15-03-2022 | 18:27

قراءة في "فكر ابن خلدون: العصبية والدولة- معالم نظرية خلدونية في التاريخ الإسلامي" للجابري

قراءة في "فكر ابن خلدون: العصبية والدولة- معالم نظرية خلدونية في التاريخ الإسلامي" للجابري
Smaller Bigger

 صلاح الدّين ياسين

كتاب صدرت طبعته السادسة سنة 1994 عن مركز دراسات الوحدة العربية ببيروت، من تأليف الفيلسوف والمفكر المغربي محمد عابد الجابري (1935– 2010)، صاحب مشروع "نقد العقل العربي"، والذي يتناول في مؤلفه هذا النتاج الفكري لأحد أهم أعلام الفكر في التاريخ العربي الإسلامي، ألا وهو ابن خلدون (1332 – 1406)، المؤرخ ومؤسس علم العمران.                                                                          

ويضيء الجابري في الصفحات الأولى على السياق التاريخي الذي عايشه صاحب كتاب "المقدمة" في القرن الرابع عشر والموسوم ببداية أفول شمس الحضارة الإسلامية (من مظاهر ذلك الاضطرابات السياسية والجمود الفكري وانتشار التفكير الخرافي...)، حيث انكب ابن خلدون على سبر أغوار وخلفيات ذلك الانحطاط انطلاقا من منهجه التاريخي المميز، والذي لا يقتصر على رصد ظاهر الأحداث بقدر ما ينصرف إلى التنقيب في بواطنها والكشف عن العوامل المستترة وغير المرئية في تعاقب الدول وأحوال العمران طبقا لنظريته الشهيرة حول العصبية. فما الذي يعنيه ابن خلدون بمفهوم العصبية؟ وكيف يفسر تعاقب الدول وتطورها استنادا إلى فهمه للعصبية؟

مفهوم العصبيّة من منظور ابن خلدون

إن العصبية كلفظ كان شائعاً ومتداولاً حتى قبل أن يبدع ابن خلدون نظريته الشهيرة، لا سيما بعد مجيء الإسلام والذي أضفى عليها معنى خاصاً، إذ أضحت تحيل إلى الفرقة والتنازع والاعتداد المفرط بالأنساب (تعبّر عنها أقوال مأثورة في الثقافة الشعبية مثل "انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً" أو "أنا وأخي على ابن عمي...")، كنقيض للدين الإسلامي الذي يدعو إلى الوحدة والتآزر.                                                                    

وبرأي صاحب كتاب "المقدمة"، فإن العصبية تتحدد أساسا في كونها رابطة دفاع، إذ لا يبرز دورها إلا حين يتعرض أهل البدو بخاصة لعدوان خارجي فتنتصب كعامل أساسي لرد ذلك الهجوم، هذا خلافا للعدوان الذي يتعرض له أهل المدن والحواضر وتتكفل الدولة بصده بما تحوزه من قوة عسكرية (أسوار، حامية...)، مما جعل ابن خلدون يخلص إلى أنّ العصبية ظاهرة بدوية قبلية بامتياز، وأن العمران البدوي هو أساس العمران الحضري.

وبرأي مكتشف علم العمران، تقوم العصبية على جملة من الأسس والمرتكزات الضرورية، والتي لا تشمل النسب وحسب، بالنظر لما قد يشوبه من مخالطة لاستحالة وجود نسب نقي وخالص، بقدر ما تنهض على مقومات أخرى من أبرزها الملازمة وطول الصحبة والعشرة. غير أن الأساس الحقيقي لأي عصبية وفقاً لنظرية ابن خلدون يظل هو المصلحة الدائمة المشتركة التي تؤلف بين أعضائها، ذلك أن العصبية هي بمنزلة رابطة معنوية يغلب فيها الأنا العصبي للجماعة على الأنا الشخصي للأعضاء المنتسبين إليها.

أما فيما يخص العوامل التي تفسر سعي العصبيات للحصول على السلطة السياسية عن طريق الثورة على العصبية الحاكمة والإطاحة بها، فيبرز العامل الاقتصادي كزاوية مهمة في التفسير، ولاسيما العصبيات البدوية التي تعتمد على الزراعة كمصدر أساسي لعيشها، وهو ما يفرض نوعا من التكاتف والتعاون بين أعضائها كنتيجة طبيعية لنمط الإنتاج الجماعي الذي تنعدم فيه الملكية الخاصة. وهكذا، يكون الباعث الأساسيّ للظفر بالسلطة عند هذا الصنف الأول، هو ما قد تواجهه من قساوة الطبيعة (موجات قحط وجفاف...)، بخاصة إذا رافق ذلك فرض الضرائب والمغارم الثقيلة من قبل السلطة المركزية، مما يدفعها بالتالي إلى طلب السلطان وما يستتبعه من رخاء وسعة في العيش.  

غير أن العامل الاقتصادي لا يكفي وحده لتفسير سعي العصبيات إلى السلطة، إذ تبرز اعتبارات موضوعية أخرى لعل أهمها الدعوة الدينية، لاسيما إذا تعلق الأمر بأهل البدو الرحل من "العرب وما شابههم"، فهم قوم لا تستهويهم رفاهية المدن وحياة الترف لفرط ما ألفوا قساوة الطبيعة وشظف العيش. وبالتالي، فإن بروز دعوة دينية هو وحده الكفيل بتوحيد عصبياتهم ولم شملهم مما يستحثهم على طلب السلطة السياسية. وكما تتغذى العصبية على الدين، فإن الدعوة الدينية من دون عصبية قوية تسندها لا تتمّ كما يرى ابن خلدون.

الدولة وتطورها في علاقة بالعصبية

إنّ الدّولة وفقاً لنظرية ابن خلدون تحيل إلى "الفترة الزمنية التي يمتد فيها حكم عصبية ما". فهو يعتبر بأن للدولة أعمارا طبيعية مثل الأشخاص، إذ تمر بمرحلة الطفولة (طور التأسيس)، ثم الشباب (طور القوة والعظمة)، فالكهولة والشيخوخة (طور الهرم). وتبعاً لذلك، فإن العصبية هي سر نشأة وقوة وضعف الدول، والمقصود بقوة العصبية ليس كثرتها من حيث العدد، بل مدى تلاحمها وانسجام العناصر المكونة لها.

وفيما يخص الطور الأول للدولة، أي مرحلة النشأة والتأسيس، وبالنظر لقرب العصبية الحاكمة من حياة البداوة، فهو يتسم بتغليب المصلحة العامة للعصبة الحاكمة على المصالح الخاصة، إذ لا تفرط العصبية في وحدتها وتماسكها، ويعد الحاكم نفسه مجرد خادم لها. كما تتميز السياسة المالية للدولة بالاقتصاد في النفقات وعدم مجاوزة الحد في فرض الضرائب والتكاليف المالية على الرعية، مما ينجم عنه كسب رضى الرعية وتوافر المال في خزينة الدولة بفعل عدم الإسراف في النفقات.

وكنتيجة لذلك، تدخل الدولة في طورها الثاني ألا وهو القوة والعظمة، بحيث تلوح بوادر حياة الرفاهية لدى مختلف الفئات الحاكمة والمحكومة، فتسود رقة الحضارة ونعيمها بدلاً من خشونة البداوة وبساطتها، والاستبداد بالحكم والمجد من لدن الحاكم وبطانته عوضا عن مشاركة مجموع العصبية، إذ يلجأ الحاكم إلى الاستعانة بالموالي والمرتزقة لتثبيت سلطته، فتعظم بذلك الحاجة إلى النفقة نتيجة للإكثار من الاعتماد على الجند وحياة البذخ والترف لدى الخاصة، بما يفضي إلى الزيادة من المغارم والتكاليف المالية على الرعية من عامة الناس وفلاحين وتجار (ضرائب، مكوس...)، مما يولد لديهم النقمة على حكامهم، فتدخل الدولة طورها الثالث أي مرحلة الهرم والشيخوخة.

وبما أن العصبية والمال هما قوام الدولة (بالمفهوم الخلدوني)، فإن الأخيرة تهرم وتتداعى حين تفسد إحدى تلك الدعامتين، وهنا يبرز تأثير العامل الاقتصادي في بلوغ الدولة طورها الأخير، حين تقع في ضائقة اقتصادية خانقة ناتجة عن زيادة النفقات للمداخيل، فتعجز الدولة ماليا عن تغطية الحاجات المتعاظمة بفعل حياة الترف والرفاهية، كما تفسد العصبيّة الحاكمة بفقدانها لتلاحمها الذي يعد سر قوتها. وهنا يخلص ابن خلدون إلى أن الحضارة مفسدة للعمران (يعني بذلك عمران العصبية الحاكمة على وجه الخصوص)، إذ يقصد بلفظ حضارة ذلك النمط من العيش والاستهلاك القائم على البذخ والترف لدى الفئة الأرستقراطية الحاكمة ومن يدور في فلكها من الموالي والموظّفين.

 

العلامات الدالة

الأكثر قراءة

لبنان 4/1/2026 2:57:00 PM
الجيش الإسرائيلي: مصدر آخر تم استهدافه هو شبكة الصرافين التي تُعد المصدر المالي الرئيسي والأهم لهذه المنظمة
لبنان 4/1/2026 1:05:00 PM
شهدت منطقة الجناح في بيروت قصفاً إسرائيلياً عنيفاً 
لبنان 4/1/2026 2:48:00 PM
إخبار أمام النيابة العامّة التمييزية ضد السفير الإيراني محمد رضا شيباني