حلمت أنّني أسير في سهل من الثّلج لا أوّل له ولا آخر، والبرد يلسعُ بدني شبه العاري، فأرتجف منه وتصطكّ أسناني، وأشعر بجوع يمزّق أمعائي، فأسرع الخطى علّني أصل إلى زاوية أحتمي فيها من الهواء السامّ.
وأتذكّر أنّني كنت قد التقيت – كذلك في الحلم – بفتاة صغيرة جائعة فأعطيتها رغيف الخبز الذي كنت أدّخره زادًا لطريقي؛ وأهديت معطفي لشيخ عجوز ضلّ طريقه فغدرت به الرّياح...
وتلفحني نسمة صقيع تقعدني عن السَّير فأسقط منهوكة القوى. وتأخذ الظلمة تزحف على البياض فتحيله سوادًا. وإذا بي أرى في البعيد ضوءًا خافتًا، فتعود الحياة إليَّ من جديد! وأحثّ الخطى للوصول إلى ذلك الضوء علّني أجد فيه الدفء والمأوى والغذاء...
وأصل إلى الكوخ الصغير فأجد امرأة ورجلًا يجلسان متقابلَيْن، يتّكئ الرجل على عصاه وكأنّه في غفوة، والمرأة تحني رأسها وكأنّها تفكّر متأمّلة أو تصلّي. وألقي التّحية عليهما، فلا يجيبان؛ وكأنّهما لم يهتمّا لوجودي أو لم يسمعاني. وفجأة أشعر أنّني ضائعة في التاريخ، فأسألهما:
- في أيّة سنة نحن؟
ولكنّهما لا يحيران جوابًا، وكأنّهما هما أيضًا ضائعان في التّاريخ!
فأهمّ بمغادرة المكان كي لا أُثقلَ عليهما، إلّا أنّ الظلام والصقيع يمنعانني من الخروج: فأعود أدراجي لأرى في إحدى زوايا الكوخ الصغيرمذودًا فيه طفل اجتمع حوله رجال يرتدون أفخر الملابس، فأعجب من نفسي كيف لم أرهم من قبل!
وأقترب من المذود المحاط بالهدايا الثّمينة، فأرى فيه طفلًا فاق كلّ أبناء البشر جمالًا، تغمر وجهه بسمة سماويّة ما عرفها وجه. وإذا به يخاطبني قائلًا:
- شكرًا على هديّتك.
وكأنّ زوّاره كانوا في غفوة واستيقظوا على صوته، فأخذوا ينظرون إليّ شزرًا. عندها أحسست بالخجل لأنّني لا أحمل هديّة مثلهم. ولكنّني ما لبثت أن شعرت بثقل بين يديّ، فنظرت ورأيتني أحمل علبة صغيرة!
وفي غفلة عين، دخل المكان رجال ملثّمون يتطاير الشرّ من عيونهم، واستولوا على الهدايا الثّمينة الموضوعة قرب المذود، وإذا بأحدهم يقترب منّي ويختطف العلبة من بين يديّ، وحين يفتحها يجدها فارغة، فيرميها بين قدميّ ويلحق برفاقه.
فيأسف أصحاب الهدايا على هداياهم، وينظرون إليّ بسخرية لأنّ هديّتي ما استحقّت أن يهتمّ لها حتى لصوص أوغاد.
وإذا بجوقة من خمسة ملائكة، يحمل اثنان منهم كأسًا كأنّه مسكوبٌ من الدمع! كان في علبتي! فأعجب كيف لم يره اللّصوص!... ويأخذ الملائكة ينشدون:
"هذه كأس الجوع والعري والآلام
طوبى لشاربي خمرتها، خمرة الآلام
وآكلي قربانها، قربان الجوع والعري
فقد شاركوا فيها الطفل يسوع".
عندها، شعرت بدفء ما شعرت بمثله من قبل، وشبع أحسست أن لا جوع بعده، لأنّه شبع الروح التي وُلدت من جديد مع ميلاد يسوع في مغارة الجوع والعُري.
الأكثر قراءة
المشرق-العربي
4/14/2026 4:20:00 AM
لـ"إسهاماتهم في خدمة القضية الفلسطينية وصون الذاكرة الوطنية والثقافية"...
شمال إفريقيا
4/13/2026 12:00:00 PM
مصر تحت صدمة وفاة البلوغر بسنت سليمان بعد بث مباشر مأساوي من شرفة منزلها
اقتصاد وأعمال
4/14/2026 9:14:00 AM
كم بلغت الأسعار الجديدة؟
لبنان
4/14/2026 4:37:00 PM
وفيق صفا: نحن غير مهتمّين بها إطلاقاً ولا تعنينا
نبض