الـ"سوشيال ميديا" تحوّل فن اللوحات الدرامية إلى ابتذال جنسي
مخيف هذا الاستهتار بفن التمثيل في سورية والإساءة إليه، من خلال انتاجات قائمة عليه وفق مسميات مختلفة، بما قدمه من أسماء وأعمال راسخة طولاً وعرضاً على امتداد العالم العربي. لعل على نقابة الفنانين السوريين الإلتفات أكثر إلى دورها في الحفاظ على مستوى وصورة الفن والفنان السوري، أكثر من لعب دور الجابي وموّزع شهادات الوطنية...
استندت الدراما السورية إلى مقترح اللوحة القصيرة أو الـ"سكتش" في مختلف المواضيع الاجتماعية والسياسية والمعيشية. بدايةً على صعيد المسرح كإنتاجات فرقة الفنان الراحل عبداللطيف فتحي و"مسرح الشوك" للفنان الراحل عمر حجّو وفرقة "مسرح تشرين" للكاتب الراحل محمد الماغوط ودريد لحام. وعلى أثير الإذاعة مع الفنانين الراحلين حكمت محسن وأنور البابا وتيسير السعدي وفهد كعيكاتي وغيرهم. وامتدت إلى جهاز التلفزيون منذ لونيه الأبيض والأسود من خلال أعمال كـ"فقاقيع". ثمّ ترّسخت في الشاشة الصغيرة من خلال سلسلة "مرايا" للفنان ياسر العظمة، قبل أنّ تتوّسع من خلال أعمال أخرى ضمن الفئة عينها، أمثال "وين الغلط" و"بقعة ضوء" و"عالمشكوف". وشكلّت هذه المسلسلات على مدى عقود، مصنعاً ومجالاً تجريبياً لتقديم وصقل عدد من أبرز أسماء الفن السوري في الكتابة والإخراج والتمثيل، على غرار الكتاب كرافي وهبي وحازم سليمان، والمخرجين الليث حجّو والراحل حاتم علي، وممثلين كعابد فهد وسواه.
وفي "تطوّر طبيعي"، كان لا بد لهذه الـ"سكتشات" التي عكست الواقع العربي، أنّ تلحق بركب الـ"سوشيال ميديا" وشروط العرض الإلكتروني، لا سيّما أنّها مهيّئةً بطبيعتها من جهة المضمون النقدي غالباً، ومن جهة الشكل بزمن قصير نسبياً في محاكاة لشرط "السرعة الإيجابية" والتصفح على المواقع. ولكن على نحو النسخة الصينية من "اللوحات" التي قدمّها تلفزيونياً المخرج فادي غازي، وخارجاً عن "طبيعة الفن"، شهدت شبكات التواصل الاجتماعي نسخاً أكثر سوءاً وتردياً، وتنتمي إلى فئة "الهراء" المتفشي عليها، على مبدأ "الدكان" حيث لا رقابة ولا عمل مؤسساتي ولا ضوابط تضمن الحد الأدنى من المسؤولية الاجتماعية والمستوى الفني والمهني. وحيث أصبحت بائعات أجساد كثيرات "فاشينستات"، وعارضات من شمع بتن "فنّانات صاعدات"، و"نمّامين" انتحلوا صنعة النقّاد، ولائحة الأعشاب الضارّة تطول...
من هذه الأشياء التي لا تعريف واضحاً أو إيجابياً لها، فيديوات تنشر على حسابات في شبكات التواصل الاجتماعي، كصفحة "شركة بانة للإنتاج الفني" التي توّقفت منذ سنوات عديدة عن إنتاج المسلسلات التلفزيونية (صبايا، تعب المشوار، شيفون...)، لتعود الآن من خلال عرض "مواد" يُفترض أنّها في الشكل لوحات درامية، إذ تجمع أشخاصاً يقومون بالتمثيل ويؤدون مشاهد أمام عدسة كاميرا وأجهزة إضاءة في موقع تصوير قائم على ديكور معين، وفق سيناريو وحوار. ومن اللافت أن سمة واحدة تجمع هذه الفيديوات المنشورة ضمن قوائم "سكتشات عالماشي" وحكايات بنات" و"دكتور سكينة" و"نحن غير"، "الجنس"، سواء في المضمون أو الإيحاء أو في العناوين. جاء في بعض نماذج قائمة "سكتشات عالماشي": "فات على بيت جارو بالغلط ومقطوعة الكهربا وعملها اللازم"، و"جاب صاحبتو عالبيت وبدو يعمل بروفا بغرفة النوم"، و"مرتو مسافرة طلب من جارتو تطلع لعندو وصار يلي صار". غالبية هذه اللوحات مبينة على نكات شارع مستهلكة ومبتذلة. وأما لائحة تشغيل "دكتور سكينة" تضم مقاطع مصوّرة تضيف إلى تيمة الجنس، وباء تسليع المرأة والتقليل من شأنها كفيديوات: "الدكتور سكينة نفخ واحد ونسي التاني بسبب الظروف" و"شاعرة وحبت تعمل تجميل لتحافظ على خلفيتها الثقافية"، و"بياع قطع سيارات جاب مرتو لعند دكتور التجميل يعملها نفض وغيار قطع". ولا يختلف الحال في سلسلة "حكاية بنات" في فيديوات تحت عناوين: "انصدموا البنات لمّا عرفو إنو نور شان كانت متجوّزة أربعة ولساتها بنت بنوت " و"زوج نورشان اخد حبتين مقوي بليلة عرسو قام صار شي تاني"، و"زوج نور شان التالت انجلط بليلة الدخلة والسبب غريب".
يؤكد المنتج عماد ضحية (شركة بانة للإنتاج الفني) لـ"النهار العربي" أنّ هذه الفيديوات ليست من إنتاج شركته، بل "سكتشات معروضة عبر صفحتنا". ورداً على سؤال حول رأيه بمستوى هذه الفيديوات فنياً، أجاب: "بعضها ظريف وبعضها ضعيف"، نافياً في الوقت عينه استنادها على الجنس والإيحاء به قائلاً: "المواضيع لا علاقة لها بالجنس، بل الأمر مقتصر على اللعب بالكلام، لا شيء له علاقة بالجنس، ولكن، كل يراها حسب تفكيره بطريقته". وأما عن العناوين المستخدمة، يوضح: "يضعون العنوان من أجل جذب المشاهد، ولكن المضمون غير قائم على الجنس". ويشّدد ضحية على أن الفيديوات المعروضة هي "مجرد سكتشات، نكات مصوّرة، هي شيء والدراما شيء آخر".
وجدير بالذكر أنّ هذه النوعية من الإنتاجات لا تقتصر على صفحة "شركة بانة للإنتاج الفني"، بل على حسابات عدةّ، كـ"رشا بلس" في فيديوات للممثلة رشا رستم تماثل في المضمون المقاطع المذكورة سابقاً، ومنها: "بدها تفوت لعند جارها الوحداني بأي طريقة شوفو شو ساوا الجار وبدها جارها يشتغل معها بنص الليل! يا ترى شو هالشغل المُعتم؟!"، و"اقنعتو يلغي مجوة امو عالبيت عشان ما تنزع عليهن السهرة الرومانسية، الخاروف رد عليها وشوفو شو صار في بالآخر". مخيف هذا الاستهتار بفن التمثيل في سورية والإساءة إليه، من خلال انتاجات قائمة عليه وفق مسميات مختلفة في سعيٍ إلى أرباح ببيع الغرائز حصراً، بما قدمه من أسماء وأعمال راسخة طولاً وعرضاً على امتداد العالم العربي. لعل على نقابة الفنانين السوريين الإلتفات أكثر إلى دورها في الحفاظ على مستوى وصورة الفن والفنان السوري، أكثر من لعب دور الجابي وموّزع شهادات الوطنية...
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
العالم العربي
4/27/2026 9:12:00 PM
يمثل علي الزيدي نموذجاً لقيادة تجمع بين الخبرة العملية والرؤية المستقبلية في العراق.
ثقافة
4/23/2026 12:24:00 PM
فيلم "سوبر ماريو" يتصدّر عالمياً رغم تقييمات نقدية ضعيفة.
ثقافة
4/26/2026 7:28:00 PM
"سوبر ماريو غالاكسي" أول فيلم في 2026 يحقق هذا الرقم.
سياسة
4/28/2026 6:22:00 PM
هزّة على الحدود الجنوبية للبنان بعد تفجير الجيش الإسرائيلي نفقا بـ570 طناً من المتفجرات
نبض