الأحد - 16 كانون الثاني 2022
بيروت 13 °

إعلان

لوحة "مقعد المير"، لريمون غالب: قبلة وذكرى على خليج البحصة في البترون

المصدر: "النهار"
يوسف طراد
لوحة مقعد المير.
لوحة مقعد المير.
A+ A-

رسمَ ريمون غالب لوحته بين الأرض والسّماء، ولوّنها بأرجوانٍ فاتنٍ جميل، يحاكي المدى وأسرار الأعماق، ويحفظ عهد العشق حكاية نقشهما التّاريخ فوق الصّخر والزّبد.

من هنا بدأت الحكاية التي كتم البحر سحرها. وراحت ريشة الفنّان، تنقش أجمل اللّحظات، تبوح بسرِّ الجّمال.

(الفنّان ريمون غالب)
 

يبدو أنّ الأسطورة، قد رحلت مع من رحل، وبقي "مقعد المير" استراحةً لوكيل ملك صور على رأس "ليثوبروسوبون" محفوظًا داخل إطار لوحةٍ بعد الزّلزال الكبير. ولم يتنكّر "أيطو بعل الأوّل"، ملك سيدة البحار لملاذه في "خليج البحصة"، في البترون، بل ترك أمنية ووصيّة، محفورتين على صخرة يغسل البحر أقدامها، وتتربّع في لوحة قبالة أجمل خليجٍ طبيعيّ على ضفاف الحلم. تنهّدت أطيافٌ بين قناطرَ، تراقب ظل شبحِ ملكٍ هاربٍ من هموم رعيّته، حاملًا على منكبيه مسؤولية مدينته. أطيافٌ تتراءى، وأرواحٌ تصارع الأمواج، يصحبها "أيطو بعل الأول"، لتصبح زبدًا متناغمًا مع حلم السّفر، عائدة معه على أمواج الحكاية إلى صور الأبيّة، تاركة الصّخرة في "بترونا" خاوية، ومشتاقة إلى لقاء مجد تاريخ لن يعود.

التاريخ إن حكى، بكلِّ مجده وقسوته، روى بغصّةٍ حكاية وطنٍ، وأنين شعبٍ، وسحر بحرٍ، وأسطورة خالدة. وأخبر عن ظلالٍ هربت من حرّاس السور الفينيقي، إلى داخل إطار لوحة، وداعبت مع ريشة فنّان الحجارة الصمّاء، ورسمت أسطورةً لأماكن عبرت، ولاحقتها بطولات لم يتّسع لها الماضي.

عزفت الرّيشة على أوتار الجّمال، حين غاب قرص الشّمس، وتأنّقت اللوحة لهَيْبة الملوك فوق الأسوار التي لا تنام، حيث لا وجود لعابث في خليج الأحلام. وأضيئت دروب المراكب، مذ قطَف الملك قبلته الأولى من مبسم عشيقته فوق الصّخرة العارية. تهادى شذا الأرز مع نسيم الشرق، وعانق عطر زهر الليمون على "خليج البحصة"، حيث لا شواهق تحجب الضوء، ولا شوامخ تستر سحر الغروب، بل ألوانٌ مدموجةٌ مع أطياف أفق لوحةٍ، بلقاء أزليٍّ مع مدى بحرٍ حالمٍ بقدوم مراكبَ من التّاريخ، لتعيد مجد وطن الفينيق.

في فضاء اللّوحة، اِلتقى الأبد الأزرق مع الأزل المتوهّج، فاختال اللون الأرجوانيّ فوق مروج السماء، قبالة السور الفينيقيّ. وانحدرت الشّمس إلى ملاذها المؤقت، وسكن ملاك المساء الطائش ظل قناطرَ، منتظرًا سحر ابتسامة على امتداد الشفق. أنا لست مجرّد مقعدٍ، أنا الصّخرة المنتصبة على شاطئ فينيقيا، مقعدي حفره الدهر. ورسمني ريمون غالب خارج الزمان والمكان، فتوهّجْتُ داخل لوحته بحكاية صدفة تنتظر صيادًا، ليُخرج لؤلؤتها، ويضعها مع رفيقات لها في عقدٍ ساحر، يحلم بعنق أميرة فينيقية من أميرات صور.

الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم