01-11-2021 | 13:40

نقدات عابر سبيل (2): يوم وقَفتِ الدَّولةُ إِجْلالًا للأَدب

في خِضَمِّ الحرب اللُّبنانيَّة المجنونة، قرَّرتِ الدَّولةُ تكريمَ ميخائيل نُعيمه (1889-1988). وكانَ صاحبُ "سَبْعون" تجاوز الثَّمانين. ولا ينسى أَبناءُ جيلي الصُّورةَ المعبِّرةَ التي تناقلَتْها الصحفُ ووسائلُ الإِعلام وبدا فيها المُكرَّمُ الجليلُ جالسًا على كرسيٍّ فيما أَركانُ الدَّولة جميعًا واقفون، وأَكادُ أَقولُ خاشعين! يومَها، قلتُ في نفسي: نِعْمَ الشعب الذي يبجِّلُ مُبدعيه ومُفكِّريه وهم على قيد الحياة، لا أَمامَ نعشهم وهم يُغادرونَها. كان ذلك في ختام الأُسبوع التكريمي الذي أَقامته له الدولة بين 7 و14 أَيار/مايو 1978.
نقدات عابر سبيل (2):

يوم وقَفتِ الدَّولةُ إِجْلالًا للأَدب
Smaller Bigger

في خِضَمِّ الحرب اللُّبنانيَّة المجنونة، قرَّرتِ الدَّولةُ تكريمَ ميخائيل نُعيمه (1889-1988). وكانَ صاحبُ "سَبْعون" تجاوز الثَّمانين. ولا ينسى أَبناءُ جيلي الصُّورةَ المعبِّرةَ التي تناقلَتْها الصحفُ ووسائلُ الإِعلام وبدا فيها المُكرَّمُ الجليلُ جالسًا على كرسيٍّ فيما أَركانُ الدَّولة جميعًا واقفون، وأَكادُ أَقولُ خاشعين! يومَها، قلتُ في نفسي: نِعْمَ الشعب الذي يبجِّلُ مُبدعيه ومُفكِّريه وهم على قيد الحياة، لا أَمامَ نعشهم وهم يُغادرونَها. كان ذلك في ختام الأُسبوع التكريمي الذي أَقامته له الدولة بين 7 و14 أَيار/مايو 1978. 

في أَواخر 1977 قصدتُهُ، لا في بسكنتا، عرينِه الجبليِّ حيث صومعتُه، بل في محلَّة الزَّلقا (ضاحية بيروت الشَّماليَّة) حيثُ كانَ يُمضي الشِّتاء اتِّقاءً للبردِ القارسِ بعد أَن بلغَ مِن العمرِ عتيًّا.

إِستقبلَني بكاملِ أَناقتِه ودعاني إلى الجلوسِ في حُجرةٍ متواضعة، قليلة الأَثاث، حتَّى خِلْتُ نفسي في دَيْرٍ أَو محبسةٍ أَو حُجرةِ أحدِ الأولياءِ المُعتكِفين والزَّاهدين والمُنْعتِقين عن العالم.

وبعد أَن قامتْ بالواجب السيدة مي، ابنةُ أخيه وملاكه الحارس طيلة حياته منذ عاد إلى لبنان سنة 1932، انصرفَتْ إلى المطبخِ تهيِّئُ له وجبةَ الغداءِ، وتركَتْنا نتحدَّث.

لم أَنتظرْ طويلًا حتَّى طرحتُ على المفكِّرِ أَسئلةً فيها بعضُ الإحراج، وأَبرزُها ما يربطُ علاقتَه وذكرياتِه برفيق ِ دربِه جبران (1883-1931). وكنتُ كتبتُ عن جبران وتساءَلتُ عن الهالةِ التي صبغَت حياتَه والغموضِ الذي لَفَّ علائقَه وتصرُّفاتِه في الوطن والمَهجر، وبخاصَّةٍ في فترة پاريس (1908-1910) مع الفنَّان يوسف الحويِّك (1883-1962).

  • نعيمه: كلُّ ما لديَّ عن جبران قلتُه في كتابي
 
  

حاولَ أَن يتملَّصَ من استفساراتي المُحرِجَة بدعوتي إلى مراجعة كتابِه المخصَّص لزميله جبران. وكنتُ بالطَّبع قرأْتُه وفيه، كما قالَ، كلُّ ما يعرفُه عن صاحب "النَّبيّ". لم يَشْفِ هذا التَّهرُّبُ اللَّبِقُ غليلي وصمَّمْتُ على "بقِّ البحصةِ" في حضرة الشَّيخ الجليل على مسؤوليَّتي. فقلتُ:

- في حياتِه العاطفيَّة، هل كانت لجبران ممارساتٌ غيرُ طبيعيَّةٍ وغيرُ مألوفةٍ مع النِّساء؟

فهمَ مُراديَ الخبيث، وراحَ يُحلِّلُ مُدَّعيًا أنَّ الذَّاكرةَ الرَّذيلةَ بدأتْ تخونُه، وأنَّه لم يكنْ يعرفُ كلَّ أسرارِ زميلِه الوسيم، وأنَّه كانَ زاهدًا عن أُمورِ الجنسِ وراغبًا عنه إِلاَّ في ما ندَر.

وكرَّرْتُ السُّؤال:

- هل كان جبران يتبجَّحُ بمغامراتِه العاطفيَّةِ بالقولِ لا بالفعلِ والممارسة؟

أَدركَ ميخائيل نعيمة أَنَّني أَستدرِجُه إلى الانزلاق ِ والبوحِ بما لا يريدُ أَن يعرفَه الجمهور، فأَجابَ بشيءٍ من الحِدَّة:

- يا أَخي، خدمتُ جبرانَ في حياتي وفي كتبي ومحاضراتي، فلم يُعجِبْ كلامي الكثيرين مِن مُريديه وممن نصَّبوه إيقونةً مقدَّسةً في قلوبهم ووجدانهم، والذين يَعدُّون كلَّ مَسٍّ به تطاولًا وهرطقةً وقلَّةَ وطنيَّةٍ وحسدًا وضيقَ عين... وعليه، قرَّرتُ ألَّا أَعودَ إلى الكلام على جبران لا سَلْبًا ولا إيجابَا، وكلُّ ما أَردْتُ قولَه موجودٌ في كتابي المخصَّص له.

فهمتُ يقينًا أنَّ نُعيمه لم يَقُلْ كلَّ شيءٍ عن زميله على الرَّغم من مرور الزَّمن، وأنَّه لو فعلَ لربَّما هدمَ جزءًا من الهالة والأسطورةِ في نفوس مُريديه في الوطن والمهجر.

حين همَمْتُ بالانصراف رافقَني الشَّيخُ الجليلُ ببساطةٍ وتواضعٍ لافتَين، وقال:

- أتمنَّى عليكَ أنْ تُبقي هذه الدَّردشةَ في سرِّكَ حتَّى رحيلي.

دعوتُ له بالعمر المديد وانصرفت.

راسلتُه مرارًا في أُمورٍ ثقافيَّة، وعندما دُعيتُ لترجمة مذكِّرات كمال جنبلاط (1917-1977) وفيها كلامٌ على نعيمه، كتبتُ إلي فأجابني بهذه الرسالة التي نصَّها لأَحدهم - وكانت الرّجفةُ بدأت تُعيقُه عن الكتابة - مُكتفيًا بالتوقيع بخطِّه.

العلامات الدالة

الأكثر قراءة

المشرق-العربي 5/31/2026 9:28:00 PM
فيديو متداول للرئيس أحمد الشرع وعقيلته في بلودان يثير تفاعلاً واسعاً
لبنان 6/2/2026 9:09:00 PM
بين طريق الخطر وطريق العلم والمعرفة، أثارت الحادثة موجة واسعة من الجدل، ترافقت مع انتقادات طالت وزارة التربية والتعليم العالي، حيث وجّه كثر أصابع الاتهام إلى وزيرة التربية ريما كرامي على خلفية الإصرار على إجراء الامتحانات حضورياً.
لبنان 6/3/2026 7:11:00 AM
يسلط التدقيق الضوء على شركة الطيران الوطنية التي تتخذ من بيروت مقراً لها، والتي حافظت على استمرار حركة الطيران في لبنان خلال الحرب والانهيار المالي.