12-08-2020 | 08:40

"المسافة صفر"... البحث عن الماضي السعودي المفقود

يدمج المرحلة التاريخية بحيث يجعلها قادمة من عنديات الصحوة
"المسافة صفر"... البحث عن الماضي السعودي المفقود
Smaller Bigger
يفتح الفيلم السعودي "المسافة صفر" (بدأ عرضه على نتفلكس في 31 تموز يوليو الماضي) على جثة مرمية على الأرض ومسدس إلى جانبها، بينما يقف ماجد مبهوتاً أمامها. حسناً! إنه برولوغ الفيلم، وبما لا يدفع لتحري أي شيء ولا إطلاق تساؤلات أو ما شابه، فالأمر لا يتعدى لقطة ثابتة وجيزة، لنا أن نصلها في القسم الأخير من الفيلم، ولتكون وقائع وملابسات وصول شخصية الفيلم الرئيسة إلى هذا الموقف قصة الفيلم. 

 

تؤسس بداية "المسافة صفر" الذي أخرجه عبد العزيز الشلاحي وكتبه مفرج المجفل، مباشرة لصراع ماجد (خالد صقر)، فهو أولاً صراع مع ذاكرته، فمع المشهد الأول نجده في مطبخ بيته يُخرج هاتفه من الثلاجة وقد نسيه فيها، ثم إنه يرفض استلام وجبة من عامل التوصيل لكونه لم يقم بطلبها، ومع تلقيه اتصالاً من المطعم يبدو جلياً للمشاهد أن الأمر متعلق بنسيانه أمر الطلب. لكن، بين هذا وذاك، يُستحضر ماضيه بالاستعانة بآلية سردية يوفرها شريط "في اتش اس"، ما إن يضعه في المشغّل حتى يطالعنا وهو في سيارة برفقة مروان (أسامة صالح) ليقوما بحرق استديو تصوير "ينشر الضلال والفجور"، والتاريخ الظاهر على التسجيل هو 24 ديسمبر (كانون الثاني) 1996، ولتتضح من خلاله حيثيات الفترة التاريخية التي يتناولها الفيلم، أي ما يُعرف بالصحوة الإسلامية أو صحوة بلاد الحرمين الإخوانية، سواء بالعودة بالزمن أو فيما سيشكل الدافع الرئيس في حاضر الفيلم الافتراضي، وكل ما له أن يكون متوارياً تحت غلالة صراع ماجد مع الذاكرة.

 

يولّد هذا الصراع أسئلة من قبيل: هل هذا النسيان آت من صدمة يريد تناسيها، وماض يرغب بمحوه؟ هل هو مصاب به بحق أم أن شيئاً آخر يحصل يدفعه إلى ذلك؟ ولعل الإجابة عن ذلك بـ لا ونعم! مفصلية في بنية التحفيز والفضول التي ينتهجها الفيلم ما دام يميط اللثام من اللقطة الأولى عن نمطه، ألا وهو الغموض والإثارة، التي تكون سيكولوجية، وخاصة مع أجواء الفيلم المستمدة من أفلام "نوار" Noir، لكن بنسخة سعودية، حيث الاستثمار في جو سديمي مغبر، أو أصفر، إن صح الوصف، بما يستدعي أن تكون الأضواء منارة في النهار قبل الليل، مع اهتزازت الإضاءة في السلالم والمداخل. 

ماجد شاب في الثلاثينات من عمره، يمتلك استديو تصوير في سوق شعبي بالرياض، يساعده أو يعمل معه نامي (يعقوب الفرحان). كما أن ماجد على علاقة بمعلمة مدرسة اسمها أبرار (إلهام علي)، ينتظرها أمام مدرستها، يلتقيها منقبة متى أمكن، وغالباً في سيارته، ولها أن تدّعي أنها زوجته حين تتطلب الحاجة ذلك، كما تفعل لدى الطبيب الذي تأخذه إليه لتطمئن على ذاكرته. لدى ماجد كل الحكاية، وكلّ من حوله من شخصيات تضيء على حالته، وتعمل على تصعيدها، كما هي أبرار التي ستجد في عدم رده على مكالماتها أو نسيانه أشياء متعلقة بها وعلاقتهما مؤشراً على فتور الحب أو توهجه، بينما يشكّل نامي الشاهد على كل انتكاسات ذاكرة ماجد، هو الذي يدّعي على الدوام سعيه إلى مساعدته ليتخلص من "الزهايمر المبكر" حسب تعبيره. وبالتالي يأتي سرد الفيلم تصاعدياً، يدفع بتفاقم حالة ماجد، وبالتالي اللغز، الذي يتحول إلى ألغاز، ما دام ماجد يعثر على مسدس في درج سيارته ورصاصة ناقصة من رصاصاته، ويرى بقعة دم على السجادة في بيته، ومن ثم صورة جثة التقطت في بيته على كاميرا تلقاها هدية من زبونة قامت بتصوير ابنته الصغيرة، وهو لا يتذكر متى وأين وكيف حصل ذلك!

 

سأدع الإثارة جانباً وأترك اكتشاف لغز ماجد للمشاهد، ما دام رهان فيلم الشلاحي على صعيد الحبكة يكمن في النهاية المفاجئة، والتي سيدمج فيها المرحلة التاريخية بحيث يجعلها قادمة من عنديات الصحوة، والجماعات السلفية، سواء من سُجِن أو وَشَى أو نَجا، ولعل أهم ما في الفيلم ماثل بنجاحه بذلك، أي تقديمه حكاية مشوّقة تقليدية، وفية للوصفات المتبعة في نمط كهذا، لكن في سياق سعودي. وبكلمات أخرى: سعودة الغموض والإثارة، وهذا يمتد إلى عناصر وشخصيات أخرى، فعلى سبيل المثال، العطّار شاكر (إبراهيم الحساوي)، صاحب متجر العطارة المجاور لاستديو ماجد والطامح لشرائه لتوسيع أعماله، ليس عنصراً مؤثراً في الحبكة الرئيسة للفيلم، إلا أنه ناجح في استكمال البيئة التي تجري فيها الأحداث، والإضاءة على جوانب اجتماعية واقتصادية في مرحلة تسعى المملكة حالياً إلى جعلها من الماضي، فهو العطّار الذي يعتمد اعتماداً رئيسياً على بيع الأعشاب المقوية جنسياً، وأشياء من قبيل نبتة "كوردمدوم" الآتية من البرزخ، والذي يعلّق على إقدام "هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر" على طمس صورة امرأة على عبوة منتج يبيعه، قائلاً "لماذا يطلب الرجال أعشاباً إن كانت صورة بنت مظهرة كتفها تثيرهم!".
ينجح عبد العزيز الشلاحي في "المسافة صفر" (فاز بجائزة أفضل فيلم روائي طويل في مهرجان أفلام السعودية 2019، وجائزة أفضل إنجاز سينمائي في مهرجان الإسكندرية السينمائي 2019) في تقديم فيلم درامي، يؤسس حبكته على وصفات وعناصر التشويق السيكولوجي المعروفة، إلا أن حل اللغز وتكشّف خيوطه يحضر من مكان آخر لا علاقة له بمأزق ماجد الذاتي، كما لو أن الفيلم في النهاية سينقلب على توصيفه بـ"السيكولوجي"، ضمن لعبة النهاية المفاجئة، واجداً ضالته في استدعاء الماضي، ماضي ماجد المرتبط بماضي آخرين ومصائرهم، لهم أن يكونوا جميعاً ضحية أيديولوجية عمياء، اجتمعوا في سياق حكاية مشوّقة. 
 
 
 
العلامات الدالة