.اشترك في نشرتنا الإخبارية لتحصل على أهم و أبرز أخبار اليوم
شكرا على الاشتراك في نشرتنا الاخباريّة
لمّا بلغتُ الثامنة عشرة من عمري، وقد أنهيت دروسي الثانوية وتهيّأت لدخول الجامعة في بيروت، قال والدي: ستلتحقين بالقسم الداخلي، فالبلاد في حالة حرب داخلية، هناك ثورة "صائب سلامية" على الرئيس كميل شمعون، والخطر أكيد على الطرقات وداخل الأحياء. وكان رفض وحزن، فكيف أترك ضيعتي الصنوبرية الخضراء: برمانا؟ ولمّا حضنتني مساحة الجامعة وأبنيتها التي توزعت على كل أقسامها، بدأ إيقاعها يخلق تناغماً حاملاً مفاتيح أخوة إنسانية رافقت موجات المعرفة التي تبثها المناهج الكثيرة... وكان مثيراً حقنا نحن "الطالبات" في اختيار بعض ما يعجبنا من مواضيع هنا وهناك.
وبعد سنوات ثلاث من تلك الثورة، قامت ثورة أخرى على أرض لبنان القائم - القاعد، نفذها الحزب السوري القومي الاجتماعي ضد الرئيس فؤاد شهاب. وكان للمكتب الثاني الأمني آنذاك دور إرهابي أضاف ملحاً وبهاراً الى النكهة اللبنانية السياسية القتالية، جذبت كل أشكال عنف جديد الى صدام مستدام بين الاخوة. وانخلط حابل فلسطين والأحزاب المؤيدة لمطلق أداء تقوم به ضد لبنان، لا ضد إسرائيل بالطبع، وشكّل هذا مصدر لاإستقرار أمني تضاعف بين ستينات القرن العشرين وسبعيناته، الى أن انفجر في منتصف السبعينات داخل حرب أهلية - مذهبية، قضت نهائياً على سلام مهزوز منذ الاستقلال في بداية أربعينات ذلك القرن الذي بدأ مضطرباً بقيادة أهل سياسة تختلف أهواؤهم المذهبية والإقطاعية. واستمرت الحرب 15 عاماً كادت ان تؤدي الى تقسيم لبنان الذي توحّد داخل وشاح فني "استدر" الدموع والأسف، إنما فشل في زرع ولو شجرة أرز وعي واحدة. ثم كان "الطائف" الطائفي، وكان بناء مزغول فوق أساسات مهزوزة. ومرّ الزمان سريعاً كاشفاً كل ثغرات بناء دولة - وطن، ظلّت تهتزّ حتى انهارت نهائياً اليوم.