الأحد - 25 أيلول 2022
بيروت 25 °

إعلان

البندقية 79 - "أولاد الآخرين": الأكثر نقاءً وحياءً

المصدر: "النهار"
هوفيك حبشيان
فيرجيني إيفيرا ورشدي زم في "أولاد الآخرين" لريبيكّا زلوتوفسكي.
فيرجيني إيفيرا ورشدي زم في "أولاد الآخرين" لريبيكّا زلوتوفسكي.
A+ A-
البندقية- هوفيك حبشيان
 
حتى هذه اللحظة، شاهدنا في مهرجان البندقية السينمائي (31 آب - 10 أيلول) معظم الأفلام التي تتسابق على “الأسد الذهب” وغيرها من الجوائز، والتي ستوزّعها بعد غد لجنة تحكيم برئاسة الممثّلة الأميركية جوليان مور، وحتى هذه اللحظة، يبقى الفيلم الفرنسي “أولاد الآخرين” لريبيكّا زلوتوفسكي هو المفضّل عندي شخصياً، لأسباب عديدة أشرحها في المقال الآتي، لكن السبب الأساسي هو كمية الانفعالات والمشاعر التي يسلّمها الفيلم للمُشاهد، في حال حدثت الشرارة المطلوبة بين الطرفين. هناك عدد لا بأس به من الأعمال الجميلة والمبتكرة، والحساسة والرصينة، الا ان فيلم زلوتوفسكي يتجاوزها نقاءً، وهو أكثر الأفلام حياءً في التقاط المشاعر والنظر خلف الأبواب المغلقة. تتجرأ مخرجة “غران سانترال” في تقديم نص خارج المزاج الحالي العام للمواضيع، وتصطف بعيداً من الصراعات الجندرية والاشكاليات التي تهيمن على الفنّ لفرضها كجزء من المسلّمات الجديدة.
 
لي أكثر من صديقة في منتصف الثلاثينات يسابقن الزمن للتعرف على شريك والانجاب منه. مهما كانت انجازاتهن المهنية ونجاحاتهن الاجتماعية، تبقى الحياة ناقصة بلا أولاد. هذا ليس رأيي بالضرورة، بل رأي الكثيرات منهن. والفيلم أدرك هذا السباق الذي يتحول إلى هوس عند بعض النساء في أواخر سنوات قدرتهن على الانجاب. فهم، لأن مخرجته، ريبيكّا زلوتوفسكي، إمرأة، وربما عاشت من قريب ذلك الهاجس، أو ربما لم تعشه لكنها أدركت ما يعنيه من شعور بالكبت والحرمان ينبغي التحدّث عنهما. فيلمها لا يكاد يكف عن الحركة المتواصلة، يحاصر الموضوع من جوانبه النفسية والاجتماعية كافة، يحفر ويحفر في العمق. لا مجال لنلتقط أنفاسنا أو نخرج من السياق الدرامي. نجدنا داخل دقّات قلب راشيل (فيرجيني إيفيرا) الإمرأة الأربعينية الساحرة والذكية والمحبّة التي تتعرف إلى علي (رشدي زم)، أب عازب يهتم بابنته بعد الانفصال عن زوجته السابقة. يتعارفان فيتحابان، وبعد ذلك يحدث ما يحدث في أي رومانس غربي. إلى حين دخول الابنة الصغيرة ذات السنوات الخمس على الخط لتقلب المعادلة. فبعد قضاء الثلاثة عطلة معاً، ستتعلّق راشيل بالطفلة، وسترى فيها انعكاساً لرغباتها وأمومتها غير المحققة. ستحلّق أفكارها إلى بعيد، في الأوهام، لكن السقوط سيكون حراً. فهي ليست أمها، ولن تكونها، الا في الحدود المسموحة لها، وكبديل فقط. هذه العلاقة مع الابنة الصغيرة ستوفّر لراشيل حياةً بالاستعانة. وستمنح زلوتوفسكي فرصة ان تتحدّث عن شخصية مهمّشة في السينما وهي زوجة الأب التي لطالما كانت ثانوية في الأفلام.
 
هذه خامس تجربة سينمائية لزلوتوفسكي وهي على الأرجج أكثرها نضجاً وأرفعها شأناً. العمل لا يطرح موضوعاً مهمّشاًفحسب، بل يطرحه بأسلوبية. زلوتوفسكي صاحبة بصمة، تتنفّس سينما، من كادراتها إلى حركة كاميراها فإلى استخدام الموسيقى اللافت جداً. الصياغة كاملة نابعة من حرفة سينمائية نادرة، تتحدّر من تقليد فرنسي طويل في صناعة الفيلم الحميمي، الذي لا يدور بالضرورة بين جدران أربعة، والذي يجيد التقاط العادي في الأشياء. ذكّرني كثيراً بكلود سوتيه والسبعينات. باريس التي تجد فيها المخرجة دائماً زاويا تصوير جديدة، رغم انها أكبر بلاتو تصوير مفتوح استُهلك في العالم. السينما التي تقدّمها، فرنسية في أدق تفاصيلها، في الرقة التي توحي بها، وفي دراسة الشخصيات المنمقة، لكنها تسمح لها كذلك بمس كلّ إمرأة وكلّ رجل أيضاً، والدليل خروجي من الصالة بعينين رطبتين.
 
أما فيرجيني إيفيرا في دور راشيل، فالكلمات لا تكفي لوصف أدائها الباهر، وهو الأهم لها في مسيرتها. نخرج بانطباع ان إيفيرا استثمرت في هذا الفيلم كلّ شيء، انخرطت فيه قلباً وقالباً، وضعت فيه طاقة وخبرة، فألّفت شخصية محبّبة من الجميع، ضائعة بين هتاف القلب ونداء العقل، لا تشوبها شائبة، وفي هذا يمشي الفيلم عكس التيار الحالي الذي يطالب من الشخصيات في السينما ازدواجية. عليها ان تحمل نزعة لتدمير الذات أو لفعل الشيء وعكسه. هنا، الحبّ يتغلّب على كلّ شيء، سواء حبّ الشخصيات لبعضها البعض وهي لا تحمل لبعضها البعض سوى المودة، أو حبّ المخرجة لأبطاله، أو حبّ المشاهد لهم. بذكاء شديد، ترينا زلوتوفسكي بأن لا العنف ولا الصراعات المفتوحة شرط من شروط صناعة أفلام واقعية تناقش مسائل هامة. والأهم انها تجيد كيفية استدراج الجمال من داخل الشخصيات.
 
 
 
 
 
 
 
 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم