مارون حكيم يصنع الجمال تحيةً إلى بيروت
ما سرّ حب الطبيعة الذي يميّز أساليب جيل فناني السبعينات؟ لكأنّ هوى الرسم والتلوين وحرية التعبير يلتقيان في ينبوع إلهامات المنظر الطبيعي. ولعلّ الحنين إليه هو الدرب الذي يمشي فيه الرسَّام والنحات مارون حكيم، مغمّساً ريشته بمشاعر الحب والاشتياق واللوعة والحزن في بوحٍ واحد ومتعدد المقامات في آن.
هو بوح النحّات حين يرسم، وحين يتحرّر من ثقل الخامات لينعم بشفافية الألوان ورقص الريشة على سطح القماش. والفنان لا يبادل حب الطبيعة بالنكران، بل بالجهر ولو بعد صمت وطول غياب عن المعارض الفردية، وكأنه آن الأوان للمصارحة، ولقول الحقائق والتعبير عن وجع الداخل وغصة القلب.
وإنما ليس بلغة المراثي والقرف الموصوف بالقبح، بل بأجمل الترانيم والأهازيج وألوان الزهر وسخاء المطر، بالولادات الجديدة التي تعقب مواسم الجدب والغضب والحرمان. هكذا كانت التحية التي وجّهها مارون حكيم، الى بلاده في معرضه الذي أقامه في غاليري "آرت أون 56" (الجميزة- بيروت)، متضمناً مجموعة من 36 لوحة أكريليك، و12 منحوتة غالبيتها من الرخام الأبيض والملوّن، بأحجامٍ صغيرة ومتوسطة.
"تحية الى بلادي" هو عنوان معرض حكيم الجديد، أتى بُعيد صدور كتابه "بالفن أحيا" وهو عمل ضخم جمع فيه سيرته الذاتية ومساره الفني طوال خمسين عاماً، فضلاً عن أرشيفه الخاص ووثائق وشهادات من نقّاد فنيّين وشعراء وصحافيين، بترتيبٍ زمنيّ يبدأ من العام 1966 حتى العام 2020.
يشتمل الكتاب على 1100 صورة من الأعمال الفنيّة والصور الشخصية، إضافة إلى المقالات والكتابات التحليلية عن أعماله، بحيث يشكل الكتاب بمحتوياته قيمة مرجعية شاملة لأعمال الفنان ومراحله.
رؤى مغموسة بالشعر
لا إنها ليست الطبيعة فحسب، بل لعلّها الأرض وما تحت الثرى، أو الذاكرة والجذور وتداعيات الطفولة والنشأة في أحضان القرية (مزرعة يشوع- المتن الشمالي)، بكل ما تحمله هذه النشأة من عنفوان الانتماء وحكايات شجرة العائلة وعبث الشباب وسنوات المعرفة والنضج بين ضفاف الثقافات في بيروت.
هكذا لم يعد السرّ سراً حين نقف أمام أعمال مارون حكيم، بما تحمله من خطابٍ بصريّ يعيدنا بالحنين إلى أجمل ما في المُنتج الحداثيّ من تودّد ولطافة وقوة في العلاقات التي بنتها يداه على مرّ السنين مع الحجر الأصمّ، وفي العلاقات التي تقيمها الريشة ببساطة مع الألوان وهي تتقصى فضاءها، ما بين افق وجبل وسهل وبحر وسماء وغيوم وبعضٍ من تخيّلات.
لعلها رؤى ما بعد كابوس إنفجار 4 آب (أغسطس) الذي زلزل بيروت وغيّر معالم وجهها البحري وبيوتها وساحاتها وشوّه ضحكات أمواج شواطئها، رؤى مشوشة مغموسة بدارمية شعرية على نحوٍ ما، لا مهرب من هذه الشعرية التي تعمّ مناخات بيت الحكيم بجوار زوجته الشاعرة سمر.
![]()
البحر الجريح
صرخة بيروت
انها رؤى ليست واقعية تماماً ولا استذكارية، وكأنّ مارون يرسم بإحساس من لا يريد أن يصدّق، وهو الذي خبّأ صرخته ووجعه، وخبّأ ايضاً معهما انفعاله وردود فعله على ما حصل. ثمة ما لا يقال ولا يداني بقسوته الأوصاف في حينها، قد أخذ يظهر على السطح ولكن بعدما أخذ وقته.
هكذا تتجلى أمامنا لوحات مشهدية بيروت بُعيد الانفجار، مشهدية بالأزرق والاشكال المفككة والمتطايرة والمبعثرة الاركان والاعمدة والتيجان والزخارف، بيوت فوق بيوت، ركام فوق ركام وحطام كبير بلا رجاء. مع ذلك تبدو مشاهد بيروت تحت ريشة مارون بحلاوة زائدة، مزيّنة بآلاف الضربات والنقاط والبقع والظلال. لم أرَ تشوهاً جميلاً للمكان مثل بيروت بعيني مارون، برغم كل الأحزان التي تلوح من عماراتها المهزوزة وافواهها المفجوعة وعيون نوافذها المكوّرة من شدة الهلع.
عمارات مصابة بالهلع الذي يصيب الإنسان حين يصرخ، على غرار صرخة إدوارد مونخ. الغريب أن البحر الجريح وسط الهلع يحافظ على هدوئه المعتاد. كذلك في لوحات مارون التي جاءت صادقة ومؤثرة لفرط ما اختزنت من مشاعر وخبأت وأرجأت هذا الصراخ كي يجيء مدوياً ولكن بهدوء ورويّة.
من الهامات الطبيعية
اللون لغة الجمال
"الجراح ثخينة، الدروب حالكةٌ مقفلة، والوحوش تقضم جسد المدينة وتجثم فوق أنقاضها. يطيب الجرحُ ، يهدأ البالُ، أرتّب ُالأحزان، أستحضِر المساحات الملوّنة وأبدأ بترميم وجه الأرض، معلناً السلام، رافعاً رايته، بحثًا عن ضوءٍ، عن جناح ٍ عصفور، عن وردةٍ تفوح من تأوهات الركام".
ذلك قول الفنان في كلمة كتيب معرضه، الذي استحضر فيه جانبي الحياة، في مرحلتين من الزمن، هما ما قبل الانفجار وبعده. وفي ظل هذا الاستحضار، تبدو الطبيعة كأنها مشغولة بقطاف المواسم الشبيه بقطاف الريشة لضربات الألوان وتراكماتها وتوقيعاتها على سطح القماش، وهي تتجاور وتتناغم وتتناقض وتتوهج غناءاً ورقصاً ولعباً ولهواً، كي يصل المشهد الى حال الامتلاء أوالنهم اللوني.
وقد نخال أن المنظر بسطحه وأبعاده، مبنيّ باللون وحده، باللطخات العريضة والفقاعات التي تظهر كالبالونات الخفيفة المتطايرة واللمسات الصغيرة المنمنمة. فاللون حالة كما يقول الفنان منسوجة بلغة الملامس والتقميشات المحسوسة بالعين وتداعيات تقنيات اليد المختبرة بأدواتها من توترات وخربشات وتدرجات وتنقيطات وتزييحات وتمشيطات وتسميكات وتشفيفات... وقحف ومحو، كل هذا يتداخل متقمصاً جسد اللون وروحه ليتحول حالات تشكيلية جمالية مغايرة.
أما تكوين المنظر فهو أفقٌ وفضاء بالمعنى التقليدي (على ضفاف تجريد مدرسة باريس)، يعكس اجتهادات الريشة في اجتراح الواقع الاقرب الى الاختزال والتبسيط التجريدي من المقترب الحداثي، وربما الأقرب الى الحلم الذي يخرج عن التقليد وأي قيود وتصنيفات. فالفنان في حضرة الطبيعة "كالعصفور يسافر حتى آخر الانفاس في غابة الحرية".
لطالما اعتبر مارون الطبيعة ذات كينونة بشرية، تمتلئ بالحالات المتناقضة وتغصّ بالمشاعر والانسانويّة المرتبطة على الدوام بما يستشعره الفنان من مستويات الهناء والطمأنينة والسكينة والانسياب والسيولة من جهة، والعذابات والآلام والتوترات والانفعالات الجامحة الممثلة في تمثلات الحروب وترميزاتها وتجسداتها وويلاتها من جهة ثانية.
"قبل الانفجار الكبير، قبل تدفّق براكينه، كانت طبيعة بلادي ساحرة، مُلهمة، مضيئة وهادئة. رسمتُها ولوّنتُها كما لو كانت ينابيع نور وفرح: متغزلاً بغيوم ربيعها والصيف، بدفء ثلوجها، بحماوة القرميد، بسكينة الأرض بعد مواسم الحصاد وقطاف الزيتون، مستمتعاً بشروق شمسها والغياب، بلياليها المُقمرة، متبصّراً بجبالٍ تحرس السهول، بسكونها، بحوارها مع السماء، بسحبها تغازل الضباب، وبشمسها تفرّ عند المغيب، لكنّ على وعد الإياب".
لئن كان فنّ مارون معتمداً بقوة على الهامات الطبيعة، تُرى هل يمكن أن نتخيّل مدى تأثير الانفجار الكبير على أعماله التي أصيبت في الصميم؟ هل بقي فرح ونور وضياء ولون؟ لم يكن أمام الفنان سوى خيار المواجهة. مواجهة اليأس بالمثابرة والقبح بصناعة الجمال، هذه الصناعة التي يتقنها مارون حكيم، المتمسك بتقاليد التصوير التي نشأ عليها باعتبارها القيمة الفنية الأساسية. أما اللون فهو برأيه جوهر العمل وروحه "اللون ابن الضوء والعيون، جسده مادة وذاته نور".
نبض