الأربعاء - 16 حزيران 2021
بيروت 23 °

إعلان

"الجنّة أجمل من بعيد" لكاتيا الطويل... فصل من الرواية

المصدر: "النهار"
الكاتبة كاتيا الطويل.
الكاتبة كاتيا الطويل.
A+ A-
مرّت السنوات ومرّ العمر. وأنا مكاني لا أتزحزح. أخشى المغادرة والبقاء مستحيل. فاخترت أسهل الحلول. اخترت أن أعيش من بعيد. من خلف الزجاج. والعيش من بعيد أفضل أنواع العيش لمن لا يريد أن يحزن. لمن لا يريد أن تمسكه الحياة من أذنيه وتجرجره إلى غرفة الجراذين التي كانوا يخيفوننا بها عندما كنّا صغارًا.
وبالحديث عن الصغار. لا أذكر الآن تمامًا إن كنتُ أحبّ النوم صباحًا أم إن كنت أنام باكرًا عندما كنتُ صغيرًا. لستُ أذكر ماذا كنتُ أفعل أيّام الأحد بعد الظهر. أبشع أيّام الأسبوع بإجماع عامّ. هل كنتُ أزور إحدى جدّتَيّ؟ هل كنتُ ألعب طاولة النرد مع أبي؟ هل كنتُ أروي أشجار البستان؟
 
لا أظنّ أنّني كنتُ أقوم بأيّ من هذه الأعمال. كنتُ مهملًا ومدلّلًا. أظنّ أنّني كنتُ ألهو مع أترابي أو أتفرّج على أمّي بينما هي تنشر الغشل. أو تطويه. أو تقرأ. لست أدري. إنّما الأمر الوحيد الأكيد هو أنّني كنتُ أتعب ما بين السادسة والثامنة من كلّ يوم أحد. كنتُ أشعر بها دقائق طويلة تماطل بينما تتحكّم فيّ ضيقة نفس سوداء كئيبة.
ولم أكن أكره أيّام الأحد بقدر ما كنتُ أكره أيّام الجمعة. يحضّرني يوم الأحد إلى أيّام الأسبوع المتشابهة. أيّام متتالية مريحة متلاصقة. يوم الأحد يوم واضح وصريح ولا مفاجآت من بعده. لا احتمالات. ما كان يقلقني فعلًا هو يوم الجمعة. وبالتحديد يوم الجمعة عند الساعة الرابعة أو الخامسة من بعد الظهر. بعد إنهاء طعام الغداء. اللحظة المنشودة. فماذا أفعل؟ إلى أين أذهب؟ هل أنام؟ ألعب؟ أدرس؟ أبحث عن أصدقائي؟ أشاهد التلفاز؟ احتمالات كثيرة. حياة مفتوحة على الخيارات الكثيرة. وأنا كنتُ أخشى الاحتمالات المفتوحة. كنتُ أخشى أمورًا كثيرة. معظم الأمور عمومًا. كنتُ أخشى الحياة نفسها.
 
أحبّ العادة. أنا كائن عادة ولا أخجل من خوفي من التغيير. لا أحبّ التغيير ولا يهمّني اكتشاف الأمور والتفاصيل. الأمور كلّها متشابهة. العلاقات والصداقات والأخبار. الكلمات والكذبات والمحاولات. كلّها متشابهة. فلمَ التعب؟ لا أدري كيف أصبحتُ على هذا القدر من اللامبالاة لكنّني بخير هكذا. ليس بالمعنى التامّ للكلمة لكنّني بخير عمومًا. أكتب لأنّني حزين صحيح. لأنّني غاضب في الواقع. لكنّ هذه مسألة أخرى.
أنا مبدئيًّا لا أبالي. لا أبالي بالأشياء ولا بالأشخاص ولا بالتفاصيل. بغضّ النظر عن أنّني أنساها. لديّ نوع من اكتفاء ذاتيّ بنيته لنفسي ورحتُ أربّيه كلّ يوم وأرسله إلى مدرسة الحياة. لستُ أنانيًّا. أنا فقط لا أبالي بالناس. لا أكرههم ولا أحسدهم ولا أتعلّق بهم. أساعدهم متى استطعت. أسايرهم عند الضرورة. أتجنّبهم عمومًا. الواقع أنّني لم أتعلّم يومًا كيف أدّعي أنّني أبالي. توقّفت عن المبالاة. هكذا. ببساطة. ليس عن تكبّر أو عن أنانيّة. لا أبالي لأنّني لم أتعلّم أن أبالي كما لم أتعلّم أن أحبّ. الأمر على هذه البساطة. إمّا أن تتعلّم وإمّا أن تبقى حياتك بأكملها عاجزًا عاطفيًّا. وأنا لم أجد مَن يعلّمني أن أبالي. كان أبي مشغولًا بواجباته الاجتماعيّة بينما لم تعلم أمّي كيف تؤدّي دورها كاملًا. ربّما هي الأخرى لم تكن تعرف كيف تبالي. أو كيف تحبّ. ربّما هي الأخرى لم يعلّموها.
 
كلّ إنسان يظنّ أنّه يعرف كيف ينظر إليه الآخرون. يظنّ أنّه يعرف ذلك لكنّه يكون مخطئًا عمومًا. لا أحد يعرف كيف يراه الآخرون. ليس تمامًا. قد يراني البعض جريئًا أو مكتفيًا. قد يرونني باردًا أو ظالمًا. قد يرونني منطويًا أو مريضًا نفسيًّا. مصابًا بمسٍّ ربّما. لا أدري. لا أبالي. وأعرف أنّهم يعرفون أنّني لا أعرف ولا أبالي ويغضبون. إنّما لا بأس. كنتُ أراقب الناس وأستمتع بردود أفعالهم. أحبّ أن أراقبهم من بعيد من دون أن يدروا أنّني أراقبهم ومن دون أن يتعمّدوا تغيير تصرّفاتهم لمعرفتهم أنّ أحدًا ما جالسٌ في زاوية معتمة يتفرّج عليهم. جلوسي الهادئ علّمني أنّ أصغر حركات الإنسان تفضح مشاعره وأفكاره. أدنى إشارة يد أو انحناءة ظهر أو رجفة رمشين تفضح الدواخل والأعماق. جسم الإنسان نفسه يفضح مشاعره واضطراباته. حتّى جسم الإنسان يخونه أحيانًا. فأحببتُ هذه الخيانة ورحتُ أراقبها وأتخيّل. رحتُ أراقب الناس وأتخيّل حياتهم خلف أقنعتهم. وأحببتُ هذا الدور وسجنتُ نفسي فيه. راقبت الناس وسرقتُ أشياء من وجوههم وحياتهم وذكرياتهم من دون أن يعلموا. فهل أجمل من سرقة قصص الناس؟
 
* * *
طلع الصباح وأنا لم أنهِ روايتي. أظنّني استنفدتُ كلماتي. روايتي قصيرة وفارغة وأنا لست الخالقة. فماذا توقّعت كاتبتي منّي؟ كيف تصرّفت بهذا التهوّر وهذه اللامبالاة؟ كيف تبدأ بخلق شخصيّة ثمّ تنساها؟ أراها ما زالت تبكي على سريرها كما تركتُها بالأمس. استيقظت هذا الصباح وهي تبكي أيضًا. أعرف لماذا تبكي. لقد حفظتُ طباعها ونزواتها وتقلّبات مزاجها. أعلم أنّها حزينة لأنّها تشعر بالوحدة والملل.
 
على أيّ حال أنا متأكّد من أنّها سوف تتحسّن. إنّما المصيبة التي أنا واقع فيها لن تزول بمفردها. فلأعد إلى مشكلتي إذًا. روايتي كما كتبتها جيّدة إنّما غير كافية وباردة بعض الشيء. يجب أن أضيف إليها عمقًا ومشاكل نفسيّة وربّما رغبة في الانتحار. يجب أن أضيف أيّ عامل يجعلها رواية مثاليّة لقارئ مثلكم يرغب في التشبّع من مصائب غيره.
مأساة الحرب جميلة لكنّها مبتذلة. أعلم أنّكم مللتم روايات الحرب. أنا أصلًا أخشى الرصاص والقتال كما أنّ الثكنات تصيبني بضيق نفس وغثيان. لا لن أذهب إلى الحرب في روايتي هذه. لا صبر لي على الركض تحت القنابل. كما أنّ نظري ضعيف للبعيد ولن أستطيع رؤية القنّاصين على سطوح المباني. لا. لن أخاطر وأعرّض نفسي للرصاص الطائش. كما أنّني لا أعرف من أين أجلب الرصاص والأسلحة. وكيف تنتهي رواية الحرب أصلًا؟ هل يستيقظ المتقاتلون ذات يوم ويقرّرون أن ينهوا الحرب؟ لا أدري.
 
 
عمَّ أتكلّم؟ طلع الصباح ولم أستطع إنهاء روايتي البارحة. كتبتُ طيلة الليل ولم أجد نهاية ملائمة. عادت الورقة البيضاء لتقف أمامي وتذكّرني بمصيبتي. أشعر بها جاثمة على صدري. كيف أكتب رواية جيّدة؟ رواية بدلًا من تلك التي بدأتها الكاتبة ولم تنهها. تُرى هل أكتب أحلامي وطموحاتي؟ إنّما أنا لا أحلام لي. القناعة كنز لا يفنى وأنا لا أريده أن يفنى. أنا مرتاح ومقتنع ولا أريد أن أحلم. الحلم برأيي المتواضع هو سبب المآسي والمصائب. هو المسبّب الأوّل لحالات الانتحار من دون منازع.
 
إنّما إن لم أكتب عن الحرب ولا عن الحلم فعمَّ أكتب؟ هل أكتب عن الحبّ؟ لكنّه موضوع ساذج سيضعني في مصافّ الشخصيّات المبتدئة. لا. أرفض أن أكتب عن الحبّ.
أطالب بحقّي بأن يكون لي مكتوب. مكتوب محفوظ في مكان ما أتبعه من دون أن أقرّر أو أتحمّل أيّ مسؤوليّة. تمامًا مثلكم. فهل هذا كثير عليّ؟
 
(فصل من رواية "الجنّة أجمل من بعيد" لكاتيا الطويل عن دار هاشيت أنطوان، نوفل). 
 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم