من الحراسة إلى الرئاسة

من الحراسة إلى الرئاسة
تعبيرية.
Smaller Bigger
لا يُوقَدُ سراج ويُوضَعُ تحت مكيال، لكن على المنارة ليضيء لجميع الذين في البيتيسوع المسيح إذا تكاثرت على الجسد العِلَّات، وتضافرتِ العذاباتُ والآلام، لجأ المريضُ أو ذووه إلى أمهر الأطباء بحثًا عن علاج يجدي، إن لم يكن بالشفاء الكامل، فبتقوية مناعة المريض ورفع حالته المعنوية، وشحن إرادته بحُبّ الحياة. أما أن يسارع بعضُ آله ونسله، إلى إعلان اليأس من حالته، ذهابًا إلى اقتراح الموت الرحيم، أو ربما الأليم القائم على تقطيع الأوصال المصابة، فعند ذاك ينزل الطبيب من رتبة جراح إلى رتبة جزار، وكلاهما خبير في علم الأنسجة مع الفارق الشاسع بين نية المشرط ونية الساطور، أو دور الطبيب ودور حفار القبور. لا شكَّ في أن الحالة اللبنانية متردية دستوريًّا وسياسيًّا وقضائيًّا وماليًّا ومصرفيًّا وحياتيًّا، وهي مَرَضية بمقدارٍ يفرضُ علاجَها بالتبصر والحنكة وطول الأناة، لا بالفوضى الفكرية التي تصدر عن ضيق صدر وعصبية، ورغبةٍ لدى أعضاء من الجسد في التنصل من وظائف الأعضاء الأخرى، حتى لقد باتت أدبيات التبرم والتملص، تطفو بصورة متزايدة على سطح الحياة السياسية اللبنانية، متجاوزةً تلك الخريطة ذاتَ الألوان المبعثرة النزقة، التي رسمها وروَّج لها السيد أياد بستاني، ليصير التنصلُ كلامًا صريحًا صادرًا عن نخب لها مرجعياتها، تبدأ خطابَها من التفسير الموسع جدًّا لمفهوم اللامركزية الإدارية والمالية، ولا تنهيه بإعلانِ فشل الصيغة، وخيبة فكرة التعايش والتداخل، بل تذهب أبعدَ إلى التأكيد على هويات ثقافية مختلفة تجعل انكفاءَ كل "ثقافة" إلى موئلها الجغرافي قدرًا محتومًا، مع إحياء بعض أفكار الحرب الأهلية التي تنتمي وثائقها إلى متحف مغلق. ومن العجب أن غلاة الدعاة إلى الفدرالية، يعرفون أنها لا تعالج الحالة اللبنانية، لأن اللبنانيين اختلفوا حول الركائز التي هي في النظام الفدرالي غير قابلة للاختلاف عليها، لجهة وحدة السياسات المالية والخارجية والدفاعية، بحيث تصبح الدعوة إلى الفدرلة توريةً ناعمةً عن الرغبة في "فك الشراكة".في مقابل ذلك يشعر الفريق الممانع بخسرانِه المتزايد للحلفاء، حتى لقد أصبح ضيِّقَ الصدر غاضبَه، تتدرج تعابيره من " بلُّوها واشربوا ميتها" إلى "يا للي بيطلع معكم اعملوه" وصولًا إلى التهديد ...