28-11-2020 | 12:45

المخرجة السعودية شهد أمين لـ"النهار العربي": لا أصنع سينما إصلاحية... وأنتمي الى "سحر الواقع"

المخرجة السعودية شهد أمين لـ"النهار العربي": لا أصنع سينما إصلاحية... وأنتمي الى "سحر الواقع"
Smaller Bigger
سحرتها السينما حين خرجت من السعودية للمرة الأولى للدراسة في لندن. فسرحت بخيالها ومزجت الأسطورة بالواقع، وتألقت في أكثر من تجربة إخراجية. ينتمي فيلم المخرجة السعودية شهد أمين الأخير، "سيدة البحر" إلى أدب المدينة الفاسدة.
 
في صفعتها الروائية الأولى التقطت عدستها مشهدية قرية الصيد التي تضحي بالأطفال الإناث إلى مخلوقات تعيش في المياه المجاورة بأسلوب بصري رمزي مدهش لا يرمي الذكورية بحجارة مباشرة ولا يروي الأحداث بقالب تقليدي. فهي لم تظهر صورة المرأة الضعيفة بل القوية والثائرة. كما لم تصبغ فيلمها الذي جال على مهرجانات مهمة، بالمحتوى المحظور الذي قد يروق للغرب.
 
 
اعتمدت لغة خيالية وواقعية جرداء لترسم حكاية "حياة"، الفتاة التي ترفض أن تكون ضحية المجتمع القاحل. عُرض الفيلم للمرة الأولى عام 2019 خلال فعاليات أسبوع مهرجان البندقية السينمائي الدولي، وحصد جائزة فيرونا للفيلم الأكثر إبداعاً. تتحدث أمين في هذا اللقاء بشفافية عن سعادتها لحضور فيلمها في دور العرض السينمائية السعودية أخيراً، وعما يشغلها كسينمائية عربية. فهي كما تقول لم تدرس الإخراج لتصنع أفلاماً في هوليوود !


- لمَ اخترت تقديم فيلم بالأبيض والأسود في تجربتك الروائية الطويلة الأولى "سيدة البحر"؟
تمّ تصوير الفيلم وشاهدناه بالألوان حتى في مرحلة ما بعد الإنتاج. لكن خلال جلستي مع "مصحح الألوان" Color Grader كنت أطالبه بسحب الألوان وإضفاء مشهد أقل تلوناً حتى تنتفي فيه بارقة الأمل ويعكس القساوة المطلوبة. ما يمنحه أجواء الأسطورة والميثولوجيا أيضاً. وقد تحوّل الفيلم إلى الأبيض والأسود لاحقاً، ما مكننا من تجريد البيئة المحيطة بالمكان، القرية برجالها ونسائها والبحر والجبال، من الإنسانية والحياة.
 
- فتاة صغيرة شجاعة وصلبة الإرادة، تُقرّر اختيار مصيرها بنفسها، فتتحدى أسرتها وتثور على تقاليد قريتها الظالمة، التي تفرض تقديم الإناث من أطفالها إلى مخلوقات غريبة تعيش في المياه المجاورة. هذه قصة الفيلم باختصار. كيف نسجت هذه القصة الواقعية وغير الواقعية في آن؟
الاضطهاد والتواجد الذكوري موجود في كل زمان ومكان. وأردت تقديم قصة أسطورية خالدة، وكنت أتجنب تصنيف الفيلم... هل هو فانتازيا وخيال علمي؟ فهو يتخلله هذا الجانب لكن لم يكن الأمر المهم الذي أريد تناوله. هو دراما وسحر واقع أيضاً. العنصر الخيالي الوحيد هو الحوريات بينما كل تفاصيله الباقية مستمدة من الواقع والحقيقة لكن بأسلوب غير تقليدي وسرد بصري بحت.
 
- ماذا يعني الانتماء إلى مدرسة "سحر الواقع" في أكثر من عمل إخراجي مع مشهدية خيالية قاسية؟
أحس بأن المسألة حدثت لا شعورياً. وحين أفكّر بالأمر، أذكر كم كنت مسحورة بدراسة السينما في لندن حين خرجت من السعودية للمرة الأولى. أدهشنتي القدرة على سرد القصص بصرياً والأدوات التي تمكنني من صنع فيلم من دون الحاجة إلى استخدام الحوارات. وأعتقد بأنني أتحدى نفسي في كل فيلم أقدّمه قبل أن يكون موجهاً للجمهور. لم تستهوني يوماً الأساليب التقليدية بل أحب استخدام الرمزية كثيراً، وأجد أن عالم السينما قائم عليها. السينما فن بكامله. 
 

- لمَ اخترتِ أن تكون المخلوقات الغريبة، حوريات؟ وكأنها مواجهة "المرأة ضد المرأة"... ماذا قصدتِ؟
آخر أفلامي القصيرة كان بعنوان "حورية وعين" وهو مستوحى من العالم نفسه. وفي الفيلم مشهد يشطر فيها الوالد الحورية بعد صيدها. وكمخرجة، لم أتوقّع أن أقدم فيلماً عن الحوريات، بل أن أصنع دراما، لم يخطر ببالي أن أذهب بعيداً بخيالي. وقد جاءتني فرصة تجنب الدراما التقليدية وأن أقدّم قصتي بأسلوب بصري. فباستطاعة الحوريات أن يجسدن رمزية عظيمة للمرأة التي مشت عكس التيار. في الفيلم القصير تخلص الوالد من الحورية وشعرت حينها بأنها فرصة ضائعة ولذلك عمدت إلى تصوير فيلم روائي طويل. رغبت في كتابة فيلم يعبر عن وجودي والبيئة التي تربيت فيها في مجتمع تقليدي قليلاً ومحافظ قليلاً وذكوري قليلاً. تعمقت أكثر في المجتمع ونظرته للمرأة. ففي مرحلة الطفولة تكون الفتاة مساوية للصبي وتلقى المعاملة نفسها. وفجأة بعد مرحلة البلوغ حين تصبح "غير طفلة" للمجتمع تدخل عالم الحريم وكأن جسمها يثور عليها ويصبح ضدها وتجد صعوبة في التعامل معه. تشعر المرأة بأنها خلقت بجسد ممنوع وينظر إليه بسطحية وأقل من الجنس الآخر. وهذا التخبط الذي شعرت به واختبرته مع البنات اللواتي أعرفهن، العلاقة مع الجسد بعد أن أصبحن نساء. ولذلك وددت أن ترمز الحورية إلى الجسد. وبطلتي "حياة" رفضت هذا الجسد لأن المجتمع الذي يحيطها يأكل من هذا الجسد، ما لم ترضخ له حتى تخوض رحلتها وتكتشف ذاتها.
 
 
- هل تحملين في شخصيتك التحدّي الذي عاشته بطلتك في "سيدة البحر"؟
طبعاً ! قصة "حياة" يمكن أن تعيشها أي فتاة شعرت بأنها أقل من الجنس الآخر. وأي إنسان متصالح مع نفسه ستمثله هذه الفتاة وسيشعر بأنها قريبة جداً من التجربة التي مرّ بها. وأعتقد بأن قصتي تتجاوز المجتمع العربي أو السعودي، هي قصة عالمية. فالمرأة لا تزال تطالب بحقوقها في أوروبا وأميركا. ولا تزال الفوارق الجندرية محفورة في مجتمعاتنا الإنسانية، لكن في العالم العربي أكثر من دون أدنى شك.
 
- بطلتك "حياة" هي الممثّلة السعودية بسيمة حجّار ويقوم بدور والدها الممثّل السعودي يعقوب الفرحان...، رغم أنك تروين حكاية غير سعودية ألم تخشي أن يتم إسقاط هذا الواقع على مجتمعك؟ 
شعرت بأنني قد أتعاون مع ممثلين من أي مكان في العالم، حتى أن مسودة الـ"السكريبت" كان بالفصحى. لم أخشَ الأمر، وكان مهماً للغاية أن تكون بسيمة هي "حياة" وأن يكون يعقوب هو الوالد. ولم أفكر بردة الفعل بل بأنني أروي قصة مهمة. فكرت بتصوير الفيلم والإنتهاء منه لأكتشف ... هل سيلاقي الصدى؟ هل سيفهمه الجمهور؟

- ماذا يمثل لك أن يعرض فيلمك في دور العرض السينمائية السعودية بعد جولة مميزة وحافلة بالجوائز من عدة مهرجانات سينمائية عالمية؟
يسعدني أن المشاهد السعودي أحب القصة وتواصل معها وفهم قصدي، ولم يشعر بأن فكرتي هي بمثابة كائن فضائي أو أتحدث بصرياً عما لا يمثله. وبصراحة، توقعت لهذا الفيلم أن يعرض في المهرجانات فقط، وتحمست جداً لعرض هذا الفيلم أمام الجمهور السعودي. فأنا لم أصنع فيلماً للنخبة بل رؤية بصرية تؤثر بالناس.
 
 
- كيف تقرئين الدور المتغير للمرأة في عالم الإخراج؟
في السنوات الأخيرة، بدأت النساء يطرحن قصصهن أكثر وهذا مفيد للغاية. وحين أسمع انتقادات عن كثرة المخرجات اللواتي يقدمن حكايات نسائية بارزة ومؤثرة، أجيب على الدوام بأننا ما زلنا في بداية الطريق ولم نمل. وهذا التواجد النسائي ظهر بشكل كبير أيضاً في لبنان والمغرب العربي حيث أسماء كبيرة في عالم الإخراج. وهو دليل على أن المرأة أثبتت وجودها في عالم السينما وأثبتت صراحتها في طرح قصصها. وهذا ما لفت الجمهور العربي.
 
- هيفاء المنصور، اسم نسائي سعودي لامع في عالم الإخراج. كيف تنظرين إلى تجربتها كمواطنة وكمخرجة-امرأة؟
نفخر كثيراً بهيفاء المنصور لأنها لم تحقق نجاحاً محلياً فقط، بل عالمياً وهي تتنقل بين الأفلام العربية والأجنبية. وأعتقد أن كل المخرجين اليوم يستفيدون من خبرتها وتجربتها المحفزة لجميع السينمائيين في المستقبل.
 
- كيف تقيّمين حصولك على جائرة فيرونا للفيلم الأكثر إبداعاً خلال فعاليات أسبوع مهرجان البندقية السينمائي الدولي العام الماضي؟ ماذا عن جائزة أفضل فيلم في مهرجان سنغافورة؟
هي فرصة كبيرة أن يعرض فيلمي الروائي الأول في أعرق المهرجانات السينمائية. لم أتوقع الفوز بجائزة في المهرجان. كان الأمر مفاجأة جميلة جداً لي ولطاقم العمل وكل من ساهم في إنجاحه. كما أن جائزة سنغافورة أحببتها كثيراً، فقد ترأس لجنة التحكيم فيها المخرج الهندي الكبير أنوراج كاشياب. أعجبه الفيلم كثيراً. وأسعدتني جائزة الشاشة الفضية كأفضل فيلم في مسابقة الأفلام الآسيوية لأنها أتت من أسماء أكن لها كل الاحترام. 
 
- من مهّد لك الطريق، منحك الدعم والدفع المهني لتحقيق خطواتك الإخراجية والمشاركة في المهرجانات؟
قد يثير عالم السينما الرهبة من الخارج، لكنه في الحقيقة عبارة عن مجتمع منفتح وداعم فيه أناس طيّبون يهمهن الأخذ بيد المواهب الإخراجية. كما أنني وجدت الدعم من المخرجين ومؤسسة الدوحة للأفلام وتعاونت معهم في فيلم "حورية وعين". ثم تلقيت الدعم من شركة "إيمج نيشن أبو ظبي"... حتى حين أرسلت فيلمي لمدير مهرجان دبي السينمائي مسعود أمر الله كان يبدي رأيه وتعليقاته. العالم السينمائي يساعد المخرجين الجدد بصراحة. 
 
 
- ما هي أهمية الإبداع النسائي في المملكة العربية السعودية التي شهدت انفتاحاً مشهوداً انسحب إلى عالم المرأة وأمامه اليوم فرصة ذهبية للإنطلاق؟
يعتنون في السعودية بدعم الأفلام كثيراً، والفن والثقافة بشكل عام من خلال الدورات اليومية والتمويل من وزارة الثقافة والمهرجانات لدرجة أنه لا يمكن تقديم أكثر من ذلك. نعيش في زمن المخرجين والمبدعين الذين شعروا في وقت ما بأن لا فرص لديهم خصوصاً النساء.
 
- هل تحرّك الحس الإخراجي بداخلك مع المتغيرات الأخيرة كالسماح للمرأة بالقيادة؟
لم يشغلني هذا الأمر يوماً... هذه مشاكل سطحية. القضايا الأكبر هي الإنسان وتجربته في الحياة. 
 
- ألم يكن يعني لك عدم السماح لك بالقيادة كامرأة؟
كان يعني لي بالطبع، وكان مهماً جداً أن تقود المرأة في السعودية لكنني كنت أشعر بأنه فقط حق ضائع. ثمة تفاصيل أعمق يمكن أن نناقشها عبر الأفلام. بالنسبة إليّ السؤال الأهم: "ليش المرأة ما كانت تسوق؟". كما أنني لا أصنع أفلاماً من منطلق إصلاحي، ربما أنا أنانية كمخرجة وأفضل أن أتكلم عن تجارب شخصية. فالجمهور يحب التعرف إلى الجوانب الشخصية من حياة البشر.
 
- ما هي نظرتك للحياة والزواج كفتاة سعودية درست في الخارج؟ ما هو حدود حريتك لاختيار الشريك؟
أعتقد في هذه اللحظة أن كل فتاة لها حرية الاختيار في حياتها الأسرية والمهنية. لكنني أرى أيضاً أن السنوات التي مرت حين كانت المرأة تعامل بأسلوب يقلل من قدراتها، مظاهر التدين والتمسك بالتقاليد القديمة، تفاصيل ستترك أثرها حتى لو تعدلت وتغيّرت على أرض الواقع. فالسيكولوجيا لا تزال موجودة. أحب التحدث عن هذه الأمور بصراحة وشفافية، فالمظهر الخارجي يبدو جيداً جداً، لكنّ ثمة عقداً موجودة من الماضي. يمكن للتفاصيل أن تتغير بلحظة لكن لا يمكن أن ننسى بلحظة. والذكريات لا يمكن مسحها. 
 
- إلى أي مدى ترسمين حدود أعمالك داخل إطار المحلية؟
أردد على الدوام بأنني لم أصبح مخرجة لأصنع أفلاماً في هوليوود. أنا شغوفة بالعالم الذي أستفرد به ويخصني. أحب التفاصيل التي رأيتها وعشت معها وشغلت بالي وهي تلهم تجربتي الإخراجية.
 
- كمخرجة، ما هي الأعمال التي تلفتك؟
شاهدت فيلماً وثائقياً بعنوان Searching for sugar man أخيراً، وقد أثّر بي كثيراً. يروي حكاية موسيقي لم يحقق الشهرة في أميركا في الثمانينات بل في أفريقيا الجنوبية ولا يعرف. فيلم رائع، وقد أبكاني من السعادة. كما أنني اكتشفت فيلماً مصرياً مميزاً بعنوان The Nile Hilton Incident، وتمنيت لو أن الأفلام العربية مثله مستقاة من أرض الواقع. 
 
- لو أردتِ تصوير وثائقي عن شخصية مُلهمة؟
سيكون نزار قباني، شاعر المرأة. تأثرت به منذ الصغر حتى بدأت بكتابة القصائد. لقد استطاع أن يصل لكل الناس. فكرت أن أتناول ديوان "يوميات امرأة لا مبالية" من منطلق "سحر الواقع". هذه إحدى رغباتي الإخراجية...
 
 
العلامات الدالة

الأكثر قراءة

المشرق-العربي 5/20/2026 3:21:00 AM
أحمد الشرع يعتذر لأهالي دير الزور بعد تصريحات والده المثيرة للجدل
آراء 5/19/2026 4:27:00 AM

المسّ بركائز وثيقة الوفاق الوطني –سواء بطريقة مباشرة عبر طرح مشروع "المُثالثة"، أو بطريقة ملتوية عبر المناداة بتطبيقٍ ملتوٍ للطائف تحت شعار تطبيقه "كاملاً" – قد يُدخل البلاد في سجالٍ يدفع بها نحو الحرب الأهلية...

لبنان 5/19/2026 10:50:00 AM
يتحول الطقس تدريجياً إلى متقلب مع أمطار متفرقة ورياح ناشطة تصل أحياناً ٧٥ كلم/س مع ارتفاع لموج البحر ويستمر حتى مساء يوم الخميس
لبنان 5/19/2026 2:15:00 PM
اعتماد أحكام القانون الرقم 194 الصادر عام 2011 بالنسبة إلى المبعدين، واعتبار أحكامه نافذة