مرفأ بيروت بعد انفجار 4 آب 2020.
غسان الحلبيقصيدة "الرابـــع من آب 2020"حشرجات، لا هي الحياة ولا هو الموت، هو الوقـتُ بين ضفَّـتـيْـن. الشَّاهدُ كان ميـتًا كما قال، لكنَّ شكلَ الموت هنا هو الغـرقُ في "حـبرِ المكانِ كلّه" الذي كانَ "العدَمُ الذكيُّ" قد دلـقَـهُ دلقًـا. إنَّها ليست المدينة كما نتوهَّمها كأنّـنا مواطنوها حقّـا. هذا الَّذي كان يجري أمام أعيـنـنا ليس سوى "تدجين العدم" بل "تدجين الهباء كلّه، والأوجاع، والشّموس، والغيُوم، وسائر المشقّات الليلـيَّـة". يُسمع صوتٌ خافِت خلل حشرجة الشَّاعر هذه المرَّة (حين بات والمدينة واحدًا) فما عاد لهبُ الشِّعر يكفيه، بل يريدُ منه رمادَه وأشلاءَهُ والنَّشيدَ الصَّاعدَ من عيْن الرّكام: "كيف وبأيِّ صوتٍ أُغطِّي هذه الفاجعة؟!".هو لا يُغطِّي شيئًا، وإنَّما، كالمحتضر الَّذي يرى شريطَ حياته في الثواني الأخيرة قبل الغياب، التمعتْ في رؤياهُ الصاعقة كلُّ الحقائق القاسية لفَجيعةٍ اقـتـلعت كلَّ شيءٍ منظور من مكانه. لم يسعـفْهُ فعل "التغطية"، بل أخذ يدَهُ بقـوَّةٍ الهذيانُ عينه، فمضى بقلبٍ "لا يتحمَّل شرايـيـنَهُ المتدفّـقة على الرَّصيف" إلى التقاطِ طاقة الهذيان متوسِّلًا ذاكرته الشّعريَّة التي أبت إلَّا أن تنجده بالحِـبر المضاد لحِبر العدم إيَّاه، صارخًا بصَمتٍ يحفظُ بالكلمةِ كلّ الأصْوات التي يُمكنُ لمدينةٍ مُستباحَة أن تطلقَها في وجه مرتكِبي جُـرْم العدم. "لستُ شاهدًا لكنّي أروي"لا أحدٌ بقادرٍ على أن يشهد في شبه تجلّي العدم عينه في ثوان رمَتْ في وجوهنا جميعًا ما هو كنه النهايات البائسة. لقد انتهى كلُّ شيء، وإن استشعرنا البدءَ من جديد فهو بدءٌ من فوق أنقاض روحٍ مُنهَـكة، ومن قلب خضمّ الغبار القاتم، والدخان الأشد كثافةٍ من عين الباطل، ومن سُخام ليلٍ بهيمٍ صنعوه لنا في كبد النهار. بقايا الرُّوح هذه لا تشهد، هي تحاولُ أن تروي لأنَّـها في جوف الخراب، ولأنَّها أرخص ما في هذا الخراب قياسًا إلى حضُورها غير القابل لموتٍ صِرْف.الروايةُ هذه ليست كمثل كلّ الروايات. لغتُها خارج الشِّعر والنَّـثر والغنائيّات والتفجُّع والعاطِفيّات البلهاء والجلوس في العتمة الحالكةِ قـيْد لعبة اللغة. كلّ هذا يمكنُ التقاط شظاياهُ من بين الرّكام. غير أنَّه ليس ركام مدينةٍ باتت سيِّدة السَّبايا، بل هو دمها الَّذي أرادوه من طِين، وجسدها المُستباح فوق قارعة الطَّريق، ووجهُـها الذي عرف كلّ الوجُوه الكاذبة الخدَّاعة الزائفة. "أغسلكِ بصدَأ قـلـبي"صدَأُ القلبِ من خِذلان المدينة. وخيال صاحبِه "كسيح" لكنَّهُ "خيال ناجٍ... يدرأُ عن المدينةِ انعدام الخيال". هذا جدلٌ صاعد في مستوى وعيٍ وُجوديٍّ بعيد الغَـوْر. جدَلٌ لانتشالِ حال النـَّـزْعِ من لِجَاجِ الفنـاء وهَباء العدَم. جدلٌ مسكونٌ بأصداء مراثٍ من عهدٍ قديم، وهمهماتِ أناشيدِ جوقةٍ في مسرح إغريقيّ، ونزوعٍ، من شدَّة اتّحاد الحُبّ والأمل بالتفجُّع والألـم، إلى وَأْد العَبَث البيكيتي الطّالِع من أهوال حربٍ كبرى... هو استغراقٌ في الهُنيْهة الزمنيَّة التي اختصرت كلَّ شيءٍ في حاضر المَدينة ومستقـبلها. هنيْهاتٍ مصوَّرة. سيْلٌ دافق من الصُّور والانذهال وأشباح كآبةٍ توشكُ أن تكونَ قاتلة. ماذا يفعل المرءُ في هكذا مدينة تُراكمُ الخراب منذ نصف قرن؟ لكنَّ الراوي/الشّاعر يرذل الانطباعات السَّالبة. هذه مدينةٌ أقـوى من الخراب. يقول هذا بكلّ ما أوتيه من أُلـفة اللغة. بكلِّ ما يمهُرُه من إشعال النّار في نثرها، وبالطَّبع، بكلِّ ما يقدحُ في ...