أرشيفية (نبيل إسماعيل).
لم يُخلق لبنان للركام. لركام النفوس أو ركام الأحجار. تاريخه يدلّ عليه، الحديث منه قبل القديم. لأن لبنانيي اليوم ليسوا بحاجة لاستحضار الماضي البعيد. حاضرهم الحديث يكفيهم للقول بأن وطنهم عصيٌ على الدمار. على الدمار بأنواعه المختلفة. وعصيٌ على الساحة التي استباحها الآخرون. وهي حتماً في طريقها إلى الزوال.ليس ذلك لأن حرب الجنوب قابلها احتفال بكركي في تنصيب القديسين الخارجين من أودية المعاناة، فهذا وجهٌ مألوفٌ من وجوه لبنان. بل لأنه يجري في هذا الحاضر بالذات، حاضر الأخطار الداهمة، حيث يميل البعض لاستسهال الحديث عن النهاية وقرب الزوال، وبخاصةٍ عندما يُشاهدون صور الجالسين في المقاعد الأولى للاحتفالات. وبعضهم مسؤولٌ عن كل شيء، وعن الدمار الأخلاقي قبل المادي. لأن المسؤول في أي مرتبة كان، حصنه أخلاقه. وهذا اندثر بالنسبة إلى العديد من المسؤولين، وهذه هي مأساة لبنان الحقيقية.هذه السنة تجيئنا الذكرى المشؤومة للرابع من آب على وقع أنين الزمان من قبل من رقدوا تحت أبنية مرفأ بيروت، أو أولئك الذين انضموا إلى حسرات التراب على ما أسموه بطريق القدس.انتفض أهالي بيروت، على الكارثة وفاء لتقاليد الحياة التي ميزتهم منذ أجيال. فأعادوا إعمار الأحياء لتُصبح أبهى مما كانت عليه. وهم ما زالوا يسألون ويحاولون المساءلة عمن تسبب بالفاجعة وحال وما زال يحول دون معرفة المسبب، وكفّ يد القضاء في البحث عن المسؤول وتسميته ومحاسبته. ولكن هذا الجنوب الذي كُتب على أبنائه بالأمس كما اليوم أن يبقى رهينة لحروب الآخرين، متى سيفكّ ارتهانه.خرج اللبنانيون من الحروب متمردين على الساحة وكتبوا في دستورهم المعدل أنه وطنٌ نهائي لجميع أبنائه. وتراهم اليوم يتساءلون: هل بات الجنوب خارج الوطن النهائي وهل أن هذا الوطن النهائي موزعٌ بين حرب الجنوب واحتفال بكركي، ما يمكن أن يعزز المطالبين بالفرقة؟ في الفقرة الأولى من مقدمة الدستور: "لبنان وطنٌ نهائي سيدٌ حرٌ مستقل، وطنٌ نهائي لجميع أبنائه، واحدٌ أرضاً وشعباً ومؤسـسات، في حدوده المنصوص عنها في هذا الدستور والمعترف بها ...