وشك بدر منور" للدلالة على الحالة نفسها، وهو ما يذكره المؤلف في كتابه. ويلاحظ أن جل الموالد الشعبية للأولياء في مصر عادةً ما تكون في منتصف الشهر العربي لإقامة الاحتفالات لاستغلال الإضاءة التي يمنحها القمر للأرض، فكانت الليالي التي يكتمل فيها القمر أكثر نشاطاً من غيرها، ولم يكن العرب وحدهم الذين أثّر عليهم القمر بهذه الصورة، وهو ما يوضحه بيرند برونر  الذي يقول "كان ضوء القمر الساطع يجعل تجمع الناس أسهل، وكان يساعد العبيد في العثور على الطريق عندما كانوا يهربون ليلاً من مضطهديهم. ومن ناحية أخرى، كان اللصوص ينشطون في الليالي ذات القمر... وكان القمر يعطي السائر ليلاً الشعور بأنه ليس وحده".

 
أساطير قديمة

جرت العديد من التحولات لصورة القمر في المخيلة البشرية من أساطير قديمة، جعلت منه "إلهاً" في دياناتها، وتصورات هلامية من الفلاسفة حوله، ومحاولة من علماء الفلك لفهمه، فإنّ تلك الاعتقادات السائدة في كل عصر، كانت تنعكس بقوة في مجال الإبداع الأدبي الذي ينتج في هذه الحقب، حيث قام الفلاسفة الروائيون بما يتيحه لهم الفن من خيال برحالات إلى القمر وتخيّل حيوات وأناس يسكنون على سطحه، فقد كانوا يتخيلونه إما يوتوبيا أو على النقيض دوستوبيا، فقد وصف الفيلسوف الإغريقي "فيلولاوس" القمر في القرن الخامس قبل الميلاد بأن فيه جبالاً وأوديةً وحيوانات ونباتات، وأن حجم الإنسان هناك أكبر خمسمئة مرة من حجم البشر على الأرض.

وفي الشاهنامة التي كتبها الفردوسي ونشرت 1010، وصف رحلة عجائبية إلى القمر، وبعد هذا التاريخ، بعد قرون عدة من هذا التاريخ عام 1516، كتب لودفيكو أريوستو قصيدته الملحمية "أورلاندو فوريوسو"، وصف فيها رحلة إلى القمر وجد فيها طوبوغرافيا القمر مشابهة للأرض، وأن القمر بيئة مناسبة للتأمل والتفكير.

 

القمر في الإبداع

واستخدم عالم الفلك والتنجيم "يوهانس كلبر" في روايته "الحلم" عام 1643م العفاريت للوصول إلى القمر بدلاً من الحيوانات، ووصف في عمله القمر بأنه مكان شديد القسوة، فدرجات الحرارة تتبدل بسرعة، ما يضطر الحيوانات التي تعيش هناك إلى الهرب إلى الكهوف والشقوق، ولا تخرج منها إلا في فترات قليلة من النهار. أما الكاتب الفرنسي الساخر "سيرانو دي بردجراك" فقد تنبأ في كتابه "رحلة إلى القمر" عام 1657 بالصاروخ الذي سيصعد إلى القمر. وفي كتاب دفيد روسن "رحلة إلى القمر" 1703 رفض كل الوسائل التي قال بها سابقوه بالوصول إلى القمر، واختار بدلاً من ذلك منجنيقاً مصنوعاً من الريش ينقل المسافرين إلى القمر ومن القمر.

 

 

وفي كتاب فاسيلي ليوفشين "الرحلة الأخيرة" 1784، يظهر القمر كعالم تسوده المساواة التامة. ومنذ القرن الثامن عشر اختفت كل هذه الرحلات الرومانسية إلى القمر التي كان يستخدم فيها الكتّاب وسائل نقل خيالية، وبدأ الكتّاب المتخصصون في الكتابة عن الرحلات إلى القمر في التعامل أدبياً مع التقدم التكنولوجي بدرجة أكبر من ذي قبل، وظهرت العديد من الروايات التي ترصد الحياة فوق القمر مثل رواية "رحلة إلى القمر" 1827 لجورج تاكر، وينقل فيها التنافس بين سكان جانبي القمر، وتوالت بعد ذلك الروايات الأميركية التي جعلت من السفر إلى القمر موضوعاً لها، وحمل معظمها العنوان نفسه "رحلة إلى القمر"، ونرى فيها سكان القمر أحياناً بأحجام ضخمة وفي أخرى دقيقي الحجم، وهناك من جعل الحياة على القمر هي معكوس الحياة على القمر، مثل ما قامت به لوي دسنوييه في "مغامرات روبرت روبرت" 1839، حيث الفيلة في حجم النملة، والأغنام تحرس الذئاب...

ومن أكثر الكتابات دهشة حول الرحلات إلى القمر قصة جون فرن "من الأرض إلى القمر" عام 1865، والتي تنبأ فيها مثل روايات أخرى بالتطورات التكنولوجية التي حدثت في القرن اللاحق، وقدم فيها فكرة القذيفة التي تحمل إنساناً وتستطيع التغلب على قوة الجاذبية. كما أنه كان سبّاقاً في ما يخص التفكير في الإطار الزمني والمكاني لإقلاع الصاروخ، وقد توصل عبر تأملاته إلى أن المساحة الكبيرة من الماء هي أنسب موقع لهبوط السفينة. فقد هبطت كبسولة فرن بعد رحلتها المتخيلة إلى القمر في المحيط الهادي كما حدث بالضبط مع كبسولات رحلة أبولو، وفي حالتين جذب إقلاع الصاروخ عدداً كبيراً من المتفرجين، وتخيل أن الصاروخ سيُصنع من الصلب والألومنيوم، بالإضافة إلى الكثير من التفاصيل التي توافقت مع ما جاءت به رحلة أبولو إلى القمر توافقاً مدهشاً، رغم أن هذه الرواية في عصرها قد استُقبلت باستهزاء كبير من القراء المعاصرين، واعتبرت أنها لا تصلح للكبار، وتعرضت لنقد شديد، وأنها تفتقر إلى الجودة الأدبية، ولم تساعد الترجمات الرديئة على انتشار هذه الرواية خارج فرنسا، ولم تحقق انتشاراً واسعاً إلا بعد ظهور برنامج رحلات أبولو، حينها أدرك القراء أهمية هذه الرواية ومكانة فرن في تاريخ الخيال العلمي.

 

خيال يتحقّق

وانتقل هذا الشغف من الكتب إلى عالم السينما، فقدمت العديد من الأفلام الحياة على سطح القمر، مثل فيلم "امرأة في القمر" عام 1929 إخراج فريتز لانجأ واللافت للنظر في هذا الفيلم هو مشهد انطلاق الصاروخ وسط انعدام الجاذبية وانفصال الكبسولة عن الصاروخ التي تشبه ما حدث بعد ذلك في الحقيقية بعد أربعين عاماً، وبعد الحرب العالمية الثانية ظهر فيلم "وجه القمر" 1950 إخراج جورج بال، وكانت حوادثه مستمدة من المادة العلمية المتوفرة في هذا الزمن، ويفتقد الخيال، أما فيلم "النساء القطط من القمر" عام 1953، فيدور حول رحلة استكشافية إلى القمر حيث يجد أعضاءها نسوة يعشن في كهف من كهوف القمر، وتوالت بعد ذلك الأفلام التي تتناول القمر.

مع التقدم العلمي ووصول الإنسان إلى سطح القمر، فقد هذا الجسيم سحره والأخبار العجائبية المنتشرة حوله وعن الأساطير عن نشأته والحيوات التي عليها، والأخبار التي كانت تنقلها الصحف عن أشخاص يدّعون صعودهم إلى القمر، كلها غابت واختفت أمام الحقائق العلمية الثابتة الآن، واتجهت تلك الحكايات والمرويات ناحية كواكب أخرى أصبحت أكثر صلاحية لاحتواء مثل هذه الخيالات، وقد حل المريخ على سبيل المثال محل القمر في وجود حياة عليه، ولم تعد الكائنات التي تعيش عليه كما ترصده الفنون وديعة وطيبة، بل شريرة في معظم الأحيان قادرة على القضاء على كوكب الأرض. وعبر التاريخ الطويل، يلاحظ أن تصورات البشر عن القمر كانت رهينة لدرجة تقدم العلم وقتها، وحسب ما تسمح به الأساطير أو النظريات العلمية.

وقد نجح هذا الكتاب في تقديم تأريخ موجز للآثار التي تركها القمر في المخيلة الإنسانية التي اختلفت من عصر إلى عصر، ومن ثقافة إلى أخرى، وصولاً إلى هيمنة العلم.

مؤلف الكتاب هو بيرند برونر، ولد عام 1964 في برلين، وتشتهر أعماله بأنها تستكشف العلاقة بين الإنسان وكل ما يبدو بسيطاً في ظاهره مثل الكمثرى والقمر والاستلقاء. وهذا الكتاب هو من أحدث كتبه وأكثرها حصولاً على نقد إيجابي من القراء، وتُرجمت بعض أعماله إلى أكثر من 11 لغة، وتُرجم له من قبل كتاب بعنوان "الرمان... تاريخ وحكايات حول العالم".

العلامات الدالة

الأكثر قراءة

اقتصاد وأعمال 4/15/2026 2:20:00 PM
تمثّل الاستراتيجية الجديدة "تحوّلًا من مرحلة النمو والتوسع إلى مرحلة تعظيم الأثر الاقتصادي ورفع كفاءة الاستثمارات".
الخليج العربي 4/15/2026 10:00:00 PM
شددت على ضرورة "التزام حكومة جمهورية العراق بوقف ومنع كل الأعمال العدائية الصادرة من أراضيها"...
المشرق-العربي 4/16/2026 10:53:00 AM
تم خلال العملية ضبط ومصادرة أسلحة حربية وذخائر وجعب عسكرية كانت بحوزة أفراد الخلية
شمال إفريقيا 4/16/2026 10:47:00 AM
تصاعد الدور المصري في مفاوضات إيران يطرح احتمال تحوّل القاهرة من وسيط تقليدي إلى شريك فعلي في صياغة التسوية.