نقاش- ما معنى دولة في لبنان؟
Smaller Bigger
أنطوان مسرّه
 
يطرح موضوع الدولة لبنانيًا في نظام برلماني تعددي أربع معضلات تتطلب بناء نظريًا وبرامج تطبيقية:
1. سيادة الدولة
2. الدولة في علم النفس اللبناني.
3. نظرية الدولة لبنانيًا كجسر تفاوض وأيضًا حسم وتقرير.
4. دولنة الثقافة السياسية اللبنانية ضمانًا لوحدة الدولة وشرعيتها وبفضل برامج تطبيقية.
***

1. سيادة الدولة: الدولة في لبنان ليست مُكتملة الصفات الأساسية ontologiques المسماة ملكية (rex, regis, roi) وهي أربعة: احتكار القوة المنظمة، احتكار العلاقات الديبلوماسية، فرض وجباية الضرائب، إدارة السياسات العامة.
 
يعبّر القول بأن كل الفرقاء في لبنان لهم ارتباطات خارجية عن خلط في أربعة أشكال في العلاقات الخارجية: الاحتلال، التدخّل الخارجي لصالح فئة سياسية بالمال والسلاح، الدعم من خلال سلطة الدولة، قرارات الشرعية الدولية حيث لبنان عضو وغالبًا عضو مؤسس.

2. الدولة في علم النفس اللبناني: الدولة في علم النفس اللبناني جسم خارجي. تستمع الى وزير ونائب على شاشات التلفزيون يتوجه الى "الدولة" ويتهم "الدولة" وكأنه غريب عن المؤسسات العامة. ويظهر ذلك من خلال استعمال الناس لكلمة "دولة" في مختلف الشؤون. يُعاني اللبناني في علم النفس العيادي psychanalyse من انفصام في الشخصية اذ يطالب من جهة بدولة قوية هي بطبيعتها سلطوية، وهو مُتمسك من جهة اخرى غريزيًا بالحريات لدرجة الفوضى.
 
انتشرت مفاهيم وصور ذهنية عن الدولة اللبنانية تجنبًا للتطرق المباشر الى الجانب الثقافي والنفسي: دولة التسوية Etat du compromis، ودولة الخطيئة الاصلية القائمة على التوازن péché originel، ودولة الانصهار intégration forcée والتي يُنتظر منها تذويب المجموعات في قالب واحد، ودولة كبش المحرقة bouc-émissaire التي يحافظ عليها سياسيون ومليشيات لسرقتها، والدولة الرصيف المشرّعة الأبواب Etat trottoir، ودولة الحد الادنى Etat minimal في بعض الطروحات المسماة اصلاحية، ودولة تعميم نظام اهل الذمة dhimmitude، والدولة الاحتياط Etat de réserve في تركيب آلية حزبية للحلول مكان الدولة الرسمية عندما تسمح بذلك الظروف او الحروب المستوردة.

3. الدولة لبنانيًا: ادارة ديموقراطية للتعددية أو "هيمنة فئوية" وباب عال ونظرية الحوكمة الشهابية gouvernabilité: كيف تكون الدولة اللبنانية جسر تفاوض وأيضًا سلطة حسم وتقرير؟ يهدف الدستور اللبناني، في نصه وروحيته، في ما يختص بسياق التقرير حسب المادة 65 من الدستور، تجنب طغيان أكثرية abus de majorité وطغيان اقلية abus de minorité. هذه المادة هي روعة في المخيّلة الدستورية من منظور عالمي ومقارن. هذه المادة هي ثمرة عباقرة في الفكر الدستوري. تنحرف عن مضمونها من خلال أيديولوجية وممارسات "الثلث"، و"التعطيل" "والحجم" و"الحقيبة الوزارية الطائفية"... وخلف شعارات في "الطائفية" "والميثاقية".
 
أحد الاحتمالات في إدارة التعددية الدينية والثقافية هو ما يُسميه الكاتب الإسرائيلي Sammy Smooha "الطغيان الفئوي" minority control. في كتابنا سنة 1994 طرحنا إشكاليات دولة الحد الأدنى والدولة الذميّة والدولة الاقحوانيةEtat minimal, Etat de la dhimmitude, Etat chrysanthème. يسعى كل فريق في الدولة الاقحوانية الى نزع ورقة من الوردة بدون الحرص على تناسقها، أي ما يُسمى المحاصصة وهو توزيع زبائني للمراكز الوزارية والإدارية لتبادل منافع.
 
المادة 49 هي القاعدة الأساس لانتظام النظام الدستوري اللبناني. رئيس الجمهورية هو الذي "يسهر على احترام الدستور"! ممارسة الرئيس فؤاد شهاب هي بالذات النهج الاختباري المجسّد والمكرّس والفاعل والمؤسسي، بعيدًا عن مخيّلة مارونية سائدة، ولبنانية عامة، حول "الصلاحيات" في سياق علاقات نفوذ وتوازن قوى.
 
ان جدلية السلطة autorité والدولة Etat في لبنان جوهرية في البحث العملاني منذ 1980 حول الأنظمة البرلمانية التعددية خارج سياق "الهيمنة الفئوية". عندما تصبح كل الطوائف في لبنان سيادية حقًا يتوفر الأمان النفسي لدى الجميع وتصبح التطورات مُمكنة بموجب نص الدستور اللبناني بالذات وروحيته.
 
يكمن المخرج الوحيد والاساسي لتطور النظام الدستوري اللبناني في نظام اشد عضلات musclé في الحسم بفضل رئاسة جمهورية "تسهر على احترام الدستور" (المادة 49)، وبفضل مزيد من المساواة égalitaire بفضل تطبيق معياري وليس زبائني لقاعدة التمييز الإيجابي او الكوتا (المادة 95).
 
يُجسد تطبيقيًا الرئيس فؤاد شهاب هذا المسار. يجسّده ايضًا الرئيس بشير الجميل في خطابه الأول بعد انتخابه رئيسًا واعلانه مباشرة: "نعمل منذ اليوم على تطبيق القانون!" في اليوم التالي بالذات لم يغب أي موظف متقاعس عن ادارته!
 
لم تكن الحصيلة الدستورية لوثيقة الوفاق الوطني وما استتبعها من تعديلات دستورية نحو رئاسة فخرية، بل نحو نمط آخر سعيًا للتوفيق بين المشاركة في الحكم والفصل بين السلطات partage du pouvoir et séparation des pouvoirs concilier في النظرية الدستورية المقارنة حول الأنظمة البرلمانية التعددية. لا مبرر مستقبلاً لرئاسة جمهورية للمسيحيين، والموارنة بالذات، الا في "السهر على احترام الدستور"، أي القيادة المعنوية الدستورية للبنان "العربي الهوية والانتماء" ووجه مسيحي جامع لصالح الإسلام العربي الحضاري وخلافًا لمسارات حالية في المنطقة. يتطلب ذلك تغييرًا جوهريًا في المخيلة الجماعية، والمارونية بالذات، لرئاسة الجمهورية وفي الأيديولوجيا السائدة للصلاحيات كعلاقات سلطة ونفوذ.
 
تتطلب الحوكمة الرشيدة للدولة في لبنان gouvernabilité توجهات عدة.
قاعدة التمييز الإيجابي او الكوتا: الحاجة الى تطبيق القاعدة، الموجودة في اكثر من أربعين بلدًا اليوم، استنادًا الى معايير الاختصاص والمصلحة العامة (المادتان 12 و95 من الدستور).
 
حكومات "إجرائية": عندما تتحول الحكومات الى مجالس نيابية مُصغرة، ينتفي تمامًا المبدأ العالمي في فصل السلطات. والحكومات، حسب الدستور، تُمثل "الطوائف" (المادة 95)، وليس القوى السياسية ولا "حجم" و"احجام" القوى السياسية. وليس للحكومات في أي بلد من العالم صفة تمثيلية بالمعنى الانتخابي.
تتضمن اية منظومة دستورية، كما في الجسم البشري، ظواهر صحية وظواهر مرضية. تم استغلال كل امراض منظومة نظام برلماني تعددي، وحتى البحث المنظّم عن كل الظواهر المرضية في هذه الأنظمة، تحت ستار الوفاق والتوافق "والميثاقية"... لجعل النظام غير قابل للحكم ingouvernable الا من خلال اللجوء الى الباب العالي.

4. دولنة الثقافة السياسية: خطط تربوية للسنوات 2020-2023: تتطلب ضمانة العيش المشترك دولنة الثقافة السياسية اللبنانية وبرامج تربوية. يوجب ذلك مزيدًا من التعمق في تعليم الحقوق وكل الاختصاصات التعليمية وبخاصة منهجية التأريخ اللبناني، واعداد كراسات ثقافية وتربوية حول أبرز القضايا التالية في ما يتعلق بالدولة لبنانيًا للسنوات 2020-2023:
- ما معنى دولة؟
- الدولة في اعلان دولة لبنان الكبير.
- ما الذي تغيير بعد اعلان الاستقلال في 22/9/1943: سيادة، حكومة وطنية، امن، جمارك، عملة وطنية...؟
- تاريخ الدولة في لبنان كما نرويه لأولادنا.
- حبيبتي الدولة: 1975-1990.
- تاريخ النظام الدستوري اللبناني كما نرويه لأولادنا.
- نهضة ومصائب الدولة اللبنانية: 1943-2020.
- حياد لبنان وجذوره التأسيسية انطلاقًا من وثيقة البطريرك بشاره الراعي وسياسة لبنان الخارجية الرسمية.

يوجب إعادة البناء صياغة الأمانة العامة للمدارس الكاثوليكية، التي تضم مؤسسات تعليمية في كل لبنان، وبالتعاون مع مؤسسات تعليمية أخرى، وانطلاقًا من منهجيات عمل اختبرت في لبنان، برنامجًا للسنوات 2020-2023، بالتعاون مع معلمين لانتاج واختبار مواد تربوية تطبيقية في القضايا الأولوية الثلاث الآتية:
 
1. الشأن العام espace public في الحياة الوطنية والمحلية واليومية والذي هو العابر بطبيعته لكل الانتماءات الأولية.
2. الدولة في التاريخ اللبناني مع أبرز العناوين المذكورة آنفًا.
3. الذاكرة الجماعية المشتركة.
***
يتطلب أي شكل من أشكال الأنظمة الدستورية وجود دولة مكتملة المواصفات الملكية ومدعومة بدولنة الثقافة اللبنانية، والا ينحرف أي نظام الى تقسيم مقنّع أو اقطاعيات وقبائل وامارات...!
لنخضع الى محكمة الفكر Tribunal des idées انتاج لبنانيين وأجانب غرقوا في سجالات، بدون اختبار تطبيقي وبدون مقاربة مقارنة، حول "الطائفية" و"العلمانية" وبسخرية حول "الصيغة الفذة"... كانت ثمرة هذا الاجترار بعد أكثر من نصف قرن: تبرير الاحتلالات، وبركة لسياسيين فاسدين ومخادعين لأن السببية تعود الى "النظام"، وزعزعة شرعية المنظومة الدستورية اللبنانية والدولة في الادراك الجماعي.
البديل عن المنظومة الدستورية اللبنانية، وشرط دعمها بدولنة الثقافة السياسية، ليس التقسيم ولا الفدرالية ولا اللامركزية..، بل قبائلية وزبائنية وهيمنات فئوية برعاية باب عال!
 

مقتطف من بعض الدراسات الحديثة التي تصدر قريباً في كتاب حول الجذور الثقافية وفي علم النفس التاريخي للسلوكيات في لبنان.
العلامات الدالة

الأكثر قراءة

لبنان 3/31/2026 5:00:00 AM
محاولات متواصلة للتقدّم إلى مجرى الليطاني، إضافة إلى قطع طريق الساحل ومحاصرة بنت جبيل 
لبنان 3/31/2026 10:21:00 AM
مواجهات جنوب لبنان: مقتل 4 جنود إسرائيليين بينهم ضابط  وإصابة 6
موضة وجمال 3/27/2026 6:53:00 PM
أكسسوارات الحقيبة باتت بيان هوية… ودمية "براتز" تعود باسم "براتزيز"