السبت - 20 آب 2022
بيروت 26 °

إعلان

العنبر رقم 12 (بيروتشيما) لنمر فريحة: انعتاق من سلطان الغموض

المصدر: "النهار"
يوسف طراد
"بيروتشيما" لنمر فريحة.
"بيروتشيما" لنمر فريحة.
A+ A-

منحنا نمر فريحة، من خلال كتاب "العنبر رقم 12 (بيروتشيما)"، فرصة الانعتاق من قيود سلطان الغموض، المترّبص بنا على ضفاف عصف انفجار، حين كتب الحقيقة التي دُوِّنت بها قصّة دماء الأبرياء.

مئة وست وثلاثون صفحة، تتمنى أن لا تقرأها عند بداياتها لما تحويه من حكايا مؤلمة، كما تتمنى أن لا ينتهي الكتاب عند نهاية القراءة، لما يحويه من سرد واقعي للأحداث قُبيْل وخلال وبُعيْد انفجار الرابع من آب.

ارتضى الكاتب لنفسه مهمّة أدبية وتوثيقيّة، كتبها ولم يفسّرها لأنها واضحة. فكتابه يتألّف من مجموعة كوابيس حصلت بالواقع، نهايته محكمة افتراضية من عالم الأحلام، جاءت أحكامها من رصد كاتبه الشّديد الوعي لجذور الأحداث، فهو قد التزم بالحقيقة جمعًا وتدوينًا. هذه الأمانة في الكتابة نبعت من معاناة صميمية امتلكها. وبتوثيقه للأحداث بكل أمانة، ساعد في حمل صلبان ضحايا انفجار الرابع من آب، مضيفًا مع كلّ خطوة إكليلًا جديدًا من الشّوك، توّج به جوع قلبه إلى الوطن المثالي، وجوع القارئ إلى الحقيقة التي أسمعته شهقة الاحتضار المؤدّية إلى الوعي الجماعي.

تورّدت الحقيقة، فوق أشواك هوْل اللّحظات الأليمة، وافترشت الصفحات قبل رحيل الأمل بها على دروب الحقائق التي سبقتها، فقد ورد في الصفحة 10 من الكتاب: "...بينما من ارتكب الجريمة يُسأل بخجل عما إذا كان له دور في الإهمال، وليس التسبّب بالقتل! والجواب معروف". ومازال الشواذ محفورًا في مكانه، والسهم يشير إلى مكان واحد من دون اسم محدّد، مكان يجلس فيه حكّام الوطن على كراسيهم، هم الذين لم يمنحوا هذا الوطن الجريح أيّ ملامح راحة منذ تكوينه: "... لماذا لكلّ شواذ مكان ومكانة عندنا ؟!" (ص 11).

رسما للكون حكاية ملوّنة، بأهداب عيونهما المسافرة إلى سر الزواج، لكنّ عصف الانفجار وضعهما في مخاض الهذيان، ولم تتم مراسم عرس الأحلام على مذبح الواقع: "والحقيقة الأخرى هي عندما خطّط غسّان وسمر ليتزوّجا في بداية الصيف القادم، لم يكن الانفجار على لائحة المدعوين". سنترك الخدوش تخبر أحفادنا أنّنا كنّا هنا نحيا، فالجرح الغائر في صدر الوطن، سيروي كيف كانت صباحاتنا مليئة بالحبور، ويرسم لنا انعكاس لوحة المغيب الجميل كلّ مساء على واجهات منازلنا الزجاجيّة، وينقل للأحفاد أسرارًا عشعشت في شقوق الجدران. أين تلك الواجهات؟ وكيف أصبحت ملايين الأجزاء، وكلّ جزء يعرف مهمّته التي أوكلها إليه الإهمال، وأمرته بها غاية التبعيّة الخارجيّة: "لقد قام الزجاج بدور الجزّار لكثرة ما قتل وجرح ممَنْ كان قريبًا من نافذة، أو جالسًا تحت قبّة زجاجية أو داخل محلّ تجاري" (ص 28).

ضحك الفراغ من سخطنا عليه، فقد استحق هذا الخواء غيظنا المثقل بالرغبات المحطّمة، وما زالوا جالسين على كراسيهم، ولم يرتابوا تشقق جدران السماء من الانفجار، بعد أن انتزع الرصيف آخر خطى العابرين "...فمؤسّسات المجتمع المدني ملأت بسرعة الفراغ الذي تركته الحكومة جرّاء الانفجار، كما فعلت ذلك في حوادث أخرى..." (ص 42). فقد إبتدأت المآسي الوطنيّة، مع بلوغ نشوة الفكر السياسي، من دون واقٍ عقلي ضد الفساد والارتهان. فكيف لنا محاكمة رجال على أمور لا تمتلكها، وهل يملكون عقولهم؟، " كان عليكم استشارة طبيب نفسي قبل أن يتولّى أي منكم منصبًا في جمهورية الموز هذه" (ص 61).

حكايات مؤلمة عديدة ضمّها الكتاب: العرس المقرّر المؤجّل، الأم التي حمت طفلها بجسدها وغابت من دون أن تعلم إذا ابتلع الزجاج مع (الآيس كريم)، أشخاص أصيبت بالشلل، أخبار أبطال الدفاع المدني، أخبار رسل السلام وعناصر الإنقاذ والكادر الطبي، ومنها حكاية الممرضة التي حملت التوائم الثلاثة إلى الأمان، زيارة الرئيس الفرنسي إلى العاصمة بيروت، والوسام الذي قلّده  لسفيرتنا إلى النجوم، وغيرها من الأخبار التي فاضت بحزنها وألمها عنوةً بعد الانفجار، وألغت الطمأنينة الموصوفة في مقطع "لولا..." مدخل الكتاب، هذا المقطع الذي عرض الحياة بحبّها وجمالها وحنان من يعيشها، واستمرارها بكلّ صخبها، لولا وقوع الكارثة.

لكن هناك قصّتان لافتتان للنظر:

الأولى جرت في سياق الأحداث التي دفعها الجهل أو الإهمال أو المرسوم لأمر غير معلوم، بوجه الناس انفجارًا. فهي تحدّثت عن الشّاب الأصمّ شادي الذي تشبه قصّتة قصّة شادي "فيروز"، فقد وجد سمعه وفقد حياته: "هل كان يعبّر عن فرحه بأن صوتًا مميزًا مختلفًا قد اخترق طبلة أذنه، وسمعه للمرّة الأولى؟" (ص 96). فقد صُلبت بيروت وكان للانفجار صوت رهيب بعد الصلب، يشبه الرعد وانشقاق الهيكل بعد صلب السيّد المسيح، فالاسخريوطي سمع دوي الرعد وندِم، وأنهى حياته شنقَا بشجرة التين ثمنًا لهذا الندم. أمًا صوت انفجار الرابع من آب، فقد وصل إلى أقاصي الأرض، والتقطه جهاز "ريختر"، واخترق طبلة الأصّم، لكنّه لم يصل إلى آذان المسؤولين الذين فاقوا الاسخريوطي بيوضاسيتهم، ولم ولن يندموا.

أمًا القصّة الثانية فاعتراضية خارجة عن سياق أحداث الانفجار، فقد وردت في الصّفحة 125 تحت عنوان "قارب الموت"، تحدّثت عن فشل قارب يحمل لبنانيين من طرابلس في الوصول إلى شواطئ قبرص، وضمنها قصّة الطفل الذي قضى عطشًا عندما تعطّل القارب في نصف البحر. عند قراءة هذه القصّة تحضر أمامنا رواية "ميلالين" للروائية التونسية فتحية دبش التي وصفت بإسهاب هجرة الأفارقة من قيظ الصحاري إلى برد الثلوج الأوربيّة. ويتساءل القارئ عن جدوى إدراج قصة "قارب الموت" هذه بكتاب يتكلم عن "بيروتشيما"، يمكن أن يستنتج بأنّ الكاتب تقصّد إدراجها ليتساوى الجميع بالألم، أو لأنها حصلّت في زمن قريب من زمن الانفجار، أو إنّه حذّرنا من عنبر رقم 12 آخر موضوع على مرفأ طرابلس، ويمكن أن لا يشبه عنبر مرفأ بيروت بمحتواه بل بمفعوله. وهل أنّ الفقر في حال انفجاره في العاصمة الثانية يؤدي إلى مضاعفات أخطر من تلك التي تركها انفجار العنبر رقم 12؟

هل جعل نمر فريحة الحبر يبكي على الصفحات ليصحو أمل الفرح المؤجّل في نفوسنا، وهل كتب ليخرجنا من طوق البؤس المحيط برقابنا، وينعش ذاكرتنا عند وضع خياراتنا في صناديق الاقتراع، وهل عشق لبنان ووصف العبث ليعيد وجهه الجميل إليه، واندمج مع العصف ليبدد لعنة الوطن؟ فهو لم يمتطِ الخيال ليحرم الواقع من دمع الحزن، فالحدث قد استحق كلّ هذا الندب على أرق ساكني الطرقات بعد تحطّم المنازل.

الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم